موقع الباحث الدكتور خليل جندي رشو

 

هل ينتظرشعبنا الكردي خيانة أخرى؟

 

الدكتور خليل جندي/ جامعة كوتنكن

 

 مدخل:

في هذا المقال، لا أجد جدوى الرجوع الى التاريخ والتحدث منه عن أصل الكرد والسلالات التي انحدرت منها، والحضارات التي بناها، والأفكار التي خلفها لوضع أسس فلسفة الشرق،...يبدو أنه مهما أتينا من وثائق وبراهين ودلائل تاريخية، كون هذه الأرض التي يعيش عليها الشعب الكردي هي أرض آبائهم وأجدادهم منذ آلاف السنين لن يجد نفعاً، لأننا ما زلنا أمام منطق القوة وقانون الغاب والاستعلاء القومي_ العنصري وتقاطع المصالح الأقليمية والدولية، إضافة الى عوامل أخرى لا مجال لذكرها.

ان الذين يرفضون دوماً وبقوة تطلع الشعب الكردي في تقرير مصيره هم أحفاد تلك القبائل البدوية الرعوية، الجنوبية والشمالية، التي غزت المنطقة، ومن ضمنها أرضنا، على مراحل في ظروف متباينة وتحت مسميات عدة. ربما كانت هنالك مجموعات قبائل رعوية تركت أعماق الجنوب والجنوب الغربي من شبه الجزيرة قبل ظهور الدعوة الاسلامية بحثاً عن الكلأ والمراعي في غير ديارها، لكنها لن تشكل حينها خطراً ولن تحتل أراضياً. إلاّ أنه بحلول القرن السادس الميلادي وتحت يافطة نشر الدعوة الاسلامية، غزت تلك الموجات البشرية أرض حضارات الشرق والغرب؛ فاحتلت بلداناً وإبتلعت شعوباً بتاريخها وثقافاتها وأفكارها الدينية، وكان من ضمن تلك الضحايا الشعب الكردي حينما تم غزو بلاده في عهد الخليفة عمر بن خطاب (13هجرية)، إلا أنني أسجل سنة عشرون للهجرة على وجه التحديد كأول سنة يتعرض فيها الكرد للتعريب والابتعاد شيئاً فشيئاً عن ثقافته وهويته القومية المستقلة، حيث ورد لأول مرة اسمه في كتب التاريخ الاسلامية تحت اسم " معاقل الأكراد" في الموصل. يقول المؤرخ ما يلي: " أن عمر بن الخطاب استعمل عتبة بن فرقد على قصد الموصل وفتحها سنة عشرين، فأتاها فقاتله أهل الحصن الغربي، وهو الموصل، على الجزية، ثم فتح المرج وبانهذرا (بانهدرا) وباعذرا وحبتون وداسن وجميع معاقل الأكراد وقردى وبازندى وجميع أعمال الموصل فصارت للمسلمين." ( ابن الأثير، الكامل في التاريخ، الجزء 2، ص524) وقيل: إن عياض بن غنم لما فتح بلداً، على ما نذكره، أتى الموصل ففتح أحد الحصنين وبعث عتبة بن فرقد الى الحصن الآخر ففتحه على الجزية والخراج." ويمضي نفس المصدر ويقول: " لما استعمل عزرة بن قيس على حلوان، حاول فتح شهرزور، فلم يقدر عليها، فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال على مثل صلح حلوان، فكانت العقارب تصيب الرجل من المسلمين فيموت. وصالح أهل الصامغان ودارآباد على الجزية والخراج، فقتل خلقاً كثيراً من الأكراد." ( ج3، ص38) وفي سنة 23 هجرية سار سلمة بن قيس الأشجعي حتى ألقوا عدواً من الأكراد المشركين فدعوهم الى الاسلام أو الجزية، فلم يجيبوا، فقاتلوهم فهزموهم وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية فقسمه بينهم..." ج3، ص48) ويضيف نفس المصدر: " وكان سبب عزل أبا موسى الأشعري أن أهل ايذج والاكراد كفروا في السنة الثالثة من خلافة عثمان." (ج3، ص99)

ليس المهم من فتح بلاد الاكراد، لكن المهم أن ذلك الفتح- الغزو كان بداية عهد جديد لإحتلال أرضه وطمس هويته وتشويه تاريخه، رغم عدم دخولهم الاسلام وقبولهم بدفع الجزية والخراج. أما الحقيقة الثانية وحسب مصادرهم التاريخية الموثوقة، كون منطقة الموصل من " معاقل الأكراد" في القرن السابع الميلادي، لا بل مساهمة الأكراد في البصرة في عزل " أبا موسى الأشعري"!

أما الموجة البدوية الرعوية الثانية التي غزت المنطقة وغزت أرضنا وشعبنا وثقافتنا، هي تلك المنحدرة من الشرق والشمال، من جبال طمغاج في الصين والهضاب المنغولية؛ وهم التتر من أسلاف جنكيزخان والتركمان الايوانية(1) منذ عام 617 وما بعدها. لنقرأ لنفس المؤرخ المسلم عن هؤلاء حيث يقول: " فيا ليت أمّي لم تلدني، ويا ليتني متّ قبل حدوثها (أي حدوث غزو التتر لبلاد الاسلام) وكنت نسيّاً منسيّاً.." الى أن يأتي ويقول : "ان العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم والى الآن، لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقاً، فان التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا يدانيها." (الكامل في التاريخ، ج12،358-361) وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة، فانا لله وإنا اليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم(..)ولقد ابتلى الاسلام والمسلمون في هذه المدّة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر قبحهم الله. أقبلوا من الشرق، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها.( ج12، ص360) وفي هذه السنة ظهر التتر الى بلاد الاسلام، وهم نوع كثير من الترك ومساكنهم جبال طمغاج من نحو الصين وبينها وبين بلاد الاسلام ما يزيد على ستة أشهر. وكان السبب في ظهورهم أن ملكهم ويسمى جنكيزخان المعروف بتموجين، كان قد فارق بلاده وسار الى نواحي تركستان."

أعتقد الى حد كبير بالرأي القائل: أن القومية حاضنة الدين، وأن الدين روح القومية وجوهرها. بغض النظر عن موقفي من الدين، فان هنالك ثلاث قوميات استفادت بذكاء من الدين الاسلامي ورابعة خسرتها عن جهل. أولى القوميات الرابحة العربية، والثانية التركية أحفاد جنكيزخان وهولاكو وآل عثمان. والثالثة: القومية الفارسية. أما الرابعة الخاسرة فهي القومية الكردية. (طبعاً أنا أحترم كل المعتقدات ولا أقصد هنا الجانب الروحي ولماذا إعتنق الكرد الاسلام، كل واحد حرّ في معتقده والدين الذي يؤمن به، أنا أنظر اليه من زاوية المصلحة القومية، وماذا حققه الكرد المسلمون لقوميتهم من خلال هذا الدين؟).

فأبناء قحطان ويعرب من القبائل العربية والمستعربة في جنوب وشمال الجزيرة العربية بدأوا بعد اعتناقهم الاسلام بنشر تلك الدعوة خارج شبه جزيرتهم، وصعدوا شرقاً وشمالاً وغرباً، وفتحوا بلداناً وغزوا حضارات، وصهروا قوميات وشعوباً عديدة في بودقتهم، وأزالوا الكثير من آثار الحضارة الفارسية والبيزنطية والفرعونية وغيرها، وأسسوا دولة مركزية، بل امبراطورية مترامية الأطراف تحت شعار وآيديولوجية شبه ثابية مادتها " العروبة+ الاسلام". واستمر الحال على ذلك المنوال الى أواخر حكم الدولة العباسية لتظهر على أنقاضها قوّة صاعدة من مجموعة قبائل لاتعرف غير منطق العنف والدمار وتزحف من الشرق والشمال جنوباً وتعتنق الاسلام وتحتكر مبدأ الخلافة وتنشأ هي الأخرى امبراطورية كبيرة، ألا وهي الامبراطورية العثمانية، وصلت جحافلها غرباً الى بلغاريا والنمسا، وجنوباً الى شبه الجزيرة العربية ومصر وحكمت لمدة تناهز الأربعمائة عام.

وعند الطرف الشرقي قام الفرس بتكييف الدين الاسلامي وشريعته بما يتلائم ومصلحة قوميتهم وثقافتهم متبنين المذهب الشيعي والاحتفاظ قدر الامكان بامبراطوريتهم " الدولة القاجارية والصفوية" ومنافسة الدولة العثمانية.

فيما تخص القومية الكردية، فانه في حقيقة الأمر أتاهم فرصة تاريخية في القرن الثاني عشر كان بامكانهم تأسيس امبراطورية على غرار مثيلاتها السابقة، حينما وصلت جحافل صلاح الدين الأيوبي ، المولود في بلدة تكريت(2) ، الى بلاد الشام واليمن ومصر إضافة الى بلاد ما بين النهرين. إلاّ أن هذا السلطان- الذي يفتخر ويتغنى به اليوم بعض الكرد- لم يفكر أن يطلق على الأرض التي بسط عليها سيطرته، اسم أحد أجداده كما فعل " آل عثمان" او "آل صفويه" أو " آل يعرب"؟! ولن يحاول الاستفادة من الدين الاسلامي ومن نفوذه الديني، ليعلن نفسه خليفة المسلمين ولمصلحة قوميته؟!. ربّ قائل يقول : لم تكن هنالك أفكار قومية وكان كل شئ بإسم الدين وفي خدمته. هذا صحيح، لكن لماذا وظّفها الآخرون بذكاء لصالحهم؟.

وكان ردّ الجميل من الأمة العربية والاسلامية لبطل تحرير القدس ، أن لا يجد جثمانه زاوية في الجامع الأموي بدمشق، بل ليدفن في منطقة ركن الدين. وامعاناً في إنكار أصله، يقال أن حاملي لواء العروبة كتبوا على قبره : ان صلاح الدين كردي من ناحية الأم!.

حقاً ثلاث قوميات(العربية،التركية والفارسية) استفادت من الدعوة الاسلامية، وربحت الدنيا والآخرة!..أما الكرد فقد ربحوا " الآخرة" والله أعلم، وخسروا الدنيا. ويبقى الكردي المسلم في نظر المذكورين أعلاه أفضل من الكافر!.

الغريب ان الدول العربية والاسلامية قاطبة تملأ الدنيا صراخاً على جميع مسلمي العالم عندما يصابون بمكروه بدأً بالبوسنة والهرسك والشيشان وقبرص والهند، واليوم المسلمون القاطنون في بلاد المهجر، أما بشأن الكرد المسلمون عندما يباد وتهضم حقوقه ويضرب بالكيمياوي، فانه لا يجد صوتاً يؤازه من تلك الدول فحسب، بل أن تلك الدول تقف الى جانب الجلاد وينعتون الشعب الكردي " أخيهم في الدين" بشتى الأوصاف غير اللائقة.

رأيت من الضروري التوقف عند هذا السرد لأصل، حسب قناعاتي، الى بعض الأسباب والعوامل التي وقفت وتقف عائقاً أمام طموحات الشعب الكردي في نيل حقوقه القومية المشروعة. احدى تلك العوائق القديمة- الحديثة هي المشاعر "الدينية الأممية" وتناسي المصالح القومية. العامل الثاني الحديث هو إكتشاف النفط في أرض كردستان؛ بحيث أصبحت تلك المادة الحيوية الملعونة مصدر نقمة وبلاء وليس نعمة ورخاء للشعب الكردي. العامل الثالث: تقسيم أرض الكرد (كردستان ) بين أربع دول مما أدى الى تجزئة نضاله وكثرة أعدائه. العامل الرابع: التخلف والجهل وسيادة العلاقات الاستغلالية والعشائرية. خامساً: تقاطع المصالح الأقليمية والدولية الأنانية ضد حقوق شعبنا.

هذه العوامل وغيرها أثرت الى حد كبير في تخلف الوعي القومي وعدم وجود قيادات تمثل ارادة الشعب سابقاً، بحيث تلقى الشعب الكردي العديد من الانكسارات التي زرعت في نفسه ثقافة اليأس والمجاملة وتبني سياسة الآخر...فهل بعد كل الذي ذاقه الشعب الكردي من مرارات ونكران الجميل ونكث الوعود من " شركائه" في الوطن و" أخوانه" في الدين،هل اتعظ من التاريخ واستفاد من تجاربه مع الآخرين؟! أليس من الأولى بالخطاب الكردي أن يتحرر من الخجل ويهجر المقولات والشعارات التي عفى عليها الزمن؟! تلك الشعارات التي لن تجلب لقضيتنا غير المآسي والانكسارات. ماذا جنينا مثلاً من الشعار الباهت الذي يصدر من الطرف الكردي فقط: " تربطنا بالعرب علاقات تاريخية ودينية وثقافية ومصيرية" ؟! ماذا حصدنا من ربط مصيرنا بمصير " قضية العرب المركزية" ومعاداة كل من يعاديهم؟! لقد خصصنا فقرات اضافية في برامج أحزابنا وحتى منظماتنا الاجتماعية لقضية العرب "المركزية". وضيعنا وقتاً ثميناً من أوقات اجتماعاتنا ومؤتمراتنا لمناقشة تلك القضية ومناصرتها. لكن كل ذلك كان من جانب واحد، الجانب الكردي فقط. ليس هذا فحسب، بل أن " أخواننا" العرب من المحيط الى الخليج، شعوباً وأنظمة و"حلفائنا" أصحاب القضية المركزية، وقفوا صفاً واحداً مع بطل ومهندس جريمة حلبجه والأنفال وسياسة الأرض المحروقة والمقابر الجماعية، وغطوا على جرائمه وما زالوا يعتبرونه بطلهم القومي!!.

 

الورقة الكردية قبل سقوط نظام صدام:

 

كانت ومازالت المعارضة الكردية/الكردستانية في العراق بأحزابها وقواها السياسية ومنظماتها الجماهيرية وجبهاتها، من أقوى المعارضات عدةً وعدداً من ناحية التواجد والتسليح والنضال اليومي خلال حكم صدام وقبله. لم تكن تلك المعارضة وليدة ظرف طارئ أو حديثة التكوين، بل انها الوريث الشرعي للثورات والانتفاضات الكردية بدأً من ثورة المرحوم الشيخ محمود الحفيد، وثورات بارزان بقيادة القائد الخالد مصطفى البارزاني منذ ثلاثينات القرن العشرين مروراً بثورتي أيلول 1961 وأيار 1975 المجيدتين، لا بل الوريث لجميع ثورات وانتفاضات الشعب الكردستاني في بقية أجزاء كردستان. ويعرف كل من له إلمام بسيط بالسياسة ان سبب عدم استقرار الوضع السياسي في العراق والمنطقة وسقوط جميع الأنظمة (الملكية والجمهورية) التي تعاقبت على دست الحكم في العراق،كان بسبب معاداته للشعب الكردي وعدم الاعتراف بحقوقه.

إضافة الى المعارضة اليسارية المتمثلة بالحزب الشيوعي العراقي الذي يشهد له التاريخ بنضالاته، فان المعارضة الاسلامية تشكلت أواسط السبعينات من القرن الماضي وأخذت أشكالاً أكثر بروزاً بعد تشكيل الجمهورية الاسلامية في ايران عام 1979.

كانت المعارضة الكردية بحزبيها الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، اضافة الى الحزب الشيوعي العراقي، محور المعارضة العراقية في إجتماعات فيينا، صلاح الدين، دبلن، واشنطن، لندن،...الخ قبل اسقاط نظام صدام حسين الديكتاتوري. وأقرت تلك الأطراف العربية العراقية، الاسلامية منها والقومية، عندما كانت مجرد معارضات عددية مطلب الفيدرالية للشعب الكردستاني بعد سقوط النظام واستلامهم للسلطة في بغداد.ويعرفون حق المعرفة ما تعنيه الفيدرالية بالنسبة للقيادة الكردية؛ فهي ليست صيغة فيدرالية المحافظات (اللامركزية) المطروحة من قبل عبدالرحمن البزاز في 29/حزيران/1966 ، ولا هي صيغة الحكم الذاتي الأعرج المفروغ من مضمونه المقترح من قبل نظام البعث عام 1974 على المرحوم الخالد الذكر مصطفى البارزاني. ولا هي فيدرالية الشعارات والكلام المعسول والتصريحات الدبلوماسية التي تصدر من بعض أعضاء مجلس الحكم الانتقالي أو خارجه...

إذا كانت الفيدرالية هي تلك التي ذكرناه، فلماذا هدر الكرد أنهاراً من الدماء الزكية إعتباراً من بداية ستينات القرن الماضي الى حين سقوط نظام الطاغية يوم 9/نيسان/2003؟!...السؤال الجدي والمهم بعد كل هذا: هل دخلت المعارضة الكردية القوية والمتواجدة أصلاً في مقارعة الأنظمة الاستبدادية الى جانب أمريكا والحلفاء من أجل حقوق المواطنة للكرد في العراق العربي، أم من أجل فيدرالية المحافظات ( الصيغة الأكثر دبلوماسية لحقوق المواطنة والتي تقضي على آخر أمل من آمال الشعب الكردي ومحو هويته) ؟! أم ان الحلفاء أعطوا ضمانات مؤكدة للقيادة الكردية في تحقيق الفيدرالية المنشودة، لأنه ليس من المعقول أن يلدغ المرء من جحره مرتين، خاصة وأن الطرف الكردي له تجارب مريرة مع الجانبين الأمريكي والبريطاني؟!

 

سقوط النظام..تراجع " الأصدقاء" عن وعودهم وهستيريا القومية الشوفينية

 

عند أول محطة بان معدن "الأصدقاء" قبل الأعداء في معاداة مطاليب الشعب الكردي والتراجع عن وعودهم، والتنصل عن تواقيعهم على آخر بيان باسم " البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية" في لندن بتاريخ 15/12/2002! حيث ورد في النقطة العاشرة بالنص: الفيدرالية وحل القضية الكردية مايلي. " عند دراسة القضية الكردية وسبل الحل المنشود لها، أكد المؤتمر حقيقة التنوع والتعدد في تركيبة المجتمع العراقي القومية والمذهبية والسياسية وأجمع على أهمية تعزيز وترسيخ الوحدة الوطنية الطوعية بتحقيق المساواة التامة بين جميع المواطنين آخذين بنظر الاعتبار ما أقره مؤتمر صلاح الدين والاجتماعات الأخرى للمعارضة العراقية والخطاب السياسي للقاء قيادة المعارضة في واشنطن في أغسطس 2002 وتبني المجلس الوطني لكردستان العراق مشروعاً فدرالياً في جلسته المنعقدة بتاريخ 7/تشرين الثاني-نوفمبر/2002. عبّر المؤتمر عن إحترامه لشعب كردستان وارادته الحرة في إختيار الصيغة المناسبة للشراكة مع أبناء الوطن الواحد، وتوقف المؤتمر عن تجارب النظام الفدرالي واعتبره صيغة مناسبة لحكم العراق ينبغي الاستناد اليها كأساس لحل المشكلة الكردية في اطار المؤسسات الدستورية العراقية بعد القضاء على نظام صدام الديكتاتوري وأحداث التغيير المنشود. وفي هذا الصدد أكد المؤتمر حرصه الشديد على وحدة العراق والتعايش بين قومياته على أساس الاتحاد الاختياري.

وشدّد الاجتماع على تلبية المطامح المشروعة والعادلة لشعب كردستان وتصفية جميع آثار الاضطهاد والقمع على أساس المبدأ القانوني الدولي الذي يقر حقه في تقرير المصير وتأكيد روح الأخوة والاتحاد والشراكة في الوطن."   (انتهى الاقتباس وكلمات التشديد من عندي)

هل نحن في هذه الفقرة بحاجة الى احصاء عدد المرات التي تم فيها ذكر كلمات مثل: " أكد، أجمع، الوحدة الطواعية، احترام الارادة الحرة، الشراكة، الصيغة المناسبة، ينبغي، الاتحاد الاختياري، شدد، تلبية المطامح المشروعة والعادلة، حق تقرير المصير على أساس مبدأ القانون الدولي،..الخ"

هل أن موقف أولئك الذين نكثوا بوعودهم وأنكروا حقوق الشعب الكردي وهم لم يستلموا السلطة بعد أفضل من موقف صدام عندما وقع اتفاقية الجزائر مع شاه ايران ومزّقها بعد ذلك وأعلن الحرب على ايران لمدة ثمان سنوات؟!. ان الملفت للنظر، هو أن " حلفاء وأصدقاء" اليوم فقط دخلوا إحدى قاعات القصر الجمهوري وجلسوا على كرسي عادي وراء الطاولة المستديرة، فما هو بالك أن يجلس هؤلاء لوحدهم على كرسي الحكم!!

وفي الطرف الآخر لم يتوقف الضجيج الأعلامي على المستويين الرسمي والشعبي العربي ولدول الجوار منذ تدهور العلاقات بين أمريكا وحلفائها من جهة والنظام العراقي من جهة أخرى، وتلويح أمريكا بتغيير النظام، فقد تباكوا على وحدة العراق وسيناريوهات تقسيمه والتدخل في شؤونه. واستعر هذا الهجوم بعد سقوط النظام وتشكيل مجلس الحكم الانتقالي من أطياف الشعوب العراقية. ومجرد تأكيد المجموعة الكردية في مجلس الحكم على مطلب الفيدرالية الكردية التي وافقوا عليها في مؤتمر لندن، تنصل الكثيرون كما قلنا وارتفعت وتيرة الشوفينية القومية العربية والتركية الى حد العنصرية داخل العراق، وراح الاعلام العربي المرئي من فضائيات، خاصة الجزيرة، العربية، أي.ن.ن...الخ، بتسليط سيف الانتقام على الشعب الكردي وتحريض الشارع ضدهم، وتكرار الاسطوانات المشروخة من قبل: الانفصال والانفصاليون، تمزيق الوطن العربي، عملاء أمريكا وإسرائيل، تشكيل الدولة الكردية، اسرائيل ثانية، كيان كردي، شمال العراق، جيب،...وأطل علينا أسماء العشرات من "المحللين السياسيين،الباحثين، المفكرين" في الشأن العراقي من أمثال ( د.عبدالله النفيسي- برنامج بلا حدود، عوني القلمجي- برنامج أكثر من رأي، الدكتور"الكردي" نوري المرادي- برنامج الاتجاه المعاكس، د.محمد المسفر، ليث شبيلات، علي العرسان، معن بشور، توجان الفيصل، سيد نصّار، عبدالباري عطوان، مصطفى بكري، مع اللولب الحاقد لجميع هؤلاء وغيرهم: فيصل قاسم، سامي حداد، أحمد منصور، جاسم العزاوي) لينفثوا فايروسات العنصرية ضد الشعب الكردي المسالم، الذي لم يغتصب أرض أحد ولن يتعدى على حقوق أحد، فقط يطالب بحقوقه القومية ويريد أن يعيش بسلام مع العرب وغيرهم على أرضه كردستان.

وإذا كان هؤلاء القوميين العرب وغيرهم من البلدان العربية يتخذون هذه المواقف العنصرية بشكل صارخ تجاه الكرد، فأن القوميين العرب " رفاق وأخوان" الكرد في جبهة المعارضة العراقية ضد نظام صدام، من تجاوز حاجز الخجل ووقف صراحة ضد الفيدرالية، ومن تعلثم وتلاعب بالكلمات، ومن نطق بها تحت مسميات عدة، ومن طالب بتأجيلها...الى غير ذلك من الكلام. أعتقد أن الطرح الشوفيني الصارخ الأول والخجول الثاني يلتقيان كلاهما في خانة واحدة هو إنكار حقوق الشعب الكردستاني، سواء في الفيدرالية أو في غيرها.

نعم هنالك أصوات كثيرة تدعو علانية رفض منح الأكراد الفيدرالية، وآخرون يرون طرحه ليس في وقته المناسب، وثالث يؤكد فقط على الانتماء العراقي، وجماعة تدعو الى " الأممية الاسلامية"، وفريق يطرح فيدرالية المحافظات، وشاب معمم حالم يقول في خطبة الجمعة( 2/1/2004): " العربي عراقي، والكردي عراقي..." وممثل للمجلس الاسلامي الأعلى للثورة الاسلامية يقول هو الآخر في خطبة الجمعة: " الأولوية يجب أن تكون للقضية المركزية، وهي استقلال العراق من قوى الاحتلال لذلك يجب أن يفكر أخواننا الكرد في هذه القضية أولاً ومن ثم يكون الكلام عن الحقوق الأخرى." ( الخطيب صدرالدين القبانجي. كلمات التشديد من عندي)

ونفر يقترح على الكرد تأجيل هذه القضية (الفيدرالية) الى الحكومة المنتخبة القادمة وبعد تثبيت الدستور وعرضها حينذاك للإستفتاء على الشعب العراقي..الخ!

أعتقد أن هذه الأصوات والاتجاهات كلها تدعو لغمط حقوق الأمة الكردية أو التي تدعو الى رفض منحه الفيدرالية أو أنها ليست في وقتها، أو التأكيد على الانتماء العراقي فقط، أو يضعون الأولوية للقضية المركزية...الخ، ليسوا مقتنعين أصلاً في بناء نظام ديمقراطي، ويدعون شئنا أم أبينا الى عدم استقرار العراق والمنطقة برمتها، ويدعون أيضاً، عن دراية أو من حيث لا يدرون، الى عودة الحكم الديكتاتوري الشوفيني والحكم الاسلامي على النموذج الايراني.

إذا كان العراق حقيقة ثابتة بالنسبة الى القوميين العرب الشوفينيين على أنه جزء لايتجزأ من الوطن العربي، وعضو في الجامعة العربية ولا يمكن إنسلاخه من محيطه العربي، فأين حق الشعب الكردي ومعه القوميات الأخرى؟! وأين تذهب خصوصيته وتاريخه وأرضه؟! هل يقبل الأخوة القوميون العرب أن يقول الكرد "العراقيين": نحن جزء من الأمة الكردية، وأن العراق ليس كله جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، ونحن الكرد نريد تعليق عضوية العراق من الجامعة العربية لأسباب معروفة للجميع؟. هل أنتم مستعدون لسماع رأي الطرف الكردي ومناقشة أفكاره، رغم إحتلالكم وتعريبكم لأراضيه منذ خلافة عمر بن الخطاب وليس منذ عهد سلطة البعث كما يتوهم البعض؟!

قلت في معرض حديثي: هل بامكان الخطاب الكردي أن يتجاوز مرحلة الخجل ويحطم المصابيح الحمراء في طريق تفكيرنا ومنهجنا واستراتيجيتنا القومية؟

هل فعلاً استقلال العراق وطرد المحتلين هي قضية الكرد المركزية كما يطلب منا السيد صدرالدين القبانجي، "ومن ثم يكون الكلام عن الحقوق الأخرى" وما أدرانا ماهي الحقوق الأخرى الذي لا ينوي السيد المحترم من ذكرها؟ وهل يضمن لنا السيد القبانجي حقنا في الفيدرالية القومية الجغرافية والاتحاد الاختياري بعد الاستقلال وطرد المحتلين؟! وأي محتل ينبغي طرده أولاً: القديم أم الحديث؟! شعبنا لا يريد قراءة الغيب بل يريد قراءة الواقع وما يجري على الأرض.

الفيدرالية مطلب آني أقره البرلمان الكردستاني عام 1992 بارادته الحرة وكشكل من أشكال التعايش الطوعي مع الشعب العربي والتركماني والكلدو-آشوري في العراق، وهو حق يستفتي عليه فقط الشعب الكردي وما على الشعوب العراقية التي ذكرناها والحكومة المنتخبة إلاّ احترام تلك الارادة وتثبيته في الدستور العراقي الدائم وبضمانات دولية.

الفيدرالية خيار وحل رفعه برلمان كردستان كجزء من قضية أشمل وأعقد عنوانها المشكلة أو المعضلة الكردية، ليس في كردستان الجنوبي وحسب، بل في أجزائها الشمالية والشرقية والغربية، التي تنتظر حلاّ دولياً بشكل سلمي وحضاري. إذا كانت الفيدرالية كأحد الحلول المطروحة لجنوب كردستان (كردستان العراق) شأناً داخلياً عراقياً، كما يحلو للبعض تسميتها، فلماذا إذن تتدخل كل الدول العربية لمعاداتها ومنع تحقيقها؟ ولماذا تصبح الخطوط الساخنة بين دول الجوار العراقي أكثر سخونة وتزاح خلافات وعداواة أكثر من نصف قرن، وتجري زيارات أسرع من البرق بين رؤساء ورؤساء وزارات دول بقاماتهم وعرض أكتافهم؟..لماذا يقوم رئيس وزراء تركيا بزيارة خاطفة الى واشنطن ويلتقي مع الرئيس بوش؟ ويعلن أولئك الفرقاء جهاراً وقوفهم ضد منح الأكراد حقوقهم القومية. لماذا يرسم رئيس عربي لشعبنا خطوطاً حمراء لايمكن تجاوزها، وآخر يهدد بالتدخل العسكري في حال إعلان الفيدرالية؟! ومستشار رئيس دولة عربية من القرن الأفريقي (د.أسامة الباز في 27/1/2004) ووزير خارجية السعودية من قبله، يصرحان بأن تقسيم العراق سيؤدي الى إنتقال العدوى الى دول أخرى؟!..ماهو ذنب الكرد إذا لم تعترفوا بوجوده ولم تقروا بحقوقه القومية والانسانية؟ ماهو ذنب العراق المقدم على التغيير الديمقراطي إذا كانت أنظمتكم هشة مبنية على العنف والارهاب والعسكرتارية وكم الأفواه وهدر حقوق الانسان؟. لماذا يكون شعبنا ضحية لمصالحكم الأنانية ولإستعلائكم القومي وأمجادكم الوهمية؟. ماهو ذنبنا وأنتم مازلتم تفكرون بنفس العصبية القبلية وفكرة البداوة والتسلط ورفض الآخر؟ّ

نعم أيها السادة، ما باتت المشكلة الكردية ومطلب الفيدرالية القومية الجغرافية التي تطالب بها القيادة الكردستانية، مشكلة عراقية داخلية، بل فقرة من أجندة دولية تبحث عن حل سياسي إنساني دائم.ان هذا الحل هو مفتاح الاستقرار في العراق والشرق الأوسط برمتها، وإمتحان لمدى جدّية الادارة الأمريكية وحلفائها في جعل العراق نموذجاً للديمقراطية في الشرق الأوسط.

 

 

الفيدرالية...الديمقراطية

 

الديمقراطية بنت الحضارة والتحضر، وهي كمفهوم سياسي، إجتماعي أخلاقي مرتبط بعدة عوامل، من أهمها:

تطور المستوى الاقتصادي وعلاقات الانتاج للبلد المعني. ثانياً: تطور مستوى الوعي الثقافي لتلك الأمة. ثالثاً: أن يكون هنالك فصل تام بين الدين والدولة، ولا يتدخل الأول بأي شكل من الأشكال في شؤون الثانية. رابعاً: أن تكون هنالك قوة مادية ومعنوية لحفظ وحماية تلك الديمقراطية، عبر مجموعة من القوانين وفي ظل سلطة قضائية مستقلة عن السلطات التشريعية والتنفيذية. بدون هذه الأركان الأربعة من الصعب الحديث عن الديمقراطية الحقة، ولا يمكن أن نتصور ديمقراطية تخرج من فوهات البنادق وبطون الدبابات وروائح الأسلحة الكيمياوية! ومن المستحيل تصور ولو نفخة من الديمقراطية تنبع من الرؤوس المتحجرة! ومن السذاجة، بل من الغباء، أن ننتظر نحن الكرد ديمقراطية تنبع لنا من رؤوس المتشبعين بالفكر القومي العنصري، وأولئك الذين ينظرون لنا نظرة " أحفاد الجن" أو يعتبروننا مواطنين من الدرجة العاشرة!

بعد كل الذي جرى للشعب الكردي من اضطهاد وتنكيل وقمع وإبادة بالسلاح الكيمياوي، وآخرها عمليات إرهابية جبانة من قوى الظلام والتخلف في مدينة أربيل الأبية، راح ضحيتها عشرات الشهداء من الكوادر القيادية والمدنيين، بعد كل هذا هنالك من القوميين الشوفينيين العرب والترك والفرس والاصوليين يشمت بالشعب الكردي ويملأ الدنيا نهيقاً ويبكي على تقسيم العراق ويلطم على خدوده من أجل وحدة العراق، كل ذلك لتجاهل الشعب الكردستاني وطمس هويته وتاريخه وعدم الاعتراف بحقه في تقرير مصيره، والاصرار على استمرار احتلال أرضه.

ومن يقول ان تحقيق الديمقراطية ستمهد الطريق للفيدرالية الكردية؟ لا أعتقد بحتمية ولادة الفيدرالية من رحم الديمقراطية في ظل الفكر الشوفيني والعنصري المخيم على الساحة التي نعيش فيها. أن الشعار أعلاه هو خادع ومضلل أكثر مما هو واقعي، رغم عدم إعتراض الكرد على الديمقراطية كمبدأ، التي أراها صعبة المنال على المدى القريب للأسباب التي أشرت الى بعضها سابقاً. يناضل الشعب الكردستاني اليوم من أجل تقرير مصيره والاتحاد الاختياري في صيغة الفيدرالية القومية الجغرافية مع الشعوب العراقية.

لا حقوق قومية بدون أرض وتاريخ وثقافة، ولا فيدرالية بدون جغرافية. التاريخ والجغرافيا تؤامان لا ينفصلان. ان إحترام طليعة الشعب العربي في العراق، بأحزابها ومنظماتها وشخصياتها، وباعتبارها القومية الأكبر لإرادة الشعب الكردستاني في الاتحاد الطوعي، سيؤدي الى إزالة أكبر عائق أمام عدم الاستقرار السياسي في العراق والمنطقة برمتها، وسيمهد الطريق فعلاً الى بناء الديمقراطية الصحيحة وليست المزيفة التي ننشدها جميعاً. وسيبنى عراق الشراكة والمساواة والتكافؤ، ليس فيه للأخوة من درجات؛ كبير وصغير، غني وفقير، أكثرية وأقلية، مؤمن وكافر، سماوي وأرضي...الجميع واجباتهم وحقوقهم مصونة في الدستور وهم سواسية أمام القانون. الدين لله والدولة للجميع.

ان الشعب الكردستاني عبر طلائعه وأحزابه السياسية عندما ناضل عبر القرون الماضية وضحى بكل تلك الدماء الزكية لشهدائه، لم يناضل من أجل التنازل عن أرضه بل لإستردادها، ولم يناضل من أجل المواطنة أو فيدرالية المحافظات(4) وحكم لا مركزي يقضي على آخر أمل كردي لنيل حقوقه ويقضي على هويته القومية لصالح القوميات المحتلة أصلاً لأرض الكرد. بل من أجل بسط سيادته على أرضه.

انه لم يناضل ليصل رئيس هذا الحزب الكردستاني أو ذاك، أو كادر من كوادره، حسبما أعتقد، لمنصب عضو في مجلس الحكم الانتقالي أو وزير أو سفير، بل لوضع إطار قانوني ينعم به شعبه بحقه في تقرير مصيره ويحميه بالتالي من حروب الانتقام والابادة!

ومن المنطق أيضاً أن لا تكون انضمام قادة الأحزاب الكردستانية الرئيسية الى قوات التحالف بقيادة أمريكا من أجل نزهة عابرة ومن أجل إسقاط نظام صدام حسين فقط، إذا لم تكن هنالك ضمانات في تحقيق الفيدرالية القومية الجغرافية. علماً أن للقيادة الكردية من التجارب المرّة مع أمريكا بشكل خاص ويعون بشكل تام أنها تتحرك وفق مصالحها. إلاّ أن الذي يحّيرني ويحيّر معظم الكرد، التصريحات الضبابية للمسؤولين الأمريكيين بدءاً من الرئيس بوش ووصولاً الى سفيره فوق العادة بول بريمر حاكم العراق المدني الذي يقول في إحدى لقاءاته: أن مسألة الفيدرالية هي قضية عراقية، يقررها الشعب العراقي. وما يثير مخاوفنا جميعاً ما صرح به الرئيس مسعود البارزاني ما معناه: بأن ما يطلب منا بول بريمر أن نقتنع به أقل بكثير مما كان يعرضه علينا صدام حسين!

هل وقع قادة الكرد في الفخ الأمريكي البريطاني، وهل ينتظر شعبنا خيانة أخرى ويتحقق إدعاءات وأمنيات القوميين العنصريين والأصوليين، أم سنجتاز جميعاً، قيادة وشعباً، الامتحان بنجاح وسلام؟!

 

 المعادلة الكردية..العراق..الشرق الأوسط:

 

رغم الاعتراض العالمي قررت الادارة الأمريكية برئاسة بوش الابن شن الحرب وتحرير العراق من نظام صدام حسين تحت عناوين كثيرة: امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، تشكيله خطراً على أمن العالم وأمن الولايات المتحدة الأمريكية، إنتهاكه لحقوق الانسان، استخدامه للأسلحة المحرمة دولياً ضد شعب العراق ودول الجيران،...الخ. بدأ حرب التحرير صباح يوم 20/3/2003 ولم تستمر لأكثر من ثلاثة أسابيع حيث هوى صنم صدام صباح التاسع من نيسان من العام نفسه.

من الطبيعي أن تكون لأمريكا وحلفائها مطامحها وأجندتها في العراق. ومن الطبيعي أيضاً أن يتنافس الفرقاء العراقيون بقومياته وأحزابه وأديانه وشخصياته الوطنية على تركة النظام المقبور ويعملون من أجل الحصول على أكبر قدر من المكاسب، بل محاولة بعض الأطراف الاستحواذ على السلطة وفرض أيديولوجيتها. لكن الملفت للنظر التدخل الفض من جانب الدول العربية ودول الجوار (تركيا وايران وسوريا) وبكل ما لديها من قوة وإمكانيات ومكر وخداع في الشأن العراقي والوقوف بوجه رياح التغيير ومنع إنتقال عدواها الى بلدانهم كي لا تهز عروشهم المهزوزة، ومحاولتهم رسم ذلك التغيير –ان استطاعوا اليه سبيلاً- حسب نظرتهم الطائفية ومصالحهم القومية الشوفينية الضيقة. ومن الطبيعي جداً أن يستغل الشعب الكردي الفرصة التاريخية النادرة التي ربما لا تتكرر مرة ثانية، من أجل تحقيق مطاليبه القومية العادلة وإصلاح الخلل التاريخي المجحف بالحاق وطنه قسراً ب" العراق العربي" بعد معاهدة لوزان.

الأحزاب والقوى الشيعية يلحّون على إجراء إنتخابات مبكرة رغم معرفتهم بتدهور الوضع الأمني وعدم وجود إحصاء دقيق وحرمان عشرات الآلاف (الشيعة الفيليين) من الجنسية العراقية ووجود ما يقارب من أربعة ملايين عراقي خارج البلاد،..إعتقادا منهم أنهم يشكلون غالبية سكان العراق وبامكانهم الاستحواذ على السلطة وبالتالي تمهيد الطريق لعودة الديكتاتورية بلون آخر وتطبيق الشريعة الاسلامية على النموذج الايراني. يعرف هؤلاء قبل غيرهم، أن شيعة العراق ليست قوة واحدة وفيها تيارات ومرجعيات عديدة تتنازع على السلطة. فهناك الشاب المعمم الذي يريد استغلال سمعة المرحوم والده، ويلف حوله بقايا الشباب البعثي من النظام المقبور بدراية منه أو من دون أن يدري، ويشكل له جيشاً وينشأ له سجوناً ومحاكماً حسب هواه، ويرفع علانية شعار:" لا إله الا الله، كردستان عدو الله" !!

ان إصرار بعض الاطراف الشيعية على ضرورة الانتخابات في هذا الوقت المرتبك، هو في إعتقادهم الفوز بأغلبية مطلقة تؤهلهم في إجراء التغييرات وكتابة الدستور والقوانين حسب نهجهم وأيديولوجيتهم الدينية، كما فعلوا بالغاء قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 وإصدار القانون الجائر رقم (137) خلسة يوم 1/1/2004. يعتبر هذا القرار، أو (مشروع القرار) بحد ذاته بداية لتوجه ديني يثير الكثير من المخاوف الجدّية ليس ضد المرأة فحسب، بل لخنق الحريات العامة ومعاداة الديمقراطية وضد الفيدرالية لكردستان العراق ومصادرة لحقوق الأقليات الدينية في العراق. حسناً ظهر هذا القرار مبكراً، حيث كشف أصحابه  وهم لن يستلموا كرسي الحكم بعد، عن نياتهم ومنطلق تفكيرهم الظلامي. فكيف يكون حال العراقيين عموماً والكرد خصوصاً، عندما يستولي هؤلاء- لا سامح الله- على كرسي الحكم بأغلبية مطلقة؟!!

أمّا السنّة بشخصياتهم وتجمعاتهم وملاليهم وأحزابهم الدينية والقومية المشكلة حديثاً، والحزب الوهابي في العراق الذي كان يتزعمه عزت الدوري وبدعم من الدول العربية، يرفضون الانتخابات في الوقت الحاضر لقلة نسبتهم، وعلمهم أنهم بواسطة الانتخابات سيخسرون مراكزهم وإمتيازاتهم التي كانوا ينعمون بها زمن الأنظمة السابقة وخاصة نظام صدام البائد. علماً أن غالبية هؤلاء يتمنون عودة النظام المقبور.

ان الانتخابات بحد ذاتها، والديمقراطية المزيفة كما أشرت اليها، ليستا بالدواء الشافي لحل المشكلة الكردية وتحقيق الفيدرالية القومية الجغرافية السياسية، بل أن الكرد ومعهم ألأقليات القومية والدينية التي تعيش في كردستان، أمام عملية مفاوضات سياسية بينهم وبين ممثلي الأطراف العربية في مجلس الحكم الانتقالي من جهة، وبينهم وبين أمريكا وحلفائها من جهة ثانية. يخوض الكرد اليوم حرباً سلمية مع الأطراف المذكورة من أجل تثبيت مطلب الفيدرالية- الاتحاد الاختياري مع القومية العربية في الدستور العراقي الجديد، وان لن يفلحوا من تحقيق ذلك المطلب، فأنهم بالتأكيد سيلجأون الى خيارات أخرى.

وحتى في حال إجراء الانتخابات في وقتها المناسب، أعتقد أن العامل الكردي سيكون حاسماً وسيغيّر ميزان القوى، ولن يكون بالتأكيد لصالح الطرف الشيعي الموالي لإيران، الذي تراجع عن تعهداته المقررة في الإجتماعات والبيانات الرسمية، ووقف ضد الفيدرالية الكردية.

لا يمكننا إغفال نقطة الإلتقاء مع أمريكا وحلفائها والامتنان لهم، فهم الذين حررونا من نظام صدام الوحشي، ولولاهم لبقي هذا النظام جاثم على صدورنا عشرات السنين، ولأصبح العراق نظاماً " جمهورياً ملكياً" لعائلة صدام وأبنائه وأحفاده.

نكون مخطئين وساذجين إذا اعتقدنا أن أمريكا أسقط نظام صدام من أجل عيون الشعب العراقي، وأسقط من قبله نظام طالبان من أجل عيون الشعب الأفغاني، لأن كلا النظامين كانا من صنيعة أمريكا نفسها، لكن بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي أزيل مفهوم القطبين العالميين وحلّ محله مفهوم القطب العالمي الوحيد ونظام العولمة الذي يحاول تأسيس العالم حسب مصالحه والسيطرة على أهم المناطق الحيوية من العالم خاصة تلك التي تحتوي على مصادر الطاقة التي تسيّر عجلة الشركات الاحتكارية العالمية. كما أن النظام العالمي الجديد( العولمة) عندما تغزو أسواق الدول الأخرى، لا تأخذ معها فقط آلاتها ومكائنها وتكنولوجيتها الجامدة، بل تأخذ معها ثقافتها. وهنا باعتقادي نواجه الحالة التي نعيشها في منطقة الشرق الأوسط "الحرب على الارهاب" ، فهو حرب بين نظام العولمة بكل ما تحمله من مساوئ ومن إيجابيات في التطور التكنولوجي الخارق الذي لا يتخيله العقل في كافة نواحي الحياة، وبين فكر سلفي ديني لا يتقبل ذلك التطور ويحاول الوقوف في وجه ذلك الزحف الجبار بعقلية جامدة! الاسلاميون الاصوليون والمتشددون لا يتقبلون الحداثة، لذا فقد نقل الأصوليون ومن لف لفهم من جميع القوميات معركتهم العقائدية، التكفيرية، التدميرية،..لمنازلة أمريكا على الساحة العراقية.

أعتقد أن العراق ستكون ساحة تجريبية لتطبيق الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط (الدول العربية بشكل خاص) وسيكون الشعب العراقي لبضعة سنين ضحية لتطبيق الديمقراطية في العراق وغيرها من البلدان العربية وغيرها. ولا ننسى أن مسؤولية هذه المآساة يتحملها نظام صدام الديكتاتوري،الذي أوصل العراق الى ما أوصل اليه. وقوى الظلام واصحاب التفيكر العنصري ثانياً.

رغم المخاوف السابقة من السياسة الأمريكية أزاء سحق آمال الشعب الكردي في نيل حقوقه وعدم وجود ضمانات مكتوبة اليوم لتحقيق تلك الطموحات، إلاّ أن السياسة تتغير بتغير عواملها وظروفها، وهنا يمكن أن نشير الى نقاط ومؤشرات عديدة لصالح القضية الكردية بالأخص في عراق ما بعد صدام، من تلك المؤشرات:

1-      لن تخرج القوات الأمريكية بالسهولة التي يتصورها البعض من العراق بعد صرفها مليارات الدولارات وخسارة المئات من قواتها العسكرية في حرب تحرير العراق من نظام صدام حسين.

2-      ومن الصعب أن تقوم أمريكا وحلفائها بإنشاء دولة عراقية مركزية قوية تخرج من سيطرتها وتقف بوجه تنفيذ مشاريعها في المنطقة.

3-      ومن غير المنطقي أيضاً ان تسمح أمريكا لقوة دينية استلام زمام الحكم في العراق.

4-      وحسب مشروعها واستراتيجيتها في المنطقة، فلن تسلم أمريكا حكم العراق الى قوى شوفينية عربية ودينية متطرفة ترعى الارهاب أو تعادي الدولة الاسرائيلية.

5-      كلما إزدادت العمليات الارهابية ضد القوات الأمريكية وحلفائها في وسط وجنوب العراق (القسم العربي) وارتفعت دعوات الجهات العربية بخروج القوات الأمريكية من العراق، كلما ازداد قناعة الحلفاء بأن الآكراد هم عنصر استقرار في المنطقة يمكن الاعتماد عليهم.

6-      يجب أن لا نغفل في أن تحرير العراق من نظام البعث الصدامي هو حلقة من الصراع والمنافسة الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية (مطروحاً منها تلك الدول الاوربية التي وقفت مع أمريكا) لاقتسام العالم بعد إنتهاء الحرب الباردة وزوال القطب الآخر.

7-      وأعتقد أن أمريكا تعرف جيداً، أنها من أجل أن تنفذ استراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط وتقضي على بؤر التوتر والارهاب المنظم، عليها أن تقوم بايجاد حل عقلاني لمشكلتين مزمنتين هما: الصراع العربي الفلسطيني الاسرائيلي، والمشكلة الكردية في كل من العراق، تركيا، سوريا وايران. بدون ايجاد حل سلمي وعادل لهذين الصراعين، لا يمكن الحديث عن استقرار المنطقة.

ماهو المطلوب من الكرد بكافة شرائحهم وأحزابهم وقواههم السياسية وشخصياتهم الثقافية والفكرية؟..كيف يستفيدون من هذه الانعطافة التاريخية النادرة؟ يمكنني تلخيصها في النقاط والتوجهات المهمة التالية:

1-     توحيد الادارتين الكردستانيتين في كل من أربيل والسليمانية التي تقودهما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، اليوم قبل غد وعدم الدوران في حلقة مفرغة والتشبث بحجج لا تقنع الآخرين خاصة بعد الجريمة الانتحارية النكراء يوم 1/2/2004 ضد مقر الحزبين الحاكمين وكل الشعب الكردي في مدينة أربيل الأبية.

2-     أن يبتعد الجميع، وخاصة الأحزاب الحاكمة، من النظرة الحزبية الضيقة والأيديولوجية الجامدة وينظروا بشكل أوسع الى المصلحة القومية العليا ويعملوا اليوم من أجل "الكوردايتي" ويكون  "كل شئ من أجل المعركة"؛ معركة تحقيق أماني وطموحات الشعب الكردستاني في الفيدرالية الجغرافية القومية في العراق الجديد. ويتمكن الآغا والفلاح، البرجوازي والعامل، الشيخ والمريد، رئيس الحزب وعضو الخلية الحزبية، المسلم والأيزيدي والمسيحي والكاكائي، الحزبي والمستقل،..أن يجتمعوا معاً ويتركوا خلافاتهم الثانوية جانباً من أجل القضية الأسمى.

3-     تقارب جميع الأطراف والقوى والشخصيات والأكاديميين والأحزاب الكردية والكردستانية،  خاصة الحزبين الحاكمين في القسم الجنوبي،ومن الأجزاء الأخرى لكردستان وان أمكن تشكيل جبهة كردستانية واسعة لتوحيد الخطاب الكردي ووضع رؤية كاملة لإستراتيجية الأمن القومي الكردستاني.

4-     أن يتجاوز القادة الكرد حاجز الخجل والمجاملة في تعاملهم مع الآخرين بشأن المطاليب الكردية وأن يأخذوا رأي الشعب الكردستاني في القضايا المصيرية التي تخص مستقبل الأمة الكردية.

5-     إذا أصرّ مسؤولي الأحزاب والتجمعات العربية في العراق والجهات الرسمية وغير الرسمية في البلدان العربية على معاداة الإرادة الكردية فعليهم توقع ان الكرد ربما يلجأؤن الى تحالفات لن ترضيهم.

6-      إجراء إستفتاء كردستاني عام وتحت اشراف دولي أو بدونه لمعرفة الارادة الكردستانية ونوع العلاقة التي يريدونها مع الشعب العربي في العراق.

7-     تنشيط عمل الجالية الكردية الواسعة في الخارج، وإن أمكن تنظيم مؤتمر عاجل لدراسة المستجدات على الساحة الأقليمية والكردستانية.

                                                   

 

(1)      التركمان الايوانية، هم من أحفاد جنكيزخان، كان أول ظهور لهم عندما تغلبوا على مدينة آسنه وأرمينيا من نواحي آذربيجان.

(2)      كانت منطقة تكريت مسقط رأس صلاح الدين الأيوبي وملك لشيركوه الأيوبي عم صلاح الدين.

(3)      حتى أكون منسجماً مع نفسي ومطمئناً فيما أقوله ولا أضع كل العرب في سلّة واحدة، فأن هنالك عرب شرفاء    أخوان وأحبة لنا، وأخص هنا بالذات مجموعة من المثقفين الذين يقفون بصدق وإخلاص مع مطاليب الشعب الكردي المشروعة ليس في الفيدرالية فحسب، بل في تكوين دولته المستقلة، ومن هؤلاء: ( د. كاظم حبيب، د. مهدي حيدر، عدنان حسين، د. منذر الفضل، القاضي زهير كاظم عبود، العالم الديني أياد جمال الدين، اسماعيل زائر، د. عبدالرحيم الرفاعي، د. موفق الربيعي...) وعذراً لأساتذة أفاضل آخرين لا أتذكر أسمائهم.

      (4)    فيدرالية المحافظات هو تقسيم المدن على أساس طائفي تخدم مصالح دول الجيران.

 

 

عودة الى المقالات

 

                   E-mail.: info@khaliljindy.com                  www.khaliljindy.com                      webmaster@khaliljindy.com