موقع الباحث الدكتور خليل جندي رشو

 

 قراءة أولية لواقع الكرد الأيزيديين في العراق![هل نحن بحاجة إلى تشكيل أحزاب دينية] ؟

 

الدكتور خليل جندي/ جامعة كوتنكن

 

 

هذه المادة التي أطرحها للحوار ليست سوى محاولة جادة لفتح حوار واسع ومسؤول يشارك فيه جميع الأيزيديين المقيمين في الداخل أو الخارج, وكذلك كل المهتمين بقضايا الأيزيديين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب وجميع المناضلين في سبيل إقامة عراق حر, ديمقراطي, فيدرالي, مستقل وتعددي, حيث تسود فيه وتحترم حقوق الإنسان والعدالة والرأي الآخر والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة. فالعراق بحاجة إلى كل الجهود الخيرة لإزالة جميع الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية المدمرة التي خلفها النظام الشمولي البعثفاشي طيلة العقود المنصرمة.

والحوار كان وما يزال لغة حضارية يعتمد المنطق العلمي والموضوعية ويستند إلى تقديم البراهين والأدلة، ويبتعد عن لغة القوة والعنف والمزايدات وإثارة التعصب القومي والنعرات الدينية والمذهبية. ويستمد الحوار الموضوعي منطقه من استيعاب المتحاورين لواقع الحياة وفهمهم للقوانين الموضوعية الفاعلة في المجتمع وإدراكهم لفن الممكنات, والابتعاد عن الأحلام والرغبات الذاتية التي لا تمت إلى الواقع بصلة وتتحول إلى عوامل إحباط وخيبات أمل غير مبررة.

والحوار بمفهومه الحقيقي لا يهدف الى فرض رأي بعينه على الآخرين، بل يهدف إلى فتح باب واسع لتبادل الرأي والخبرة والمعرفة مع الآخرين, كما يتضمن احتمال خوض صراع حيوي متفتح بين الآراء المتباينة بكل حرية وبعيداً عن التوتر والانفعال وفقدان الموضوعية أو يحمل معه الإساءات للآخرين.

وحينما أطرح أفكاراً معينة للحوار، فهذا يعبر ببساطة شديدة عن رغبتي في تبادل الرأي مع الآخرين وعن قناعتي بها, وفي الوقت نفسه عن الرغبة في التيقن من صحة ما أطرحه أو طلب التعاون للمساهمة في تحسين ما يحتاج منها إلى تحسين وتطوير أو حتى تغيير. وهذا يعني باختصار شديد بأني لا أدعي لنفسي الصواب كله أو أن ما أطرحه يمثل الحقيقة المطلقة, كما يعني عدم رغبتي في فرض ما أفكر به على الآخرين, فالأفكار الصائبة تفرض نفسها في مجرى الحياة, أما الزبد فيذهب جفاءً. والمطلوب في مثل هذه الحالة أن يبادر المهتمون بمناقشة هذه الأفكار بموضوعة وحرص على الموضوع المطروح للحوار, ويبقى الحق الثابت لكل إنسان أن يقبل بتلك الأفكار أو أن يرفضها جزئياً أو كلياً.

الأفكار التي أطرحها للحوار لا تعبر عن قناعتي الذاتية فحسب, بل يشاركني بها جمع غفير من الناس، ربما ليس بالتفاصيل والحدود التي أراها ومقتنع بها, كما يمكن أن يختلف معي بها آخرون, وهو أمر طبيعي تماماً. وهي في كل الأحوال تعبر عن وجهة نظري وقراءتي لواقع الأيزيدية في عراق ما بعد صدام، فإن أصبت أكون قد ساهمت في عملية التوعية المنشودة في صفوف الأيزيديين والعمل معهم للخلاص من المشكلات المحيطة بهم, وأن أخطأت في الاجتهاد, فحسبي أن الإنسان عرضة للخطأ, إلا أن عذره في ذلك أنه حاول المساهمة بحل المعضلات القائمة ولكن جانبه الصواب.

تدور في الأوساط الأيزيدية مناقشات غير قليلة حول جملة من المسائل التي تمس الأكراد الأيزيديين, كما طرحت الكثير من الموضوعات والبيانات عبرت عن اتجاهات فكرية وسياسية متباينة تدعو إلى قيام حركات وأحزاب سياسية أيزيدية على أساس ديني أو من منطلقات دينية. وإزاء هذا الواقع وجدت نفسي ملزماً بطرح أفكاري أيضاً ومناقشة أفكار الآخرين بهذا الصدد بكل حرية واحترام للرأي الآخر. ولهذا أؤكد ابتداءاً بأن هذا الحوار لا ينوي أو يستهدف الإساءة إلى أي إنسان شارك أو سيشارك في هذا الحوار أو الحط من قيمة أفكاره, إلا أن الصراحة والجرأة والعلمية في طرح الآراء ضرورية جداً, إذ أن والهدف الأول والأخير يتركز في تشخيص الحلول العملية للمشكلات القائمة التي ترتبط مباشرة بالمصالح الحيوية للأكراد الأيزيديين.    

وقبل البدء في معالجة صلب الموضوع، أرى مفيداً طرح رؤيتي بشكل مكثف عن سيكولوجية الإنسان الكردي الأيزيدي وبعض ملامح المجتمع الذي يعيش فيه.

 

أولاً: العوامل التي ساهمت في تكوين شخصية الفرد والمجتمع الأيزيدي

ساهمت الكثير من العوامل الذاتية والموضوعية في المجتمع العراقي وعلى مدى قرون طويلة في تشكيل شخصية الفرد والمجتمع الأيزيديين, نشير إلى أهمها فيما يلي:

·        علاقات الإنتاج الاستغلالية التي سادت المجتمع كله, * سيادة النظم الاستبدادية في المنطقة, * التخلف والفقر العام الذي شمل المجتمع وانتشار الجهل والأمية, ومنها الأمية السياسية, * ممارسة القمع والإرهاب ومصادرة الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان الفرد والمجتمع الأيزيدي, * ممارسة التمييز الديني إزاء أتباع هذه الديانة القديمة الذين أصروا على التمسك بها وهو حق ثابت لهم.

·        أما على المستوى الأيزيدي، فيمكن الإشارة إلى دور الأمراء والمسؤولين الأيزيديين في إقامة التحالف مع النظم الاستبدادية, * عدم التصدي أو المشاركة في ممارسة الاستغلال ضد أفراد المجتمع الأيزيدي, * سيادة نظام التراتبية الاجتماعية الذي ساعد على بروز واستمرار تلك المظاهر السلبية, * يضاف إلى كل ذلك طبيعة الانغلاق الديني الأيزيدي والحرمان من التعليم في المدارس استمرت لقرون طويلة حتى إلى فترة قريبة جداً, * وأخيراً واجه الأيزيديون الأكراد وبشكل مضاعف سياسات التعريب والتبعيث ومسخ الهوية والادعاء بأنهم جزء من الأمة العربية. * كما يمكن اعتبار الموقف السلبي لبعض الأحزاب الكردستانية في تهويل الجانب القومي "الأممي" والاستخفاف بالعادات العائلية والتعرض للرموز الدينية الأيزيدية، من ضمن العوامل التي أثرت على المجتمع وشخصية الفرد الأيزيدي وشوهت تقدمه.

 

ثانياً: الخصائص المميزة للفرد والمجتمع الأيزيدي:

 

1-    لا تختلف خصائص الكردي الأيزيدي من حيث المبدأ عن  الخصائص التي تميز الكردي المسلم في العراق، أو حتى عن الفلاح الريفي بشكل عام. فالفرد والمجتمع الأيزيديين يشكلان جزء من ثقافة الفرد والمجتمع الشرقي بكل ما يحمله من الايجابيات والسلبيات. الإيجابيات كثيرة يشهد لها، والسلبيات موجودة لا أحد يستطيع نكرانها.

من الطبيعي ان تصنع العلاقات الإنتاجية والبيئة والجغرافية والتاريخ شخصية الفرد والمجتمع وتصنع شخصية الأمة أيضاً, بغض النظر عن العرق واللغة. والكرد الأيزيديون ليسوا استثناءاً من تلك القاعدة. ويفترض الإشارة هنا إلى بعض الخصائص التي تتميز بها نسبة كبيرة من الأيزيديين، ومنها: الفردية والاستسلام للقدر، إضافة الى الأنانية والركض وراء المصلحة الشخصية والانتهازية والازدواجية، الشك والحذر. وما يضاف إليه هو الانغلاق الطويل على الذات- مجتمعاً وأفراداً- والعناد الفلاحي الذي لازمهم خلال تاريخهم المنصرم، وهذا في جزئه الكبير نابع عن عدة عوامل، أشير إلى أهمها وفق قناعتي فيما يلي:

أ- الميكانيزم الديني الأخلاقي ( ان صح التعبير) الذي يجعل من الفرد الأيزيدي مقيداً الى أبعد الحدود ويقلل أمامه فرص الحركة والمناقشة والابداع، ويجبر عملياً وباسم الدين الخضوع إلى رؤسائه الدينيين.

ب-التأثيرات العشائرية القوية في بعض مناطق سكنى الأيزيدية وانتشار الأمية الواسع زاد من خضوع الفرد الى رئيس العشيرة وساعد في تحجيم عملية التفكير والمبادرة والإبداع.

ج- وقوف السلطات (الأنظمة) ومراكز القرار منذ العهد العثماني ومروراً بالعهدين الملكي والجمهوري وإلى حين سقوط نظام البعثفاشي في 9/ نيسان/2003، الى جانب رؤساء الأيزيدية لضرب أي نفس ديمقراطي، أو صوت معارض يدعو للإصلاح وبناء الشخصية المستقلة.

 

3 – الاستبداد البعثي ومحاولة التعريب وتبعيث وتسخير الكرد الأيزيدية:

أ‌-       طبيعة حزب البعث ونظامه في العراق:

استولى حزب البعث على السلطة في العراق منذ 17/تموز/1968 ولغاية 9/نيسان/2003. ثلاثة عقود ونصف ساد في العراق نظام شمولي إرهابي حكم البلاد بالحديد والنار وخلّف ورائه آثاراً مدمرة على الشعوب العراقية بشكل عام وعلى الأقليات القومية والأثنية والدينية بشكل خاص. وتم كل ذلك تحت شعاره: " أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ". ولم يكن هذا الشعار سوى ممارسة سياسة شوفينية هوجاء مدمرة.

نعرف تماماً أن الشعار بشقيه القومي والديني، أضر بالعرب والمسلمين وأساء الى سمعتهما. وسعى نظام صدام إلى تطبيق هذا الشعار أسوأ وأشرس تطبيق بهدف تعريب وتبعيث القوميات غير العربية والأقليات الدينية غير المسلمة. وكان نصيب الكرد الأيزيديين حصة الأسد، فقد مارس ضدهم سياسة التبعيث منذ انتزاعه السلطة، ناهيك عن سياسة التعريب القسرية منذ عام 1975. فتم تهجيرهم من قراهم واغتصاب أراضيهم وأملاكهم من قبل أفراد ينتمون إلى بعض العشائر العربية. وتوج الحكم تلك السياسة العنصرية المقيتة في الإحصاء الذي أجراه عام 1977 وفرض تسجيل جميع الأيزيديين عرباً رغماً عنهم.

 وتحول نظام حكم حزب البعث في العراق إلى نظام شمولي بالكامل منذ المؤتمر الثامن لحزب البعث في عام 1974 واكتملت فصول هذه العملية منذ عام 1979 عندما قضى صدام حسين على مناوئيه في الحزب والدولة وتربع على عرش العراق دون منازع.

 

ب-النجاح والفشل الذي تحقق له عبر هذه السياسات:

عمد نظام صدام حسين الدكتاتوري طيلة 35 عاماً الى استخدام اسلوب الارهاب والقمع وخنق الحريات, ومارس سياسة التمييز العنصري وتشجيع التعصب الديني والطائفي وبناء السجون في كل مكان وأقام دولة الأمن والاستخبارات والأجهزة الخاسة، بحيث أصبح الوطن كله معتقلاً كبيراً. وخلال تلك الفترة الطويلة جرت عملية غسل الدماغ وبشكل منظم لأكثر من ثلاثة أجيال عراقية، تربوا خلالها على عبادة الفرد والحزب الواحد والتعالي والتمييز العنصري تجاه الإنسان الآخر غير العربي، وأخيراً شن حملته "الإيمانية" لإحياء وتكريس النعرات الدينية والطائفية. واقترن كل ذلك بإشاعة الفساد الاجتماعي والاخلاقي في نسيج المجتمع وفي كل قرية، حتى بين قربى الدم، عبر شبكات من أجهزة الأمن والاستخبارات والمخبرين ومرتزقة النظام.

وأقرت جموع من الكرد الأيزيديين المنتسبين لحزب البعث والعاملين في أجهزة السلطة

والمنظمات المهنية - شئنا أم أبينا_ شعار:

 " أمة عربية واحدة                  ذات رسالة خالدة " واستسلمت لتلك الدعاية الديماغوغية البعثية قناعة أو جهلاً. وكان حظ الانتهازيين كبيراً في هذه الحملة المناهضة لمصالح الأيزيديين الأكراد في كردستان العراق.

صحيح أن نظام البعث تمكن من تأطير المجتمع ومن تمرير سياسته الشوفينية الى حد كبير ولفترات قريبة، إلاّ أن تلك السياسة لم تحقق كامل أهدافها خاصة بعد عام 1990- 1991 بسبب عوامل عديدة سنأتي الى ذكرهافيما بعد.

 

ج-العواقب الوخيمة التي ترتبت على الفرد والمجتمع الأيزيدي:

في إطار سياسة الترغيب والترهيب (الجزرة والعصا) التي مارسها نظام البعث تم شراء ذمم مجاميع كبيرة من الكرد الأيزيديين و"أسر" عقولهم. وعلى حد قول الدكتور علي الوردي: " إذا سرقت ضمير إنسان آخر وعقله آل اليك كل ما يملكه!", باستثناء تلك المجموعات التي كانت منتسبة أو مؤيدة بشكل سرّي للأحزاب الكردستانية والأحزاب الوطنية اليسارية العراقية، ومجموعات من المستقلين الشرفاء، فان مجموعات كبيرة أخرى إنضوت تحت لواء حزب البعث وانخرطت في تنظيماته "المهنية والنقابية". وكان لكل واحد من هؤلاء هدفه؛ فكان هنالك من هو مؤمن بذلك الحزب وتلك السلطة, ومنهم من كان قد انتسب إليه كسباً لوظيفة أو مركز اجتماعي، وآخر لضمان لقمة العيش، وثالث للتستر والحفاظ على نفسه وعائلته من الانتقام ( خاصة بالنسبة لأولئك الذين كانوا سابقاً يقفون إلى جانب أو أعضاء في أحزاب كردية أو عراقية معارضة)، وشباب طائش من حثالات المجتمع إنضم الى حزب البعث كسباً للسلطة والنيل (الانتقام) من الآخرين. وفريق تطوع للعمل في أجهزة السلطة القمعية كالمخابرات وقوات المرتزقة التي سميت ب "الفرسان" أو "سرايا أبو فراس الحمداني" للوقوف ضد الحركة المسلحة الكردية, والتي أطلق عليها الشعب ب "الجحوش".

عمل النظام خلال ثلاثة عقود ونصف جاهداً، على فصل الكرد الأيزيديين عن الشعب الكردي، وركز على مجالات التثقيف والتوعية الحزبية وزرع الحقد ليس بينهم وبين قوى الأحزاب الكردستانية فحسب، بل بينهم وبين الشعب الكردي عموماً. فخلق حالة نفسية معقدة وسلبية, وأحياناً معادية, لدى مجموعة من الأيزيديين المنتسبين إلى حزب البعث تجاه الكرد بشكل عام. وما رسخ باعتقادي هذه الفكرة تلك الخلفية من تراث الماضي التي اقترنت بحملات التنكيل والقتل الجماعي التي طالت الأيزيديين باسم الإسلام، في قسم كبير منها، على يد بني جلدتهم من الكرد المسلمين, وبشكل خاص في فترة الحكم العثماني التي دامت طوال أربعة قرون عجاف ومريرة وفي فترات أخرى لاحقة أيضاً.

 

4- حرب الخليج الثانية وإنتفاضة الشعب وإعلان الفيدرالية الكردستانية؛

خرج النظام العراقي من حرب الخليج الأولى (1980-1988) بخسائر بشرية ومادية خيالية وديون عالمية تعد بعشرات المليارات وأزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية كبيرة، وجيش ضخم مجهز بأحدث الأسلحة وأفضل تدريب (رابع جيش في العالم من حيث العدة والتدريب). خرج يبحث عن فريسة ينقض عليها ويفرغ فيها شحناته العدوانية وأزماته، فوجه صدام حسين مئات الآلاف من قواته العسكرية صوب كردستان للإنتقام من شعب كردستان عام 1988 وضرب فصائل الحركة الكردستانية والعراقية المسلحة، واقترف بدم بارد جريمته النكراء في ضرب مدينة حلبجة يوم 16/آذار/1988 بالسلاح الكيمياوي تحت سمع وبصر وصمت الأنظمة جميع أرجاء العالم. وإكمالاً لجريمته تلك، استمر نظام صدام حسين في تدمير كردستان وأضاف الى سجله الدموي حملات مجازر الأنفال السيئة الصيت والتي راح ضحيتها (182) ألف إنسان جلهم من الشيوخ والنساء والأطفال.

أصبح ذلك الجيش المليوني وحروبه الداخلية والخارجية والآثار المترتبة عنها عبئاً ثقيلاً على صدام ورهطه، ففتش عن منفذ لتصدير أزمته والبحث عن فريسة سهلة، فما كان منه إلاّ الالتفاف على جاره الجنوبي الذي أحسن اليه وأغدق عليه ملايين الدولارات في حربه ضد إيران. فقامت القوات العراقية بغزو دولة الكويت شهر آب من عام 1990، لكن حسابات الدكتاتور هذه المرّة كانت خاطئة تماماً، فكانت الولايات المتحدة الأمريكية ودول التحالف واقفة له بالمرصاد، بعد أن فشلت كل الجهود الدبلوماسية لسحب صدام قواته من الكويت, فقامت الولايات المتحدة ودول التحالف بتوجيه ضربة عسكرية قاصمة إليه وأخرجته بالقوة، وأجبرت صدام حسين عبر وزير دفاعه على التوقيع على وثيقة الاستسلام في خيمة صفوان أواسط أذار 1991.

الى جانب ذلك قالت الشعوب العراقية هي الأخرى كلمتها، ففي شهر آذار من نفس العام قامت بانتفاضتها المجيدة في جنوب العراق وفي كردستان، وتحررت 14 محافظة من أصل 18 ولم يبق بيد صدام غير بغداد والموصل وتكريت والرمادي. بيد أن تراجع جورج بوش الأب عن إسقاط صدام واعطائه الضوء الأخضر لاستخدام مروحياته العسكرية ضد المنتفضين الأبطال، قامت زبانية النظام وعلى رأسهم علي حسن المجيد, ابن عم صدام، بقمع تلك الانتفاضة بشكل وحشي لا يعرف له مثيل في تاريخ العراق فقتلوا الآلاف وقصفوا الأماكن المقدسة في في النجف وكربلاء. أما في كردستان فكان الهجوم أشرس بكثير مما اضطر أكثر من مليون كردي ترك كردستان العراق الى تركيا وإيران خوفاً من إستخدام السلاح الكيمياوي ضدهم مرة أخرى كما حدث في حلبجه. وأمام هذه المأساة الإنسانية التي كانت تبثها فضائيات العالم، تحرك هذه المرة ضمير بعض الدول في العالم, ولو من جانبها الإنساني، وصدر بعد ذلك قرار عن هيئة الأمم المتحدة بحماية الأكراد وخلق منطقة آمنة لهم بين خطي عرض 32-36 من كردستان العراق.

بعد هذا التاريخ, واعتباراً من شهر حزيران وآب من عام 1991, بدأ النظام العراقي بسحب قواته العسكرية ودوائره الحكومية من المنطقة الآمنة, وبذلك خلق النظام فراغاً إدارياً سرعان ما قامت الأحزاب الكردستانية, ممثلة بجبهتها الوطنية الكردستانية, بملء ذلك الفراغ وإنشاء حكومة وبرلمان كردستانيين. وقرر البرلمان فيما بعد رسمياً صيغة الاتحاد الفيدرالي الطوعي في إطار الجمهورية العراقية.

 

* وضع الكرد الأيزيديين في كردستان المحررة منذ عام 1991/1992:

رغم كل المصاعب السياسية والاقتصادية والأمنية وظروف الحصار التي مرّت على كردستان ومعاداة دول الجوار لها، وبغض النظر عن جميع النواقص الموجودة، فقد بدأت الأحزاب الكردستانية مرحلة جديدة من تاريخها النضالي في حكم وإدارة المناطق المحررة الآمنة بشكل حضاري وديمقراطي وتصفية جميع آثار نظام البعث من التفرقة العنصرية والقومية والدينية، والاقرار بحرية الرأي والتعبير وإنشاء الأحزاب المرخصة والمنظمات المهنية والنقابات العمالية والفلاحية والاتحادات والمراكز الثقافية...الخ. ما يهمنا هنا، هو أن الكرد الأيزيديين في المنطقة الآمنة رفع عنهم لأول مرّة ذلك الغبن التاريخي في ظل حكومة كردستان وبدأوا ينعمون بحقوقهم الدينية والثقافية والاجتماعية. ولأول مرّة يسمح بفتح مركز ثقافي أيزيدي باسم: ( مركز لالش الثقافي الاجتماعي في دهوك) عام 1993, حيث أدى هذا المركز ومازال يؤدي دوراً كبيراً في مجال التثقيف والتوعية بشقيه الديني والقومي. ويعتبر هذا المركز ومراكز أخرى في الخارج (مركز الأيزيدية خارج الوطن 1995) نقطة تحول مضيئة في تاريخ الأيزيدية. كما سمح للمرّة الثانية ( المرّة الأولى كان في زمن حكم الزعيم عبد الكريم قاسم 1958) مادة التربية الدينية الأيزيدية لطلبة مدارس الأيزيدية في مناطق كردستان المحررة. ولأول مرة تم تعيين عضوين أيزيديين في المجلس التشريعي الكردستاني مع وزير في كل من حكومة أربيل والسليمانية. هذا إضافة الى تقديم خدمات عديدة للأماكن المقدسة ولرجال الدين.

لم ترق تلك المكاسب والانجازات المهمة النظام العراقي الذي مواصل سياسة فصل الأيزيديين عن الشعب الكردي وفرض هوية القومية العربية عليهم. وحاولوا عبر أعوانهم الأيزيديين تشكيل مركز بديل للالش في مدينة الموصل أواسط التسعينات، لكنهم لم يفلحوا، فحاولوا أن يمسكوا العصا من الوسط ولجأوا الى أساليب التضليل: "أيها الأيزيديون، إذا لم تقرون كونكم عرباً، لكن بالمقابل لا تقولوا نحن أكراد بل قولوا نحن يزيدية فقط! " ئه م نه كوردن، نه عه ره بن، ئه م ئيزدينه!= لسنا أكراداً ولسنا عرباً، بل نحن أيزيديون فقط". وحشدت أجهزة النظام لهذه الغاية العديد من عملائها وأزلامها الأيزيديين وتم نشر وتعميم تقارير من الجهات الأمنية بهذا الشأن على الدوائر ذات الصلة بالأيزيدية. "لسنا أكراداً ولسنا عرباً، بل نحن أيزيديين فقط!" كان آخر شعار تضليلي روج له النظام الحاكم في العراق أواخر سني حكمه.

 

5- حرب الخليج الثالثة والآفاق الجديدة للعراق وكردستان " الشعب الكردستاني":

أ- إنهيار النظام ودخول قوات التحالف للعراق

كان المتتبع لتصريحات صدام وأعوانه وأعلامه الصفراء قبل بدء حرب التحرير، يلاحظ بأن الدكتاتور كان مقتنعاً ليس بالصمود في وجه الآلة العسكرية الأمريكية والبريطانية فحسب، بل ودحرهم!...إلا أن هذا الصمود- الوهم لم يستمر أكثر من ثلاثة أسابيع، فبدأت الضربة صباح يوم 20 آذار 2003 وهوى تمثال الطاغية في التاسع من نيسان وسط العاصمة بغداد. وإختفت " الملايين الستة المسلحة" التي كان يتبجح بها صدام حسين وأبواق دعايته. وبين ليلة وضحاها خلعت " الملايين الستة" زيّها الخاكي والأبيض والأسود والزيتوني،...ولبست زي الفلاحين والعمال ورجال الدين والنساء والناس البسطاء وفرت الى جحورها لتبدأ من جديد في محاولة لإشاعة الفوضى والخراب والدمار في البلاد.

بالرغم من جبروت وضخامة الآلة العسكرية الأمريكية والبريطانية التي استخدمت في هذه الحرب، فأن سقوط سلطة البعث الصدامية بهذه السرعة القياسية، لا يعني باعتقادي أن النظام لم يكن سوى نمرٍ من ورق. وما استمراره في الحكم طول تلك المدة الطويلة إلا بسبب سياسة البطش والقمع والاعدامات وزج الناس في السجون والمقابر الجماعية وابتكار أساليب إفساد المجتمع وشراء الذمم داخلياً وخارجياً بقوة النفط والدولار. وأكبر دليل على جرائمه تلك المقابر الجماعية التي ظهرت وسوف تظهر في المستقبل، وأطنان من الوثائق التي تدينه.

الإنهيار الدراماتيكي-الزلزال، أو سميها ما شئت، الذي جرى لنظام الحكم في العراق، خلق حالة من الفراغ السياسي وتدهور الوضع الأمني، لكنه في المقابل كسر حاجز الخوف وحلّ عقدة اللسان عند فئات الشعب كي تعبر عن رأيها دون رقيب أو حسيب. ومن سياسة الحزب الواحد وعبادة الشخصية، والثقافة الأحادية والتغني الكاذب والمشوه بالعروبة والإسلام،...طرحت في العراق بعد تحريرها مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتعددية الحزبية، والفيدرالية وتعايش القوميات والأديان، وحرية التعبير والمعتقد، وبناء مؤسسات المجتمع المدني، وتعايش الثقافات المختلفة،...الخ. وهو جل ما يطمح إليه الشعب العراقي بكل قومياته وأديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية.

 

ب-الفوضى التي عمت البلاد بسبب همجية بقايا النظام وعصاباته

ومن الطبيعي أن يخلق سقوط نظام بتلك البشاعة وجثم على صدور الشعوب العراقية طيلة 35 عاماً حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني...علماً بأن الذين يلجأون الى خلق حالات عدم الاستقرار مثل نهب دوائر الدولة وإشعال الحرائق في أنابيب نقل النفط والغاز ومحطات الكهرباء وتخريب محطات إسالة الماء وتنفيذ العمليات الإرهابية، هم من بقايا وحثالات النظام المقبور وأعوان صدام المجرمين الذين فقدوا سلطتهم ومراكزهم السياسية والاجتماعية وإمتيازاتهم، ومن جماعة القاعدة وعشرات الآلاف من المجرمين المحترفين الذين أطلق صدام حسين سراحهم بأشهر قليلة قبل تحرير العراق، وعناصر من الإسلام السياسي الأصولي المتطرف من العراقيين ومن خارج حدود العراق والحزب الاسلامي الوهابي العراقي الذي كان ومازال يترأسه عزت إبراهيم، إضافة الى الإعلام العربي المتخلف من فضائيات وصحف صفراء تشجع الناس باسم الدين والقومية على " المقاومة والجهاد". ولا ننسى الإشارة إلى تدخل أنظمة دول أقليمة في الشأن العراقي ودعم العمليات الإرهابية لخلق حالة اللاإستقرار الأمني والسياسي في البلاد وعرقلة عملية التحول الديمقراطي، مخافة أن تنتقل تلك العدوى الى بلدانها وتهوى عروشها كما هوى عرش صدام! ولا ننسى أيضاً الإشارة إلى أن توسيع وإدامة هذه العمليات الإرهابية يعود في جزء كبير منها الى أخطاء الإدارة الأمريكية سواء في مسألة حل الجيش العراقي وعدم إعطاء صلاحيات أكبر، خاصة السياسية والأمنية منها, إلى مجلس الحكم الانتقالي وعدم معرفة نفسية الشعب العراقي بشكل عام وأزلام صدام بشكل خاص. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يتباكى هؤلاء العرب على مصير العراق وشعوبه، ويعطون لأنفسهم الحق في الدعوة المنفردة إلى خروج قوات التحالف من العراق, وإلى تشجيع العمليات الإرهابية وإعتبارها "مقاومة" وتبيض صورة النظام رغم جرائمه التي أصبحت معروفة للجميع؟ والإجابة عنه ليست صعبة وتترك للقارئة والقارئ اللبيبين.

اليوم وبعد سقوط ذلك النظام وحلّ حزب البعث وحظر نشاطه بقرار من حاكم العراق المدني "بول بريمر" واعتقال الدكتاتور الخبيث في جحر في باطن الأرض، أين ستولي جموع " الست ملايين" البعثية أدبارها؟! ابتداءاً نقول بأن المنتمين إلى حزب البعث لم يصل عددهم إلى ستة ملايين بأي حال, كما أن قسماً كبيراً منهم لم يكن بعثياً أصلاً بل أجبر على الولوج إلى هذا الحزب المشؤوم, كما أن كثرة منهم اعتبرت سقوط النظام نهاية لكابوس عاشوا فيه طويلاً مع بقية الجماهير الشعبية, ولكن أعداداً كبيرة منهم ستقوم بتشكيل أحزاب ومنظمات تحت واجهات "قومية، دينية، وطنية" وسيحاول البعض الآخر الدخول في صفوف الأحزاب العراقية والكردستانية التي كانت موجودة أصلاً, كما سوف تطيل مجاميع منها لحاها وشواربها وترتدي الجبّة وتضع العمامة فوق رؤوسها، وما أسهل ذلك بهدف تبني ذات المواقف التي كان الدكتاتور المخلوع يتبناها وأدت على خراب العراق!

 

ج-الفرص المتاحة أمام الكرد الأيزيدية

والأسئلة الجدية التي تفرض نفسها علينا كثيرة جداً, منها بشكل خاص: هل يمكن تطبيق المفاهيم والقيم الجديدة التي أشرنا إليها بالسهولة التي يتصورها البعض؟ وهل أن الأرضية الاجتماعية الشرقية (من ضمنها العراق) ذات الأرث القومي المتعصب والديني الأصولي، قادرة على استيعاب هذه الأفكار والقيم الإنسانية الحديثة؟..وهل سيترك البعثيون، أو لنقل تلك الشريحة الطفيلية التي ما تزال في مواقع المسؤولية الامتيازات التي تتمتع بها لصالح استقرار العراق وبناء مجتمع مدني ودولة علمانية؟..وأين ستذهب تلك الجماعات البعثية بعدتها وأسلحتها وامتيازاتها؟. ماذا عن الجهاز القمعي من عناصر المخابرات والأمن وفدائيي صدام وحرسه الجمهوري وقواته الخاصة وجيش القدس، وكبار قواد الجيش ورؤساء "الفرسان" وأمراء سرايا "أبو فراس الحمداني" و "الرفاق" والآلاف من المجرمين المحترفين وحثالات المجتمع؟!...كيف يكون التعامل مع موقف الدول العربية الشوفينية ومع الاسلام الأصولي؟...وهل أن أمريكا جادة في خلق السلام والوئام الاجتماعي بين الشعوب والأديان في العراق؟...والأخطر من كل ذلك: متى ستزول آثار غسل الدماغ لملايين الناس الذين تخرجوا من مدرسة صدام وتشبعوا بالأفكار الفاشية والعنصرية والحقد وصناعة الجريمة؟ ومتى سيمكن تحقيق استقلال العراق بالطرق السلمية والديمقراطية وإخراج القوات التي لعبت دورها المركزي في خلاصنا من النظام الاستبدادي المقيت؟

أرى لزاماً علينا دراسة الواقع الجديد وما خلفه نظام صدام من كوارث، دراسة متأنية وبكل تفاصيله وأبعاده، وإلاّ سنزيد في الطين بلةً كما يقول المثل. إذ أن عدم دراسة الوضع بشكل موضوعي, يدفع بالانسان إلى تأسيس أطروحاته ومفاهيمه وفق منهجية غير علمية وبالتالي غير سليمة, ثم يخرج باستنتاجات غير واقعية تكون لها آثارها السلبية الحادة وأحياناً القاتلة.

 

6- المهمات التي تواجه الكرد الأيزيديين في الفترة القادمة:

أ- ما هو مصير الأيزيديين الذين تعاونوا مع النظام الاستبدادي؟

ما يهمني في هذا المقال، مناقشة ومعرفة المكان الذي سيحتمي فيه الأيزيدي البعثي؟. هل أضنته مسيرة الحزب والثورة خلال الخمس والثلاثين عاماً الماضية ويريد أن يعتكف عن العمل السياسي والتنظيمي ويقبع في بيته؟. هل يؤنبه ضميره بعد أن رأى بعينه وسمع بآذانه ما ارتكبه النظام من جرائم بحق الشعب العراقي؟ أم أنه سيحاول, حماية لنفسه وعائلته وحفاظاً على أمواله وممتلكاته التي جمعها من " بركات" صدام حسين، الانضمام إلى أحزاب عراقية وكردستانية كانت موجودة سابقاً؟. أم أنه تعود على حياة البذخ والتسلط وتسليم المناصب فيقدم مع " رفاق" له في تشكيل أحزب أو تجمعات أيزيدية؟ ...

أعتقد بأن الناس الشرقيين عموماً, والأقليات الإثنية والدينية خصوصاً, بسبب المعاناة الطويلة والاضطهاد والقهر المريرين على أيدي قوى كثيرة من قوميات وأديان ومذاهب سائدة في العراق ولقرون طويلة، يميلون إلى أن يكونوا مع مركز القوة، ولا يستسيغون الحزب الضعيف والقائد الضعيف, وبالتالي سيتحرون عن الحزب القوى والقائد القوي أيضاً. وبسبب عملية غسل الدماغ الذي جرى لمنتسبي البعث من الأيزيديين في مختبرات نظام صدام لثلاثة عقود ونصف من الزمن ضد الأكراد، ربما سيجدون صعوبة في انضمامهم إلى الأحزاب الكردية، وإن إنضموا فلن يكون بأعدادٍ كبيرة. ومن الطبيعي أيضاً أن لا ينضموا إلى حزب إسلامي، اللهم إذا كان ذلك الحزب واجهة للعناصر البعثية، فحينها ستكون مسألة الانضمام اليه بشكل سرّي واردة! تبقى مسألة الانضمام الى أحزاب على أساس قومي عربي بحت، ربما يتحاشونها في الوقت الحاضر. إضافة الى كل ذلك فأن بعض أمراء الأيزيدية ومعهم نفر من رؤساء العشائر، لا يجدون حرجاً في التعامل مع رؤساء العشائر العربية وفي تشكيل أحزاب وتكتلات معهم. إجمالاً يمكن القول أن هؤلاء الذين تربوا على الانتهازية وسياسة المصالح، فأنهم في نهاية المطاف سوف يلجأون إلى الحزب أو التجمع الذي يقدم لهم اللقمة الدسمة.

عليه وبسبب الفراغ السياسي الذي نشهده في بقية أجزاء كردستان العراق المحررة (أقضية: الشيخان، سنجار والقرى التابعة لتلكيف، إضافة الى قصبتي بعشيقة وبحزاني) فأن مجموعات لا بأس بها من الشريحة المتعلمة الأيزيدية-مع الأسف-من خريجي الجامعات والمعاهد، بتشجيع من بعض العناصر في الخارج يطرحون فكرة استقلالية الأيزيديين ( لسنا أكراداً ولسنا عرباً، بل نحن أيزيديين فقط!) بنوع من التجريد أو السعي إلى تكوين أحزاب وتجمعات أيزيدية والتشكيك بموقف الأطراف الكردية. رغم اللغة المنمقة والتظاهر بطرح المطاليب الأيزيدية، إلا أن التثقيف والمنحى يتجه باتجاه عكسي ويعزز النزعة الانعزالية. وأن هذا الاتجاه هو الأخطر باعتقادي بين الاتجاهات المذكورة أعلاه. ويمكن تصنيفهم بالشكل التالي:

1-    تلك العناصر التي كانت ضمن حلقة نظام البعث ونالت ما يكفيها من عملية غسل الدماغ وتأثرت بتثقيف أعلامه وصارت تستنفر من كلمة كردي.

2-    بعض الكوادر والعناصر المحسوبة على أحزاب كردستانية.

3-    وعناصر أحزاب كردستانية من خارج العراق كانت حتى الأمس القريب تحت حماية النظام الصدامي، تعمل من أجل إفشال تجربة كردستان الفتية. وكان كادرها الأيزيدي يدخل ويخرج من العراق لينسق مع أسماء أيزيدية معروفة خدمت النظام المقبور. واليوم وبعد فشل شعاراتهم البراقة، راح نفس الكادر يترك ساحته الشمالية ويركض ليضرب على وتر العاطفة الدينية، ويستغل الوضع الاقتصادي المزري والوضع الأمني المتدهور ويرقص على جراح البسطاء بواسطة زبونهم القديم- الجديد، ليؤسسوا" بيوتاً ثقافية واتحادات" للأيزيديين المساكين في الموصل، ويلتقوا في ما بينهم ويقدموا المذكرات إلى السفارة الأمريكية والبريطانية و..! والغريب في الأمر حقاً، أن هذه المجموعة كانت حتى الأمس القريب تعمل تحت اسم "الدين الزرادشتي" وليس الدين الأيزيدي. وبعد أن حلّ حزب البعث, أليس من الأجدر بأعضاء هذا الحزب أن يتركوا الناس الأيزيديين العراقيين وشأنهم بدلاً من مواصلة الإساءة لهم بطرق واساليب مختلفة!

4-    بعض المستقلين ( إن كان هناك من مستقل حقاً) الخائبين الذين يغمرهم الفرح حينما تتصدر أسمائهم أي بيان أو نشرة بغض النظر عن العواقب السلبية التي ستترتب على هذا التوقيع مستقبلاً بالنسبة لمعتنقي الديانة الأيزيدية.

5-    نفر يعلن جهاراً وقوفه ضد الشعب الكردي ويعتز بعروبته وإنتمائه الى آل البيت. ( رأيه أيضاً يحترم لأنه يعلنها صراحة وبدون لبس) " انظر جريدة الزمان، العدد1554 بتاريخ 12/7/2003 على الانترنيت"

6-    وأخيراً هناك من هو مصاب بداء العظمة ويريد بروز اسمه ويرفض الآخر.

ربما تغازل الولايات المتحدة بعض هذه الأحزاب والتجمعات الإثنية والعرقية، لا حباً في سواد عيونهم على ما أعتقد، وإنما لإضعاف نفوذ الأحزاب الكردستانية والعراقية نفسها.

الأفكار الدينية السياسية تنمو أصلاً في فترات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمحن، وفي ظل وجود فراغ سياسي، أو وجود أنظمة شاذة غير ديمقراطية. وستكون حتماً برامج تلك الأحزاب الدينية مشدودة الى الوراء ولا تساعد على السلام الاجتماعي في مجتمع متعدد الأعراق والمعتقدات مثل العراق.

ما عدا قلة قليلة جداً، فأن الأيزيديون عموماً ليسوا مستعدين ان يضحوا بمالهم وراحتهم لإدامة ودعم أي حزب كان، وأن النفر "المتحمس" الذي نراه اليوم، ليس باستطاعته- على ما أعتقد- أن يكمل المشوار أو يتسم بنكران الذات من أجل المصلحة العامة. وان كان هنالك من نفر يعّول على الولايات المتحدة ( يبدو أن هنالك لقاءات قد تمت بين مسؤولين من الولايات المتحدة وبين بعض الأشخاص الأيزيدية), فأنا أشك تماماً في نجاح مثل هذه الصفقات، لأن الولايات المتحدة قبل أن تقدم على دعم جهة ما، تقوم بدراسة وضع هذه الجماعة النفسي ومدى القوة التي تتمتع بها وإمكانيتها على تنفيذ مخططاتها واستراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط.

ولو كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً في دعم الأقلية الدينية الأيزيدية، فأنها كانت حاضرة في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن 14-15/ديسمبر/2002 وكان من ضمن المشاركين أيزيديان سلموا مذكرة بمطاليب الأيزيديين الى زالماي خليل زادة، ممثل الرئيس جورج دبليو بوش, ولم تجر أية عناية بذلك. وكانت الولايات المتحدة حاضرة في مؤتمر صلاح الدين والناصرية وأخيراً في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، نقول إذا كانت جادة بدعم الأيزيديين لرشحت ممثلاً عنهم ليكون ع1ضواً في مجلس الحكم الانتقالي. يبدو لي أن الموقف الأمريكي يمكن قراءته من خلال انتخابات مدينة الموصل حيث خصصوا صندوق انتخابي خاص للمجموعة الأيزيدية، هذا إضافة إلى تجاهلهم إيصال الخدمات اليومية الملحّة الى أهالي سنجار من الحكومة الكردية، ونيتها، على ما يبدو أيضاً، الابقاء على قضاء الشيخان وبعشيعة وبحزاني وتلكيف تابعة إدارياً الى محافظة الموصل. وهنا باعتقادي تكمن خطورة الموقف الأمريكي تجاه وضع الأيزيديين! فلماذا نصوب سهامنا جزافاً وأحياناً عن عمد للجهات الكردية!!.

 

ب‌-      هل المطلوب تشكيل حزب ديني أيزيدي؟

هل نحن الأيزيدية بحاجة الى تشكيل أحزاب دينية؟ بصياغة أدق: هل أن تشكيل أحزاب دينية أيزيدية هو في صالحهم وفق المنظورين القريب والبعيد؟ والسؤال المهم الآخر: ما هو الدافع وراء الحماس المتزايد لنفر من الأيزيديين كانوا بالأمس القريب ولحين سقوط نظام بغداد لا أباليين، شعارهم: ( ما من جی ژێيه = ما شأني بها!) واليوم يتحسرون ألماً على مصير هذه الديانة المسكينة؟!

في ضوء مستجدات الوضع العراقي ورحيل نظام صدام الى الأبد وإزالة حاجز الخوف والارهاب والحزب القائد والثقافة العنصرية الواحدة، من الطبيعي ان تحاول كل فئة وشريحة وقومية ودين، وحتى المذاهب أن تشكل لها أحزاباً أو تجمعات تدافع عن مصالحها وتجد لها موطئ قدم في نظام الحكم القادم. بالفعل وحسبما أعلن عنه وصل عدد الأحزاب والتجمعات المشكلة في العراق أكثر من سبعين وستزداد القائمة حتماً. ويبدو من منظور حرية الرأي والتعبير ومبادئ الديمقراطية، أنه يحق لكل فئة أو جماعة أن تشكل حزباً أو تنظيماً خاصاً بها. هذا صحيح من الناحية المبدئية لا جدال عليه، إلا أنه في وضع العراق بعد إنهيار نظام صدام البعثفاشي، ومن أجل التطبيق الفعلي لتلك المبادئ الديمقراطية وحرية التعبير والمعتقد يجب على النظام الديمقراطي العرلقي القادم، ومعه جميع القوى العراقية الخيّرة والنزيهة، أن يكون حذراً ومتأنياً في إعطاء تراخيص للأحزاب والمنظمات التي سوف تتشكل والحيلولة دون تمكين عناصر البعث من أعوان صدام أن يعملوا تحت غطاء هذا الحزب أو ذاك، وتحت واجهة هذا التجمع أو تلك، لأن أيتام صدام من جميع قوميات وأديان ومذاهب العراق لهم خبرة كبيرة وباع طويل في التضليل والمراوغة والخداع، تساعدهم في ذلك بعض الدول العربية والأعلام العربي الشوفيني وغير الإنساني، خاصة بعض الفضائيات العربية. فان أي إهمال أو تسامح أو ركض وراء العاطفة، سيكون انتحاراً للقوى العراقية المخلصة ضحايا النظام المقبور، وعرقلة أمام مسيرة بناء عراق ديمقراطي علماني فيدرالي وتعددي.

وإذا كان بعض الأيزيديين يتصورون أنهم متخلفون عن الركب وأنهم جادون في تقديم خدمة لأبناء جلدتهم ويصرّون على تشكيل حزب أو تجمع ما، يفترض باعتقادي أن يكون:

 1. برنامجهم واضحاً وكذا الأهداف التي يتضمنها والاصلاحات المنشودة على المستوى الداخلي الأيزيدي ، وهو الأهم بنظري والمغيب أصلاً، والموقف الخارجي من معتنقي الأديان الأخرى وأبناء الوطن الواحد.

2.      ويعلنوا صراحة موقفهم القومي، وفي أية خانة يقفون؛ هل ينتمون الى القومية الكردية، العربية، الآشورية،  الأرمنية، أو الى "القومية الأيزيدية" كما يقولون!

3- وهل يطالب ذلك الحزب، أو تلك المجموعة بالحكم الذاتي للأيزيديين كما طرحه أحد الأخوان في بيان منشور على صفحات جريدة الزمان، العدد 1554 بتاريخ 12/7/2003؟ أم يريدون الاسهام في السلطة المركزية، أو يكتفون ببعض الحقوق الادارية والثقافية في مناطق الأيزيدية؟

 

* العواقب السلبية من تشكيل حزب ديني؛

   أعتقد أن عدم دراسة الواقع من قبل البعض بشكل دقيق والانجرار وراء العواطف أو المصالح الأنانية، وعدم معرفة الإمكانيات الذاتية والنفسية للأيزيديين، سيدخلهم ويدخلنا في مطبّات لا نعرف عقباها.

الأيزيديون الذين لا يربوا عددهم على نصف مليون إنسان في العراق، يعيشون داخل بحر الاسلام، وليس بامكانهم تغيير الجغرافيا والتعايش لوحدهم دون الاحتكاك مع المسلمين والمسيحيين والشبك والصابئة المندائيين.

ولم تحسم لحد الآن الملابسات التاريخية المزعومة وغير المسنودة تجاه الأيزيدية من الأخوة الشيعة ومحاولة إزالة التهم الباطلة الملصقة بهم عمداً لتشويه موقفهم، هذا ناهيك عن الموقف الإسلامي العام الذي يدعي كون الأيزيدية عبدة الشّر تارة، وفرقة إسلامية ضالة تارة أخرى, يجب إعادتهم إلى حظيرة الإسلام!. هذا إضافة الى ما أقدمت عليه سلطة بغداد عن عمد على تشويه موقفهم أثناء إنتفاضة آذار المجيدة وإنطلاء تلك الدعاية-مع الأسف- على طيف أساسي من أطياف الشعب العراقي، ومحاولة النظام العراقي تأليب أولئك عليهم بغية تعميق مآساتهم وتلغيم مستقبلهم.

وإذا أصر البعض على الانجرار وراء الموجة الجديدة، وتحت أية ذريعة كانت، حول (استقلالية الأيزيديين والشك في إنتمائهم القومي الكردي) نكون قد فقدنا صداقة ودعم جميع الأحزاب الكردستانية، بل والشعب الكردي عموماً. وتعلوا النسبة المعادية للأيزيديين لتصل الى 86% ( 66% شيعة + 20% أكراد). وهنا لا أشير الى الحزب الوهابي الاسلامي السنّي القوي والمعروف بحقده الشديد الموجه ضد الأيزيديين! وأتوقع أيضاً ظهور أحزاب وتيارات دينية إسلامية وقومية عربية كثيرة, إضافة إلى الموجود منها سابقاً, في عراق مابعد صدام حسين. وسوف تبرز الحساسيات الدينية خلال السنين القادمة الى أن تتكرس الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني ودولة القانون.

وحسب قناعاتي الشخصية، فأن تشكيل أحزاب دينية عراقية بشكل عام وأحزاب دينية أيزيدية بشكل خاص يقود الى:

1-    نشر الأفكار والاتجاهات السلفية والتعلق بالماضي، وإحياء التعصب الديني، وخلق حساسيات وشروخ في نسيج المجتمع العراقي ذات الأعراق والمعتقدات المتعددة، وبالتالي عدم طرح بدائل ( برامج) تساعد على تجاوز الأزمة الحالية والتركة الثقيلة التي خلفها نظام الحكم السابق.

2-    ويتعارض مع مبدأ العلمانية التي ننادي بها وننشدها. فالعلمانية في أحد أوجها فصل الدين عن الدولة وحيادية الدولة إزاء جميع الأديان مع منح الاحترام الكامل والحرية التامة والتمتع بالطقوس والشعائر الدينية لكل الأديان والمذاهب دون أي تدخل من جانب الدولية بشؤونها الخاصة والعامة.

3-    وتكون تربة خصبة في عموم العراق لعناصر البعث المجرمين من بقايا النظام المقبور للإندساس وممارسة نشاطهم التخريبي والعمل على خلق بؤر التوتر وعدم الاستقرار في العراق

4-    وتقود هذه الوجهة الحزبية لدى الأيزيدية إلى مزيد من الانعزالية وتقلل أمامها فرص كسب الأصدقاء والانفتاح على العراق والعالم الخارجي.

5-    وتكون في المحصلة النهائية لصالح رؤساء الأيزيديين الذين يجمعون في ايديهم السلطة الدينية والدنيوية, وأولئك الناس من رجال الدين الذين يريدون أن تبقى الأيزيدية ديانة مغلقة وبقرة حلوب لهم.

6-    وتفرز أفكار رجعية ستقف عائقاً أمام عملية التطور والاصلاحات داخل المجتمع الأيزيدي.

وربّ قائل، لماذا توجد أحزاب أسلامية ومسيحية على الساحة العراقية ولا يوجد حزب أيزيدي؟..أنا لا أناقش إمكانية أو عدم إمكانية تشكيل هذا الحزب أو ذاك، فكل مجموعة دينية أو مذهبية تستطيع أن تشكل حزباً أو حركة ولها كامل الحرية، أنا أناقش الآثار والنتائج التي ستترتب عن تشكيل مثل هذه الأحزاب في هذه المرحلة الحساسة التي يمر بها العراق بعد سقوط النظام الشمولي, إضافة على المسالة المبدئية في هذا الصدد, وهي أن الدين قضية خاصة بالإنسان ذاته وليست عامة. ومن وجهة نظري أرى أن عمق الأيزيديين يمتد في عمق الشعب الكردي, وينتسب إلى القومية الكردية وإلى المجتمع الكردستاني. كما يمكن للأيزيديين التعبير عن مصالحهم من خلال إنشاء مراكز ثقافية ومنظمات المجتمع المدني وحركات إجتماعية إصلاحية داخلية، وفي عراق ديمقراطي فيدرالي وتعددي، وعلماني يفصل الدين عن الدولة.

ما أسهل أن نجلس أمام الكومبيوتر أو على الطاولة ونحرر بياناً جميلاً مطرزاً بأحلى العبارات، لكن ما أصعب معالجة نتائجه إذا كان ذلك البيان غير مدروسٍ بدقة لازمة وصادر في غير حينه. يمكن أن نكتب بياناً خلال أقل من عشر دقائق، أما معالجة نتائجه الضارة- إذا حدثت- ربما يستغرق عشرات السنين.

 

* أهمية مشاركة الكرد الأيزيدية في الحياة السياسية ومع الأحزاب الديمقراطية في كردستان العراق وأهمية بناء عراق ديمقراطي فيدرالي علماني وتعددي...

يشكل الأيزيديون جزء مهماً من الشعب الكردي، ورغم أن المصطلحين؛ القومي الكردي والديني الأيزيدي مترابطان لا يمكن فصلهما، إلاّ أن مسألة إبراز الانتماء القومي الكردي تأتي في المرتبة الأولى من مسألة التأكيد على الانتماء الديني في ظروف المرحلة الحالية، فتثبيت مطلب الفيدرالية كحق من حقوق الشعب الكردي في تقرير مصيره في دستور العراق الدائم، وتحديد حدود كردستان هي من القضايا المصيرية وتمس مسألة الأمن القومي الكردي، وهو ضمان بالتالي لجميع حقوق الأقليات الدينية في كردستان.

الأكراد، شعباً وحكومة وأحزاباً وطنية حلفائنا وسندنا، ويمكن تحقيق مطاليب الأيزيدية المشروعة, وكذلك مطالب بقية الأقليات القومية والدينية في كردستان العراق والعراق كله, يمر باعتقادي عبر ترميم البيت الأيزيدي الداخلي بالجرأة والصراحة والمجاهرة وبتكاتف المراكز الأيزيدية الفاعلة في الداخل والخارج وجمهرة المثقفين والوجهاء والمخلصين من الكرد الأيزيديين وبإنشاء فيدراسيون أو هيئة أو سميها ما شئت، توحد الخطاب الكردي الأيزيدي أولاً وقبل كل شيء. ثم تمرّ الشرعية والمطالب المشروعة بشكل أساسي عن طريق ممثلي الشعب الكردستاني حكومة وبرلمانا وأحزاباً وطنية مناضلة وجمعيات ومنظمات مهنية، علماً أنه خلال العشرة اعوام الماضية تحققت إنجازات جيدة لهذه الأقلية الدينية في ظل حكومة كردستان. وأثناء الزيارات الرسمية لوفود أيزيدية واللقااءات التي تمت مع الأخ مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس فيدرالية إقليم كردستان في يوم 9/حزيران/2003, وكذلك مع الأخ نيجيرفان البارزاني رئيس حكومة أقليم كردستان يوم 2/حزيران, وكذلك اللقاءات اللاحقة في شهر تموز من العام نفسه، ولقاءات مع السادة الوزراء وشخصيات كبيرة في الحزب والحكومة في كل من أربيل والسليمانية، وتقديم مذكرات بمطالب الأيزيدية إليهم، أكدوا جميعاً دعمهم الكامل لتلك المطالب المشروعة والعمل مع الجهات ذات العلاقة على تحقيقها.

إضافة إلى شعبنا الكردي, حكومة وأحزاباً وقوى سياسية وإجتماعية، علينا كخصوصية دينية تراثية، أن نكسب أصدقاء لنا من القوميات الأخرى في العراق من عرب وكلدو-آشوريين وتركمان, وفتح باب الحوار مع جميع القوى والأحزاب الإسلامية المعتدلة من شيعة وسنّة وتعزير العلاقات معهم ومع الأخوة المسيحيين والصابئة والكاكائيين (أهل الحق) واليهود إن كانوا موجودين في العراق من أجل نشر سياسة التسامح الديني والمحبة وإعلاء كلمة الحق وتقبل الرأي الآخر، ومن أجل بناء عراق هادئ مسالم يستوعب هذا الموزائيك الرائع من القوميات والأثنيات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية المختلفة، ويكون بالفعل الدين لله والوطن للجميع.

ينادي الكرد الأيزيديون مع أبناء الشعوب العراقية بتطبيع الحياة اليومية بعد قبر النظام الشمولي، وبناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية باعتبارهما المفتاح لحل القضايا السياسية-الاجتماعية-الاقتصادية، الى جانب المشاكل القومية والدينية والمذهبية. ويطالب الكرد الأيزيديون بدولة علمانية وأن يتمكن العراقيون من فصل الدين عن الدولة، وهذا يعني عدم ارتباط الدولة بدين رسمي محدد في الدستور الجديد كي لا تشعر الأقليات الدينية بالغبن وتحس أن حقوقها ستهضم في العراق.

أعتقد بأن الضمان الأساسي لجميع الشعوب العراقية ولجميع أديانه ومذاهبة هو سقوط النظام الديكتاتوري الفاشي ورحيله الى الأبد، أما التفاصيل الأخرى عن شكل الحكم ونسب المشاركة وبرامجه السياسية والاقتصادية وعلاقاته الخارجية...فأنها تحل بالحوار والصبر ووفق آليات ديمقراطية سلمية ونكران الذات بين الفصائل العراقية وبمساندة أصدقائهم وحلفائهم. يجب أن نكون حذرين ويقظين من تحركات رموز النظام الصدامي ولا ندعهم أبداً أن يمرروا مشاريعهم ونواياهم الخبيثة تحت اسم هذا الحزب أو ذاك التجمع والاتحاد.

وأعتقد أيضاً أن على كل عراقي شريف يحب وطنه وشعبه ومستقبل أجياله، أن يدعم مجلس الحكم الانتقالي بغض النظر عن بعض نواقصه.

فنحن اليوم نرى بوضوح كيف يحارب هذا المجلس من بعض الدول العربية وبعض القوى القومية الشوفينية والإسلامية المتطرفة, كما لم يكن موقف الجامعة العربية كما ينبغي له أن يكون حتى الآن, رغم أن الخطوة الأخيرة كانت إيجابية بإرسال وفدٍ لتقصي الحقائق ومعرفة الواقع الجاري في العراق. وما تزال بعض الفضائيات العربية تشن حملة من خلال نشر أخبار من جانب واحد أو عن جزء معين لما يجري في العراق وبصورة مغرضة, إذ يراد منها دعم عمليات العنف والتخريب ونشر الكراهية، والتي تشكل دعوة صريحة للفتنة والقتل وعمليات الانتحار الجماعية!

نحن اليوم أحوج ما نكون الى نشر ثقافة التسامح والمحبة وحقوق الانسان وحقوق المرأة والطفل والسلام الاجتماعي ونبذ سياسة العنف وتقبل الرأي الآخر، عبر إنشاء منظمات المجتمع المدني في كل مدينة وقصبة وقرية، والعمل بكل طاقاتنا من أجل دولة علمانية تفصل الدين عن الدولة. وعلينا أن نجعل بيوت الله ( الجوامع، الأديرة، المزارات) مفتوحة لجميع المؤمنين ولمن يريد أن يصلي ويبتهل الى خالقه ويؤدي طقوسه وشعائره بكل حرية وأمن وسلام.

 

عودة الى المقالات

 

                   E-mail.: info@khaliljindy.com                  www.khaliljindy.com                      webmaster@khaliljindy.com