س 1 : أرحب بكم باسم مجلة " الحوار..."
واستهل الحوار بسؤالي عن مركز الأيزيدية خارج الوطن، متى تأسس، وماهي أهداف
هذا المركز؟
د. خليل / أشكركم على هذا اللقاء المفيد وأتمنى أن يكون
حوارنا فرصة لتبادل الكثير من وجهات النظر بشفافية وروح متحضرة، ومحاولة
متواضعة لتسليط الضوء على بعض جوانب العقيدة الأيزيدية التي مازالت غامضة لدى
البعض، ولمناقشة بعض الشكوك والالتباسات التي تدور في أذهان بعض الأصدقاء
وحتى بعض الجهات الكردية ازاء تأسيس بعض المنظمات والمراكز الأيزيدية
الثقافية والاجتماعية...كما أتمنى لمجلة " الحوار" والعاملين فيها كل النجاح
والتقدم على طريق الدفاع عن الحق الكردي المغتصب الى أن يتحقق حلم شعبنا في
التحرر وحق تقرير المصير وبناء دولته القومية. وأناشد مجلتكم ومعها جميع
الصحف الكردية أن تدافع وتحافظ على الكلمة الكردية الصادقة وتقف الى جانب
طموحات جماهير الشعب الكردي، وتنتقد الظواهر السلبية في الحياة الاجتماعية
والسياسية، وتدافع عن حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية وتحترم حقوق الأقليات
القومية والدينية...
أما بخصوص مركز الأيزيدية خارج الوطن، فانه وبمبادرة نخبة من
خيرة مثقفي الأيزيدية ومعهم جمهور من المخلصين ومن إتجاهات فكرية وسياسية
مختلفة، وبعد مداولات دامت أكثر من سنة، تم تأسيس هذا المركز يوم 24/12/1995
في أول مؤتمر تأسيسي له بمدينة ( كروسنمور- سلى-ألمانيا) وتم حينها إنتخاب
هيئة إدارية من 21 عضواً لقيادة المركز آخذاً بنظر الاعتبار التوزيع الجغرافي
لتشكيلة تلك الهيئة بحيث ضم أعضاء من كردستان (العراق، سوريا، تركيا) إضافة
الى أعضاء من أيزيدية جورجيا وأرمينيا. وقررت الهيئة الادارية في إجتماعها
اللاحق أن تصدر مجلة ثقافية تراثية دورية باسم " روز" تعني بالأبحاث حول
الشأن الأيزيدي.
وبصدد أهداف المركز وكما جاء في نظامه الداخلي، يمكن تلخيص
أهمها كالآتي:
- أن يصبح المركز نقطة التقاء الأيزيدية خارج الوطن وتطوير
العلاقات بينهم.
- التنسيق بين الجمعيات والمراكز الأيزيدية في المهجر.
- الحفاظ على الهوية والتراث الأيزيدي بما يحمله من ثقافة
وعادات وتقاليد وطقوس باعتباره جزءاً من الحضارة الانسانية.
- إقامة العلاقات مع جميع المنظمات الثقافية والجهات الدينية
والاجتماعية غير الأيزيدية ومع المؤسسات الحكومية والمعاهد والجامعات
المختلفة.
- جمع النصوص التراثية التي لم تدون بعد وأرشفتها وإجراء
البحوث حولها.
- تسهيل مهمة الباحثين والكتاب المعنيين بالتراث الأيزيدي.
- إصدار الكتب، النشرات والمجلات الدورية وبلغات عديدة إن
أمكن، مع إقامة نشاطات علمية وفنية تلقى فيها محاضرات من قبل علماء وباحثين
في الشأن الأيزيدي كما جرى في المؤتمر العالمي الأول حول الأيزيدية 28-
30/1/2000.
- إيلاء الأهمية للقضايا الاجتماعية بشكل عام وبين الأيزيدية
بشكل خاص وتطويرها نحو الأفضل، والعمل على حل المشاكل الناشئة وحصرتأثيرها
السلبي.
- إيلاء إهتمام كبير بتربية أطفال وشبيبة الأيزيدية من كلا
الجنسين وتحصينهم من الأمراض الاجتماعية والمساهمة في إعدادهم ليكونوا أعضاء
نافعين في مجتمعاتهم.
- إحياء المناسبات والأعياد الأيزيدية بشكل جماعي حيثما أمكن
والحفاظ عليها. وكذلك الاهتمام بالعادات والتقاليد الأيزيدية والحفاظ على
الايجابية منها بشكل خاص.
- يعلن المركز عن إستعداده لفتح باب الحوار والالتقاء مع
ممثلي الأديان المختلفة والتفاهم معهم حول كلمة الحق وحقوق الانسان والعدالة
الاجتماعية.
- بناء الشخصية الأيزيدية المستقلة وتخليص الفرد الأيزيدي من
عقدة الشعور بالنقص.
أن هذه الأهداف وغيرها تشكل من جهة حركة إصلاحية كبيرة ومهمة
داخل المجتمع الأيزيدي، ومن جهة أخرى تعتبر إسهاماً مهماً في تطوير وخدمة
الثقافة والفكر والأدب للشعب الكردي.
س2 بالمناسبة، هل تتفضلون بالحديث لنا عن قدم
الديانة الأيزيدية؛ بداياتها، أين وكيف ظهرت؟
د. خليل : الاجابة على سؤالكم ليس بالأمر الهين، ومازال
السؤال يطرح في العديد من المناسبات ويناقش في الكثير من الأبحاث، والاختلاف
والخلاف حوله مازال قائماً. وما من دين جهله الناس وإختلفوا في شأنه ومعرفة
أصله كالدين الأيزيدي، رغم الأبحاث الكثيرة التي قامت بها مجموعة كبيرة من
الكتاب والباحثين الشرقيين والغربيين، ومع ذلك لم يتبلور رأي موحد في تحديد
أصل وتاريخ الأيزيدية، وينبع هذا الاختلاف- باعتقادي- من المسائل التالية :
1- العلاقة بين الفرد الأيزيدي ومعبوده في شكلها العام هي
علاقة مباشرة دون وسيط ( نبي أو رسول). وبما أنه ليس للأيزيدية نبي محدد، فمن
الصعب تاريخياً تحديد الزمان والمكان الفعلي لظهور هذه الديانة. أما إذا
أخذناها بمنظور الميثولوجيا الأيزيدية وعلاقتهم بالله وطاؤوس ملك، فحينها
أيضاً نتخطى حدود المكان والزمان السرمدي.
2- ممارسة طقوسها الدينية بعيداً عن أنظار الغرباء، وعدم
تسجيل نصوصها الدينية وطقوسها وأصولها وعدم إطلاع الغالبية العظمى من الكتاب
والناس الأجانب على ماهية هذا الدين.
3- قلة التحريات والتنقيبات الأثرية في مناطق كردستان بشكل
عام ومناطق سكنى الأيزيدية بشكل خاص لمعرفة بعض جوانب تاريخهم المغيب.
وبسبب النقاط الواردة أعلاه، والتشويش الكبير الذي تم ممارسته
ضد الديانة الأيزيدية، فانه من الصعب الاصرار على رأي واحد بذاته وموقف محدد
حول أصل هذه الديانة وكيفية ظهورها، ألا أن كل ذلك لن يمنعنا من تسجيل موقفنا
من إشكالتين رئيسيتين يقع فيهما الكتاب المتعصبون قومياً ودينياً :
1- إشكالية الانتماء القومي: فالأيزيديون جزء من الشعب
الكردي؛ لغة وتاريخاً وفكراً وجغرافية وأدباً...الخ
2- إشكالية التسمية والانتماء الديني: فأن اسم الأيزيدية-
وحسب دلائل وقرائن كثيرة- ليس منسوباً الى ( يزيد بن معاوية) أو ( يزيد بن
أنيسة الخارجي)- مع إحترامنا العميق لكل إنسان صالح وصاحب مبدأ يخدم تطور
الفكر والمجتمع- فلم نعثر في كتب التاريخ والتراث الاسلامية وغير الاسلامية
على دليل تاريخي يؤكد على أن ( يزيد بن معاوية) أسس ديانة جديدة خلال سنوات
حكمه الثلاثة عاما والنصف ( 680- 683م).
وإذا كان الأيزيديون يذكرون بعض الأحيان إسم ( يزيد- أيزيد)
في نصوصهم الدينية وأحاديثهم الشفهية، فانه إضافة الى كونه يأتي بمعنى الله،
فان الأسباب الأخرى تعود باعتقادي الى:
أ- بعد توسع دائرة الفتوحات الاسلامية شرقاً وشمالاً، لاقت
الشعوب والأديان الواسعة النفوذ بشكل عام ( كالمسيحية والزرادشتية) والأقليات
الدينية والقومية بشكل خاص أنواعاً من الاضطهاد والتنكيل لترك معتقداتهم
والقبول بالاسلام ديناً. وإذا كان الكثيرون قد قبلوا بذلك، ألا أن مجموعات
دينية أخرى رفضت ذلك.وخلال خلافة الدولة الأموية وبخاصة زمن حكم ( يزيد بن
معاوية) أفسحت في المجال لتلك المجموعات الدينية أن تبقى على معتقداتها شرط
أن تحتمي تحت لواء قبيلة عربية قوية أو تحت إسم قائد عربي أو إسلامي قوي،
وظهرت حينها ظاهرة( الموالي)؛ أي أولئك الناس غير العرب وغير المسلمين الذين
يحافظون على قومياتهم ومعتقداتهم بتبني إسم قبيلة عربية أو إسم قائد عربي
مسلم.
ولا يستبعد
هنا تقبل الأيزيديين لإسم ( يزيد بن معاوية ) وأسماء أخرى عربية لإتقاء شرّ
المد العربي- الإسلامي، أو رغبة منهم في الانتساب الى شخصية شريفة وممتازة.!
2- بما أن الأيزيديون يؤمنون بوحدة الوجود والحلول وتناسخ
الأرواح، فأنهم ربما إعتقدوا بأن جزءاً من القوة الالهية إنتقلت الى ( يزيد)
، لأنه وحسب رأي العديد من الكتّاب المسلمين والمصادر الاسلامية لم يتبع
ديانة محمد. واعتقدت تلك المجموعات الدينية التي لاقت الاضطهاد والتنكيل على
أيدي قواد الفتح الاسلامي الأوائل، بأن ( يزيد) هو منقذهم.
الى جانب هذه النظرية، هنالك نظريات أخرى بشأن أصل وتسمية
الأيزيدية؛إحداها التي تقول بأن الأيزيدية ديانة مستقلة وأن موطنها الأصلي
يبدأ بمدينة " يزد" القريبة من خراسان شرق إيران،. وحسب هذه النظرية فان
الأيزيديون كانوا في الأصل زردشتيون. وهناك من يرجعهم الى العقيدة المانوية.
ألا أن هذه النظرية لا تقف على أرضية قوية.
النظرية الثالثة التي تقول بعراقة الدين الأيزيدي ووجود قرائن
وعلاقات متعددة الجوانب بينه وبين ديانات وادي الرافدين القديمة كالسومرية
والبابلية والآشورية، ويحصرون جوانب الصلة والتطابق أحياناً في النقاط
التالية:
1- طقوس الاحتفالات والأعياد وخاصة عيد رأس السنة الذي يصادف
أول أربعاء من شهر نيسان الشرقي( سه رصال= جارشه مبوا صور= أكيتو).
2- تحريم الزواج والكثير من الفعاليات الاجتماعية واليومية
خلال شهر نيسان بشكل عام ويوم الأربعاء بشكل خاص.
3- التقارب الكبير بين دور الإله( آنو) السومري و( نابو)
البابلي و( طاؤوس ملك) الأيزيدي في الأفكار الفلسفية والفلكية وحيث يعتبر
الكوكب ( عطارد) رمزهم جميعاً.
4- التراتبية الدينية والالتزام بمبدأ الوراثة في المراكز
الدينية هي مماثلة بين الأيزيديين وأديان وادي الرافدين القديمة، هذا إضافة
الى وجود مراسيم وطقوس وأسماء ومفردات مشتركة بين تلك المعتقدات والأيزيدية.
ألا أن النظرية الثالثة نفسها، رغم ملائمتها وتطابقها بعض
الأحيان مع الموروث الديني الأيزيدي، ألا أنها تبقى غير متكاملة دون الالمام
بجميع جوانب التراث الديني الأيزيدي وفك رموز العشرات بل المئات من الألغاز
والأسئلة التي لم تتم الاجابة عليها لحد الآن. وبدون ذلك من الصعب معرفة أصول
الديانة الأيزيدية وتاريخها وفلسفتها.كي لا أسهب في الحديث، فقد نشرت موضوعاً
باللغة الكردية بهذا الاتجاه تحت عنوان :برسياريت وندا ؛ يان جلونيا تيكه
هشتنا فه لسه فا دينى ئيزديان = ألغاز وأسئلة مخفية ؛ أو حول كيفية فهم
ودراسة فلسفة الديانة الأيزيدية" وهو منشور في العدد 10 من مجلة (روز) التابع
لمركزنا؛ مركز الأيزيدية خارج الوطن، ولمن يبغي المزيد بامكانه مراجعة ذلك
الموضوع ، أطرح فيها منهجية جديدة لدراسة التراث الأيزيدي، وان اكتمل العمل
به، لربما يشكل فرضية أو نظرية جديدة تضاف الى النظريات الأخرى.
س3: يعني هذا بأنكم ترفضون مزاعم بعض
المؤرخين والكتاب، وخاصة المسلمين من أن الأيزيدية هي ملّة أو طائفة منحرفة
عن الدين الاسلامي؟
د.خليل: ان نعت أو تسمية الأيزيدية ب(الملّة) أو (الطائفة)
أساساً خطأ كبير، رغم أن الأيزيديون أنفسهم يستخدمونها أحياناً دون أن يعوا
معناها وخلفيتها؛ حيث أن "الملّة والطائفة " مصطلحان دينيان إسلاميان، ألصقها
الكتاب المسلمون عمداً بالأيزيدية على إعتبارهم فرقة إسلامية منشقة وضالة.
لذا فان إطلاق مصطلح " الأقلية الدينية" على الأيزيدية يأخذ مكانه الصحيح.
بامكان الباحث، أو لنقل من له إلمام ولو بسيط بمعتقدات
الأيزيدية وإطلاع على طقوسهم وأدبهم الديني، أن يفند مزاعم أولئك الذين
يقولون باسلامية أو مسيحية الأيزيديين، أو كونهم من بقايا المانوية أو
الزرادشتية. أنا لا أنكر وجود قرائن وعادات متشابهة بين الأيزيديين وتلك
الأديان، كما توجد عبادات متشابة بين الديانتين الأيزيدية والمصرية القديمة،
أو بين الأولى وديانة الحوريين والحثيين، أو بينهم وبين الديانة الأغريقية
والسبئية فيما يخص تقديس الشمس مثلاً؛ حيث البيئات الجغرافية المتشابهة تخلق
عبادات وثقافات متقاربة دون أن يكون هناك إحتكاك بين المجموعات البشرية
المختلفة.
وقد بينت بشكل موجز خطل نظرية إنتساب الأيزيدية أصلاً
وتاريخاً وإسماً الى ( يزيد بن معاوية ) في معرض إجابتي على سؤالك الثاني.
س4: من هو طاؤوس ملك والشيخ آدي بالنسبة
للأيزيديين؟
د. خليل: تقول بعض المقاطع من نص ديني أيزيدي:
طاوسى منى ميرانه / طاوسي هو سيد
المؤمنين" الأولياء"
خالقى منى ب عه ردا هه تا عه زمانا / خالقي وخالق
الأرض والسماء
ئه و سلتان شيخادىيه، / إنه السلطان
الشيخ آدي الذي أثنوا عليه وهو حيّ.
ميرا ب ساغى زى ددا به يانه.
*****
طاوسى من، سه ردارى جه ندى ملياكه ته / طاؤوسي هو رئيس
الملائكة
خالقه كى منى هه فتى و دوو ملله ته / وخالق 72 ملّة(
قومية)
هه شتى هه زار خولياقه ته / وثمانين ألفاً من
المخلوقات.
*****
به رى عه رد، به رى عه زمانا / قبل خلق الأرض وقبل
خلق السماوات
خودى هه بوو نوورى نوورانه / كان الإله نور
الأنوار أزلياً
ز قودره تى كه ون كر به يانه / خلق الكون
بقدرته
عه ردو عه رش و ئيمانه / وخلق العرش
والايمان
ناف ل خو كرى طاوسى ميرانه. / وسمى نفسه طاؤوس
الصالحين المؤمنين.
*****
وفي نص آخر يقول:
به دشايى هه زار و يه ك ناف ل خو دانايه / سمى الإله نفسه
بألف اسم وإسم
نافى مه زن هه ر خودايه. / والأكثر
تعظيماً وإجلالاً هو الله.
*****
نعم، أن " طاؤوس ملك" حسب الفكر الديني الأيزيدي هو إسم من
أسماء الله تعالى التي تعد بألف اسم واسم. وبما أن الأيزيدية تؤمن بالحلول
ووحدة الوجود وتناسخ الأرواح، فان جزءاً من تلك القوة الإلهية " السّر" إنتقل
الى الشيخ آدي كما ينعكس في المقطع الأول من النص أعلاه.
وإذا كان طاؤوس ملك معبود الأيزيدية ورمزهم الذي يتميزون به
عن باقي المعتقدات، فان الشيخ آدي هو مجدد الديانة الأيزيدية في القرن الثاني
عشر.
ومن يريد معرفة المزيد من المعلومات، بامكانه مراجعة كتابي: "
نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية" طبعة السويد 1997. كما أعدت مؤخراً دراسة
أخرى تحت عنوان " حول موضوعة طاؤوس ملك" ستلقى وتناقش في سمينار خاص خلال شهر
آب من العام الجاري.
س5: بالنسبة للشيخ آدي، في الحقيقة ثمة لغز
أو أمر يحير الكثير منا، وهي أن مصادر عدة وخاصة الاسلامية تقول: أن الشيخ
آدي كان أحد تلامذة الشيخ عبدالقادر الكيلاني، وفي ذات الوقت يحتل الشيخ آدي
مركزاً ومكاناً مرموقاً عند الديانة الأيزيدية. هل لكم أن تحلوا لنا هذا
اللغز؟
د. خليل: للحكم على أية ظاهرة وخاصة الانسانية منها، من
المفترض أن تتم دراستها من عدة أوجه؛ تاريخية، إجتماعية، فلسفية، ميثولوجية،
إقتصادية،...الخ وكذلك أخذ وقائعها على الأرض بنظر الاعتبار.
ونحن كشعب كردي، فان تراثنا بمعناه الواسع، وحتى هويتنا
القومية أصبحت مثار شك، بل وضاعت في لجّة هيجان الصراعات بين الامبراطوريات
القديمة والحديثة في منطقة الشرق والغرب؛ كالامبراطورية الآشورية، البابلية،
الفارسية، الأغريقية، العثمانية وأخيراً الامبراطورية العربية-الاسلامية، وأن
التاريخ يكتبه المنتصرون لا المغلوبين! ..فأصبح تاريخ ولغة وتراث الكوتيين
والعيلاميين والكاشيين، الميتانيين والحثيين والسوباريين...الخ جزءاً من
تاريخ وميراث البارسيين أو " الشعوب الايرانية" وضاعت معتقداتنا بين آشور
والأغريقيين، وما تيبقى من اللغة والتاريخ والمعتقد والرموز، فقد ضاعت هي
الأخرى تحت هيبة " الإله الأوحد" بعد نشر الدعوة الاسلامية؛ تلك الدعوة التي
استغلت ذلك الاسم لدعم مشروع دولة، بل إمبراطورية مركزية ل " خير أمة" أخرجت
للناس!
أعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية لبروز الحركة الصوفية في العهد
الاسلامي، خاصة في عهد الدولة العباسية، كان في جوهرها رد فعل على الأوضاع
الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وتغيير مناطق نفوذ الشعوب وإختلال في
الميزان الفكري والاعتقادي لشعوب المنطقة بعد الفتوحات الاسلامية. ومن بين
إحدى الدلائل التي يمكن للمرء أن يبني عليها إعتقاده هو إنتماء أسماء كبار
المتصوفة ورموزهم الى قوميات غير عربية كالفرس والكورد مثلا، ومن تلك
الأسماء: " الشيخ جنيد البغدادي، الشيخ منصور الحلاج، الشيخ عبدالقادر
الكيلاني، الشيخ عدي بن مسافر، الشيخ إبراهيم بن أدهم الخراساني، الشيخ شمس
الدين التبريزي، إبن العطار، الشيخ بايزيد الباسطامي، الشيخ جلال الدين
الرومي،...الخ" وعندما يلتقي هؤلاء الكبار حول مفهوم " الحلول ووحدة الوجود
والتناسخ" وينادي الحلاج : " الله تحت جبتي" و " أنا الحق" ، فأنه حنين الى
براءة المعتقدات القديمة عندما كان الانسان ومعبوده يعيشان قريبين من البعض،
وأنه في جانبه الأخر رفض لمفهوم رسول أو نبي يتوسط بينهم وبين خالقهم.!
فالدين في أساسه رياضة نفسية بين الانسان ومعبوده. ولهذا السبب لا وجود لرسول
أو نبي للأيزيديين، بل يظهر بينهم مصلحين ومجددي الديانة، والشيخ آدي واحد
منهم.
لو كان الشيخ آدي - كما يدعي بعض الكتاب- داعية لنشر الدين
الاسلامي، فلماذا الأيزيديون الحاليون ليسوا إسلاماً، بل يدينون بدين آخر
يختلف تماماً عن الدين الاسلامي، علماً أنهم يبجلون الشيخ آدي وله عندهم
مكانة عظيمة.
ثانياً: أدعو أولئك الأخوة أن يتمعنوا بشكل جلي في الأدب
الديني الأيزيدي فيما إذا تلمسوا أو شاهدوا فيه أن الشيخ آدي كان يدعوا لنشر
الدعوة الاسلامية بين الأيزيديين؟...بالعكس، كان هو أحفاده يدعون كرد المنطقة
وغيرهم أن يتمردوا على الدين الاسلامي ويمنعهم عن زيارة مكّة والحج اليها.
لنتمحن في هذين المقطعين من نص ديني يجري بشكل حوار بين الشيخ حسن بن الشيخ
عدي الثاني وبدرالدين لؤلؤ صاحب الموصل:
به دره دين وه دبيزيه / يقول بدرالدين
هكذا
ههى شيخ هه سنو بن ئادىيه / أيها الشيخ حسن
إبن آدي
ته لالشه ك ئافا كريه / لقد بنيت
لالشاً
ته رييا حه جيا برىيه. / وقطعت طريق
الحجاج عن مكّة.
*****
شيخ هه سن وه دبيزىي: /هكذا يرد عليه
الشيخ حسن
ئه ى به دره دينو! ب عزه تى خودى كه م، ئيلاهىيه / ايه
بدرالدين! أقسم بالله العظيم
حه جا مه زمزمه و مغاره و كافه و كانيا سبىيه / حجنا هو
: زمزم والمغارة والكهف والعين البيضاء
به دشا ب خو شيخادىيه. / والشيخ
آدي هو السلطان بذاته.
*****
س 6: من الأيزيديين من يقول: بأن الأيزيدية
هي إمتداد للزرادشتية، وأن زرادشت هو نبي الأيزيديين، وأنتم من الذين يقولون
بأنه ليست هناك من علاقة بين الأيزيدية والزرادشتية. ماهي الحقيقة، وماهي
دلائلكم في هذا الشأن؟
د. خليل : إذا كان بعض الكتاب الكرد المسلمين أمثال الأساتذة
( توفيق وهبي، أنور المائي، شاكر فتاح) رحمهم الله، يربطون الأيزيدية
بالزرادشتية، فكان ذلك من موقف قومي ووطني مخلص وشريف قبل أن يكون مبنياً على
حقائق علمية. أما بالنسبة لبعض الأيزيديين الذين يدعون وبشكل أعمى بأن
الأيزيدية هي إمتداد للزرادشتية، فهو موقف سياسي صرف لا يستند بتاتاً على
أرضية تاريخية أو فكرية أو دينية، بل أنه ترديد لرغبات شخصية وإسهام من أصحاب
القائلين بها- دون أن يدروا- في تحطيم كيان العقيدة الأيزيدية فيما لو نجح
مشروعهم. وقد وضحت عن فكرتي حول هذه المسألة في مقابلة معي نشرت في مجلة "
هافيبون " العدد الأول والتي تصدر من قبل مجموعة من الكتاب وبدعم من جامعة
برلين الحرّة ولمن يريد المزيد يمكن مراجعة تلك المقابلة.
منذ إقامتي على أرض ألمانيا عام 1992، تصديت لأصحاب هذا الطرح
وحاججتهم في أكثر من مناسبة ومكان. وكانت خطورة طروحاتهم تكمن في هجومهم على
رموز الدين الأيزيدي ك ( طاؤوس ملك، الشيخ آدي، الشيخ حسن، الشيخ شمس،...)
والتقليل من خصوصيات الديانة كالنظام الطبقي التراتبي والتبشير بالزواج
المفتوح...الخ.
فأنت حينما تريد تفكيك عقيدة ما، فأبدأ بالهجوم على رموزها
وخصوصياتها تمهيداً لإبراز " رمز " آخر يحل محلهم وتحت عناوين آيديواوجية
وقومية وفكرية براقة!.
أنا لا أقول لا توجد علاقات- أو لنقل أشياء مشتركة- بين
الديانتين الأيزيدية والزرادشتية، كما توجد مشتركات بين الايزيدية وغيرها من
الأديان، كما جرى الاشارة اليها في مكان آخر، بل اني لا أتفق مع الرأي القائل
بأن الأيزيدية إمتداد للديانة الزرادشتية، وأن زرادشت هو نبي
الأيزيديين.ان وجود أشياء مشتركة بين ديانتين لايعني التماثل والامتداد، وأن
ما يجمع بين الأيزيدية من جهة واليهودية والمسيحية والاسلام من جهة أخرى هي
أكثر بكثير ما يجمع الأيزيدية مع الزرادشتية.
وإذا كانت الفرصة لا تسنح لنا مناقشة أوجه التشابه والخلاف
بشكل مفصل إستنادا الى مصادر علمية، فانني ألجأ هنا فقط الى المنطق وأشير الى
بعض نقاط الخلاف العقّدية والجوهرية بين الأيزيدية والزردشتية وأترك الحكم
للقارئ الكريم إذا كانت الأيزيدية إمتداداً للزرادشتية:
1- لا تلتقي الأيزيدية مع الديانتين ( الزرادشتية والمانوية)
في العقيدة الثنوية، فلا وجود لإله للخير وآخر للشّر عند الأيزيدية؛ بل أن
قوة الخير والشّر تجتمع في الإله ذو الثنائية في الواحد. ويأتي في أحد
أدعيتهم: ( يا ره بى خيرا بده، شه را وه ركه رين = بمعنى: يا رب! امنح الخير،
وامنع الشّر). وهنا في هذا الجانب تلتقي فكرة الأيزيدية مع المذهب الجبري أو
القدري في الاسلام؛ كون مفهوم الخير والشّر من عند الله، وأن الانسان مسيّر
لا مخيّر.
2- دفن الموتى: يعتبر القبر عند الأيزيدية البيت الحقيقي
والأبدي للجسد أو الروح، بينما يضع الزردشتيون الجثث على مرتفع عال لتأكله
الحيوانات. وأن للروح عندهم بداية ونهاية، أما عند الأيزيديين فليس للروح
بداية أو نهاية بل أنها سرمدية، خلقها الله قبل كل شئ ووضعها في القنديل قبل
أن تنتقل الى جسم الكائن وتخرج منه بعد مماته.
3- إذا كان التدخين من المحرمات لدى الزرادشتيين، فان للتبغ
مكانة خاصة عند الأيزيديين وإله يرعاه.
4- الموقف من الحيوانات المقدسة وتقديمها كقرابين.
5-و إذا كان زرادشت نبياً للأيزيديين، لكانوا على الأقل
يذكرونه ولو مرة واحدة في صلواتهم وأدعيتهم وأقوالهم الدينية!..مع
العلم يتم ذكر أسماء أنبياء وأولياء آخرين مثل: موسى، عيسى، نوح، إبراهيم
الخليل، ..الخ.
6- وإذا كانت الأيزيدية إمتداداّ للزرادشتية، فلماذا لم يعرف
الأيزيديون كتباّ باسم " زند آفيستا" أو " كاتها"، ولماذا لم يحفظوها في
بيوتهم، ولماذا يجهدوا أنفسهم في البحث عن كتابي " الجلوة" و" مصحف رش"
المفقودتان؟!
وأخيراً: هل الزرادشتية ديانة خاصة بالكورد حتى تكون مقياساً
للتعصب وكل من لم يبدي ولاء الانتماء اليها يشك في إنتمائه القومي؟.. ألم
يوجد بين الشعب الكردي قديماً وحديثاً الكثير من الأديان، كاليهودية،
المسيحية، الاسلام، الكاكائية، الأيزيدية، دين عبادة ظواهر الطبيعة
والزرادشتية...الخ.
س7 : لنسلم برأيك ونقول لا رابطة بين
الأيزيدية والزرادشتية، فكما تعلم يا دكتور أن لكل ديانة رسول بشر بها، فما
هو إذاً اسم رسول الديانة الأيزيدية؟
د.خليل:أعتقد أن السؤال يحتاج الى تعديل بسيط أو الى
إعادة صياغة على الشطر الأول وتوضيح للشطرالثاني؛ فبدل " لا رابطة " بين
الأيزيدية والزرادشتية، نقول: أن الأيزيدية ليست إمتداداً للزرادشتية. كما
جاء في معرض إجابتي على السؤال السادس.
أن تعميم ( لكل ) ديانة رسول بشر بها، ليس دقيقاً. فهناك
أديان لا رسول لها ولا نبي. فالمسيحيون مثلاً لم يقولوا بنوة ( عيسى) بل
يقولون أنه " ابن الله". ولم يكن ( بوذا) رسولا، بل مفكراً ومؤسساً للديانة
البوذية، وكذلك الحال مع زرادشت وآخرين.إن ديانات الطبيعة والخصب الأولى؛
ديانات " براءة الفكر البشري" إن صح التعبير، لم تكن تعرف نبياً أو رسولاً
يتوسط بينهم وبين معبودهم. فعلاقة البشر في الديانات القديمة، كانت علاقة
مباشرة بين الانسان ومعبوده. وأن المجموعات البشرية الرعوية ( البدو) الذين
يتنقلون بقطعانهم في الصحراء الشاسعة لن يكونوا محتاجين الى نبي ولا حتى الى
إله ثابت، بل كانت علاقتهم روحية ووثيقة مع " القمر " و " النجوم" التي تحدد
لهم الجهات وحركة الزمان والمكان، بحيث جعلوا من القمر إلاهاً سموه ( سن).
وكذلك الحال مع المجموعات التي كانت تمتهن مهنة الزراعية، فكان " الشمس" و "
المطر" من أقرب المواد المحسوسة الى حياتهم اليومية، فجعلوا لكليهما إلهين "
إله الشمس "و " حدد" وانتشر عبادة وتقديس الشمس في قارة آسيا، اوربا، أ
أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وكان إله الشمس أكبر آله الفراعنة ( رع- آتون)
وفي الدولة السبئية وعند السومريين والبابليين والآشوريين وفي دولة الحضر،
وكذلك عند الحثيين والحوريين وعند الأغريق وعند الديانة الميثرائية...الخ.
فالعقيدة الأيزيدية هي من بين تلك المعتقدات القديمة" ديانات
الظواهر الطبيعية" التي لم تحتاج الى رسول أو نبي يدلهم الى معبودهم الذي
يحسون ويحتكون به بعقلهم يومياً. بالمناسبة نلاحظ لحد اليوم علو مكانة الشمس
والقمر عند الأيزيدية إضافة الى ظواهر طبيعية أخرى.
س 8 : أفهم من كلامكم أن الديانة الأيزيدية
هي ديانة خاصة بالكرد دون غيرهم؟
د. خليل : الدين عندما يرفض التبشير ولا يقبل في صفوفه غير
الذين يولدون من أب وأم أيزيديين، بطبيعة الحال يكون ديناً مغلقاً بمجموعة
بشرية اثنية- قومية خاصة. فالأيزيديون تاريخياً وجغرافياً ولغة
وأنثروبولوجيا، يعتبرون جزء من الشعب الكردي. صحيح يوجد هنالك قريتان
أيزيديتان وهما بعشيقة وبحزاني يتكلمون لهجة خاصة هو مزيج من العربي والكردي،
ألا أن العشائر التي ينتمون اليها( كالهكارية والدوملية والهراقية
والختارية...) هي عشائر كردية.
س9 : وما رأيك بالذين يدعون بأن الأيزيديين لا علاقة لهم بالكرد؛ فالأيزيديين
وعلى حد زعم هذا البعض شعب قائم بذاته، وعلى سبيل المثال في العام الماضي ظهر
( الشيخ) أنور معاوية على شاشة القناة التلفزيونية ( أسيريا
ت. ف)الآثورية، وقال بصريح العبارة : نحن الأيزيديين لا علاقة لنا بالكرد
رغم أنهم يدعون ( أي الكرد) بأننا منهم. وكرر نفس العبارات في لقائه مع جريدة
" الزمان " بعدها بعدة أيام. ولقد صرح الشيخ درويش حسو في أكثر من مناسبة بأن
الأيزيديين ليسوا أكراد في الأصل، ولا أنسى أيضاً بأن هناك من يتهمكم، أو
لنقل يتهم البعض منكم ( أقصد مركز الأيزيدية خارج الوطن )، بأن هناك تيار في
هذا المركز يريد الايقاع والفصل بين الأيزيدية كدين قديم للكرد والكردايتي
كقومية، وظهر هذا الأمر جلياً في مؤتمركم الذي عقدتموه أواخر العام الماضي في
مدينة " هانوفر" الألمانية، وحدث أن انسحب وفد مركز لالش القادم من دهوك،
جنوب كردستان إحتجاجاً على منعكم لكلمتهم. أيضاً ظهرت أكثر من مرة في الأعداد
الأولى من مجلتكم " روز " تعبير ( الشعب الأيزيدي). سؤالي هو الآتي : إذا
كنتم توافقون على تسمية الأيزيديين ب" الشعب الأيزيدي"، إذاً ماهو دين هذا
الشعب؟ وأين وطن هذا الشعب المستقل كما يزعم البعض؟؟ وماهي لغته؟ وإذا لا
توافقون على ذلك فكيف ترد على هؤلاء أو على هذا التيار الخاطئ؟
د. خليل :سؤالكم فيه خلط كبير بين الصالح والطالح، بين
المشبوه والنظيف، بين القومي والوطني المزيف والمتستر تحت الغطاء القومي وبين
الوطني الغير متملق والذي ينظر لمجتمعه بعين ناقدة،بين من تطوعوا لخدمة
الأنظمة المعادية للشعب الكردي وبين أناس خدموا باخلاص من أجل شعبهم ووطنهم،
كما أن الشطر الثاني من سؤالكم مبني على المواقف الخاطئة للغيرأساسا من
مركزنا ومؤتمرنا العالمي، وهنا باعتقادي تكمن خطورة التعصب القومي والنظرة
الضيقة وتضيع عندها الموضوعية والاحتكام الى العقل في مناقشة الكثير من
القضايا، مع ذلك سأحاول وبشكل مكثف أن أجاوب على سؤالكم.
أريد هنا أن أوضح لكم وللقراء الكرام موقفاً بسيطاً هو أنه
لست متعصباً قومياً ولا دينياً، ولا أحب الشوفينية في القومية والسلفية
الانغلاق في الدين.وأعتز في إنتمائي الى كليهما كهوية تاريخية إنسانية وأحب
كليهيما بقدر ما يساهمان بشكل إيجابي في إغناء الحضارة العالمية الانسانية
وفي إحترام الفرد ومقارعة الظلم وترسيخ العدالة والمساواة والصداقة بين
الشعوب. ومقابل ذلك أرفض شوفينية وتعالي القوميات السائدة( العربية، التركية
والفارسية) على شعبي الكردي وإغتصابهم لحقوقنا القومية والانسانية. كما أرفض
الاضطهاد والارهاب الفكري السلفي من قبل الاسلام السياسي على الأقليات
الدينية في المنطقة، هذا أولاً، وثانياً : لا أستغرب فيما إذا برزت أصوات
تطلق هنا وهنالك صرخة غير مسؤولة ، فأنهم في نهاية المطاف لا يمثلون إلا
صوتهم ويعبرون عن مصالحهم الشخصية والعائلية، ويخدمون- شئنا أم أبينا- مخططات
وتوجهات أنظمة وجهات معادية لأماني الشعب الكردي.
مع انني لا أحبذ الدخول في نقاش مع هؤلاء ولا أذكر أسماء، لكن
مع ذلك لابأس أن يذكر المرء ( للتذكير فقط) أن والد أحد الذين ذكرتهم( هو
الآن في ديار الحق) كان مشاركاً في ثورة أيلول أواسط الستينات وأواخرها وكان
على صلة جيدة بالمرحوم مصطفى البارزاني، فلا أدري كيف توصل إبنه الى أصل
الأيزيدية؟...أما بالنسبة للأخ الثاني، ففي الحقيقة لم أقرأ أو أسمع له
تصريحاً بهذا الشأن، وإن صح ما نسب اليه، فانه لم يقولها عندما كان عضواً في
البرلمان الكردستاني في المنفى، بل شعر بها بعد خروجه منه!.
ولكن هناك من يقول: لماذا نركز توجيه سهامنا الى نفر نعرف
موقفه وكوامنه مسبقاً، وآخر يريد أن يجتهد، ونغض الطرف عن عشائر كردية
بغالبيتها تخدم وعبر تاريخ طويل الأنظمة التي تضطهد الشعب الكردي، أو لا نحس
بمخاطر أحزاب وحركات إسلامية كردستانية وهي تحمل بالضد من الأمن القومي
الكردي، ولا تؤمن بحق تقرير المصير لشعبهم؟..ولماذا السكوت والتستتر على ماضي
شخصيات كردية كانت أداة بيد الأنظمة القمعية والآن تتبوء مراكز حساسة وتحتمي
في ظل أحزاب كردستانية حاكمة في أقليم كردستان العراق؟
وفيما يخص الشطر الثاني من سؤالكم و" إتهام" البعض لنا، أو
لقسم من أعضاء مركزنا، كونهم يريدون الفصل بين الأيزيدية كديانة والكوردايتي
كقومية،..إتهام باطل وغير واقعي وفيه تحامل قاسي، بل وتشهير من جهة القائلين
به. ويأتي هذا الاتهام من جهات أو أشخاص عدة ولكل منهم غرضه وأهدافه. أخطر
تلك الاتهامات هو من أناس ذو تاريخ، أقل ما يقال عنه أنه غير نظيف سياسياً
وإجتماعياً، ولهم إرتباطات علنية وخفية مع الانظمة التي تحتل كردستان، وأنهم
بدعايتهم هذا أرادوا التغطية على تاريخهم غير المشرف عبر إختلاق التهم ضدنا
وضد مركزنا.
أما القسم الآخر الذي حشر أنفه في حملة الاتهام هذه، كان
محسوباً على أولئك الذين لايعرفون معنى الحوار وتقبل الرأي الآخر ولا يؤمنون
بمبدأ الديمقراطية. ويمكن أن ندخل ضمن هذه الخانة العديد من الأحزاب الكردية
التي لم تستوعب لحد الآن معنى العمل الديمقراطي الثقافي والذين يحاولون أن
يسيسوا كل شئ. ويدخل ضمن هؤلاء أيضاً بعض المسؤولين الأيزيديين الذين يخافون
على مراكزهم ويقفون ضد أي تجمع أيزيدي يساهم في رفع مستوى وعيهم. وآخرون لا
يجدون إلا في الانتهازية والتملق أرضية لتحركاتهم والتغطية على شخصيتهم
الضعيفة وفرصتهم لتبوء بعض المراكز الوهمية لدى هذا الحزب أو ذاك والحصول على
بعض الامتيازات المالية. وهناك بعض البسطاء من الناس الذين ينخدعون بالأعلام
المضاد، لكنهم سرعان ما يعرفون الحقيقة ويتراجعون...
ولو أننا عبرنا عن مواقف المركز بخصوص تلك الزوبعة الاعلامية
المضادة والتشهير الظالم ضد المؤتمر العالمي الأيزيدي الأول عام 2000 في
مدينة هانوفر الألمانية، وكشفنا عن مسببيها والجهات التي وقفت ورائها في
بياناتنا وتوضيحاتنا وفي الرسالة المفتوحة الى المكاتب السياسية للأحزاب
الكردستانية، ورسالة خاصة الى الأخ مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي
الكردستاني. ونشرنا تلك الوثائق، ماعدا الرسالة الأخيرة، في العدد التاسع من
مجلتنا ( روز).
أردنا من ذلك المؤتمر، أن تكون فعالية علمية تضامنية تعريفية
وليس ميداناً للمزايدات السياسية، ألا أن وفد مركز لالش القادم من دهوك أراده
منبراً للدعاية السياسية الحزبية، ولتعزيز المواقع وكسب الامتيازات على حساب
المصلحة العامة. لقد كان عشرات الألوف من الأيزيديين وأصدقائهم يتلهفون
وينتظرون بفارغ الصبر لسماع وقائع المؤتمر من الفضائيات الكردستانية، فإذا
بهم يسمعون ويرون قبل المؤتمر وبعده ما لم يكن يتوقعوه ويتمنوه. لقد بثت
الفضائية على لسان الوفد القادم من دهوك نفس ما كان يتمناه النظام العراقي،
أو لربما المخطط له، حيث كان هنا في ألمانيا أثناء المؤتمر معتمد النظام
المعروف بمعاداته للمركز وللمؤتمر، والذي التقى مع وفد مركز لالش يوم
27/1/2000 عند الساعة الثالثة عصراً تقريبا. وما قيل أنه مؤتمر " تعريب" هو
ما يلتقي مع نهج النظام العراقي وممارساته بتعريب مناطق الأيزيدية في سنجار
والشيخان وقسم من مناطق دهوك.
أما بخصوص الشطر الأخير من سؤالكم حول إستخدام مصطلح " الشعب
الأيزيدي" الذي يقابله " ملله تى ئيزدى " باللغة الكردية، فأن إستخدامه
لايأتي بمعنى الشعب أو القومية، وهو مصطلح إسلامي، أي " ملله ت " ويأتي بمعنى
" المذهب والشيّع " التي ظهرت في الاسلام بعد وفاة نبيهم. وبما أن غالبية
الكتاب المسلمين عدوا الأيزيدية" اليزيدية" على حد تعبيرهم فرقة إسلامية،
لإانهم أطلقوا على الأيزيدية تعبير " ملّة " أو " طائفة " ويستخدمه
الأيزيديون كخطأ شائع دون أن يدروا. وقد شرحت في أحد أعداد مجلة " روز " وفي
معرض الاجابة عن سؤال أحد القراء عن خطأ وخطورة إستخدام هذين المصطلحين.
فالأيزيدية ديانة قائمة بذاتها وليست ب " ملّة " أو " طائفة".
س 10 : إذاً، لماذا لا يحتفل مركز الأيزيدية
خارج الوطن بالعيد القومي الكردي " نوروز" ولماذا يرفض الأيزيديون من تزويج
أولادهم من الكرد المسلمين( مع وجود إستثناءات تخرق القانون) بدعوى الحفاظ
على الأيزيدياتي؟
د. خليل : ألا تتفق معي أن لكل جمعية، إتحاد، رابطة، مركز،
نقابة،...الخ إختصاص ومهمات معددة يتحرك ضمن حدودها وإلا يتحدى خطوطه. فهل
بامكان إتحاد نساء كردستان مثلاً أن يقوم بتنظيم دوراات للتوعية الزراعية؟ أو
القيام بمهام نقابة الأطباء والصيادلة؟..فمركز الأيزيدية خارج الوطن، مركز
ثقافي، إجتماعي، علمي يقوم بالبحث والتدوين والتوثيق والحفاظ على الهوية
التراثية الأيزيدية. ولا يستطيع أن يقوم بدور إتحاد أدباء الأكراد، أو نقابة
معلمي كردستان. ونعتقد أنه باختصاصه هذا يخدم أحد الجوانب المهمة من جوانب
الحياة الثقافية والأدبية الكردية. وهنا أوجه بسؤالي اليكم: لماذا لاتقوم
المنظمات الكردية الاحتفال بالأعياد والمناسبات الأيزيدية؟
أن تنظيم عيد " نوروز" هو بالدرجة الأولى من مهام المنظمات
السياسية الكردية. وإذا كان قصدكم المشاركة من قبلنا في هذا العيد، فأنه واجب
على كل كردي الاسهام فيه، وحسب معرفتي فأن أعضاء مركزنا لا يقصرون بذلك وأن
قسم منهم يقومون بدور متميز في إحيائه.
وبصدد الشطر الثاني من سؤالكم، فأعتقد أن الالحاح في طرحه
بهذا الشكل يثير مشاعر المتدينين الأيزيديين، كما أعتقد أن عدم التزاوج
لايعرقل تطور المجتمع الكردي ولا يهدد أمنه القومي. إنني أعطيت بعض الاشارات
ضمن جوابي على السؤال السادس، ولابأس أن اعطي توضيحات أكثر وأوكد بأن لكل دين
وأقلية أثنية وقومية خصوصياتها وعاداتها وطقوسها، وإلا لم تبقى كمجموعة دينية
أو أثنية خاصة. فقضية التراتبية الطبقية الدينية، والزواج المغلق، وعدم
التبشير بالدين ومعتقدات أخرى هو من بين خصوصيات الدين الأيزيدي؛ فإذا كان
الزواج فيما بين الأيزيديين أنفسهم منقسماً على خمس طبقات أو ( مجموعات)
دينية وهي: ( الآدانية، الشمسانية، القاتانية، البيرانية، والمريدية) وكل من
هؤلاء يسمح له فقط التزاوج ضمن طبقته، فكيف يطلب من الأيزيديين الزواج
المفتوح من غير الأيزيديين.تصور أخي الكريم أن الاسلام الذي يربو تعداده على
المليار نسمة يمنع شرعاً من زواج مسلمة من غير مسلم. فكيف تطلب ذلك من أقلية
دينية عدد نفوسها أقل من مليون في كل العالم!..
من المؤكد أم مثل هذه القضايا الحساسة لا تعالج بقرارات أو
تمنيات، وتكمن خطورة ذلك في ذوبان الأيزيدية في بحر الاسلام والمسيحية.
س11 : عزيزي الدكتور خليل: كما تعلم ويعلم
الكثير منا، أن أعداء الأمة الكردية يحاولون دائماً شق صف نضال الشعب الكردي
وبأساليب متباينة، وما يلبث أن يهترئ اسلوب فيبحث العدو عن اسلوب جديد. كيف
يرى الدكتور خليل جندي ذلك؟...أليس هذا أيضاً اسلوب جديد وخطير تفبركه الجهات
المعادية لشعبنا؟
د. خليل : أخي الكريم؛ سؤالكم فيه نوع من الضبابيه وغير
مفهوم، وأية جهة تقصد وعن أي اسلوب خطير تتكلم يلجأ اليه العدو لتخريب نضال
الشعب الكردي؟!ألا أنه، وبغض النظر عن عدم توقف العدو للنيل من نضال شعبنا
كما تقول، بامكاني القول، بأننا نبالغ حول مفهوم المؤامرة والدسائس التي يلجأ
العدو ضدنا، ونضع جميع إنكساراتنا ومآسينا وأخطائنا وتخلفنا على عاتق الغير،
ونبرئ ساحتنا منها. لنقبل جدلاً أن العدو دفع وأراد للأحزاب الكردستانية أن
تتقاتل فيما بينها، فلماذا لجأت تلك الأحزاب فعلاً الى الاقتتال الداخلي!
نحن جميعاً، وفي المقدمة منها، الأحزاب والمنظمات السياسية
الكردية والكردستانية بحاجة الى مراجعة نقدية شاملة وترتيب البيت الكردستاني
أولاً، وأخيراً تشخيص مواطن الخلل في عملنا والعوامل المعرقلة لتقدم المجتمع
وإطلاق الحريات والمصالحة الوطنية وتحريم الاقتتال الكردي- الكردي. وإذا
استطعنا جميعاً محاربة الجهل والتخلف وتقليم أظافر الانتهازية والتملق
والوصولية داخل الجسم الكردي، وفي حياتنا السياسية والاجتماعية، وبادرنا
ببناء البنية التحتية لمجتمعنا وقمنا بايلاء إهتمام أكبر بأمننا القومي أكثر
ما نوليه للبلدان التي تحتل كردستان، ...حينها يمكن أن نقول بأن العدو يلاقي
صعوبة في شق صفوف شعبنا.
س12: لنأتي الى العلاقة بين فصائل حركة
التحرر الوطني الكردية والأخوة الأيزيديين خارج الوطن، أرى بأنها دون المستوى
المطلوب، هل تشاطرني هذا الرأي؟
د. خليل : يفترض أن يكون مسؤولوا الأحزاب والمنظمات السياسية
الكردية أكثر تواضعاً ودبلوماسية وتحملاً وخبرة في التعامل مع الجماهير
الكردية في المهجر، تتفهم مشاكلها، وتبادر المشاركة في نشاطاتها ، وتستوعب
النسيج الفكري والمذهبي للكرد، وتقبل الرأي المخالف، ولا تحاول أن تستغل
بسطاء الأيزيدية من أجل مصالحها الحزبية الضيقة. بهذه الروحية يمكن بناء
علاقات صحيحة وسليمة.
س 13 : وماهو السبيل الى إيجاد علاقات صحيحة؟
د. خليل: العلاقات الصحيحة تبنى على جملة عوامل وأسس من
أهمها، بإعتقادي خلق
الثقة،
وأقولها لكم صراحة أن هذه الثقة مهزوزة لدى الانسان الأيزيدي ومزروعة في وعيه
اللاشعوري تجاه الذين تسببوا عبر التاريخ لبني جلدته وسبيهم وإهانتهم من
المسلمين العرب والكرد والترك والفرس. فهل تعتقد أنه من السهولة بمكان نسيان
إبادة(000 100) ماءة ألف أيزيدي وسبي مئات النساء والأطفال في حملات أمير
كردي بمفرده( الأمير محمد الرواندوزي- ميرى كوره) وأعداد أقل منها في حملات
أمراء بابان والعمادية وبوتان.أنا لا أذكر إبادات الأتراك والعرب والفرس
للأيزيديين كونهم من عنصر آخر غير كردي. فهل يتجرأ الكرد المسلمون من خلال
الأحزاب الكردية ( القومية والإسلامية) ومن خلال أئمتهم ورجال دينهم، مجرد
تقديم اعتذار بسيط للأيزيديين عما لحق بهم من غبن؟!...وهل الحركات الاسلامية
الأصولية ومعهم شريحة متدينة، مستعدة للتخلي عن كبريائهم الديني ونفي الغير
وفتح صفحة جديدة من التسامح الديني والتكافؤ والحوار بين الأديان؟
بالطبع، أبناء الأيزيدية ليس لديهم خوف من الشريحة الوطنية
المثقفة في الوقت الحالي، وهم نسبة قليلة جداً لا تتعدى 10% في كل الأحوال،
وهم يقومون بدورهم الوطني والقومي وموقفهم هو محل تقدير، لكن الحذر هو من
الشريحة السلفية المتعصبة.
نعم هذا جانب واحد من المسألة، لكنه الأكثر حساسية، فهل يمكن
مناقشته وإيجاد حل له؟!
س 14 : من خلال إطلاعي على بعض الكتب
والأدبيات الخاصة بالديانة الأيزيدية، وكذلك حضوري لبعض المآتم والمناسبات
الخاصة بالأخوة الأيزيديين، تبين لي بأن الأيزيدية لا علاقة لها " بالشيطان"
بتاتاً. الأيزيدية مثلها مثل غيرها تؤمن بالله الواحد. فلماذا تثور ثائرة
الأيزيديين عندما يلفظ شخص ما أمامهم لفظ " الشيطان"؟ ألا ترى بأنه عندما
يثور الأيزيدي وكأنه تثبت عليه هذه التهمة( تهمة عبادة الشيطان)؟
د.خليل : بعيداً عن الميثولوجيا ودون الرجوع الى تطور الفكر
الديني، دعني أقص عليك قصة من واقعنا الكردي؛ يقال: أن رجلاً كان يقود حماره
المحمل بالأثقال وعلى مسافة قليلة يتبعه رجل غريب، فعندما وصل الرجل الأول
بداية سفح مرتفع، بدأ حماره يتباطئ ولم يقوى على المشي، فكان صاحبه يضربه
ويدير وجهه شطر الرجل الغريب بحيث يفهم من تصرفه وكأنه يضرب حماره نكاية به.
وتكرر الحال أكثر من مرّة، مما حدى بالرجل الثاني أن يدخل في عراك مع صاحب
الحمار، وقال له: ما شأني بك وبحمارك، ولماذا تضربه وتسمعني كلمات وكأن لي
ضلع في الموضوع؟!...
إن الذين بدأوا بالفتوحات والتوسع وأرادوا الاستيلاء على قرى
وممتلكات الأيزيدية، كانوا يتسترون وراء مبررات فكرية- دينية لتبرير
مماراساتهم اللاإنسانية، وألصقوا تهمة عبادة إله الشّر كما يعتقدون
بالأيزيدية. وكما ذكرت في مكان آخر فأنه ليس في الديانة الأيزيدية إلاهان؛
أحدهما للخير والآخر للشّر، بل أن كلا القوتين تصدران من مصدر واحد.!
س15 : مادام الأمر كذلك، إذاً لماذا لا يوضع
المثقفون الأيزيديون هذا الأمر البالغ الحساسية لأتباع الأيزيدية؟
د. خليل : مع أن هذه التهمة تم إلصاقها زوراً وبهتاناً
بالأيزيدية من قبل أعداء الأيزيدية كما أشرت اليه في السؤال14، ألا أنه في
الفترة الأخيرة تم عقد لقائين للكتاب الأيزيديين، إحداهما في شهر
ديسمبر/2000، والآخر في شهر نيسان/ 2001 بحثوا فيهما جملة قضايا ومسائل
فكرية، وكان الموضوع المنوه أعلاه ضمن جدول العمل. وأعتقد أنه يخصص له سمينار
خاص في شهر آب من هذا العام،يلقى فيها ثلاثة مداخلات معدة بهذا الشأن ويتم
مناقشتها من قبل الحاضرين.
س16 : هناك بعض الطقوس والأمور عند الديانة
الأيزيدية لا تتماشى وروح العصر، مما تسئ أولاً وأخيراً الى الديانة
الأيزيدية وتعرقل تطورها وتقدمها. على سبيل المثال يكاد ينعدم الاجتهاد عند
الديانة الأيزيدية. أيضاً موضوع الوظائف الدينية التي تنتقل بالوراثة من
الآباء الى الأبناء، بغض النظر عن الكفاءة واستحواذ الشخص على قدر كاف من
علوم الدين، مما يؤدي في النهاية الى إستغلال هذا الشخص أو ذاك الى سلطته
الدينية والاثراء على حساب أبناء جلدته، وأخص هنا مرتبة المير والشيخ. لابل
هناك البعض ممن يستغل جهارة مركزه هذا في جمع المال. ألا ترى معي بأن الأصح
هو الاحتكام الى الكفاءة والمستوى الثقافي والعلمي والإلمام باصول الديانة
الأيزيدية هو الأصح؟
د. خليل : يجب أن نفرق بين الطقس " الطقوس" باعتباره نشاط
جماعي يدور حول معتقد ديني ويرتبط بزمان موغل في القدم، ينبغي أن يحترم. أما
إذا تقصد بعض " الممارسات" التي بحاجة الى مراجعة وإصلاح، فهذا ما أتفق معكم
من الوجه العامة، أما التفاصيل فتحتاج الى مناقشة. وأود أن أقول أن جميع
الأديان مهما كانت بريئة، فان القائمين عليها وبمرور الزمن يستغلون مشاعر
بسطاء الناس ويجيرون الدين لمصلحتهم، لا بل يستخدمونه في نهاية المطاف أداة
بيد السلطات الحاكمة ، والويل إذا إجتمع الدين والدولة معاً، فحينها يصبح
عاملاً معرقلاً لتطور المجتمع.
إنصافاً نقول أن الدين الأيزيدي مقارنة مع أديان أخرى، في
ممارسة العديد من الطقوس وأداء الفرائض والواجبات الدينية يحمل قدراً كبيراً
من المرونه ويتلائم مع البيئة بشكل إعتيادي وبدون ردة فعل كبيرة، وإصرار
للسلفية. على سبيل المثال لا الحصر، الشخص الذي لن يصوم أو يصلي يومياً ولا
يحج الى لالش، وحتى إذا رفض أن يدفع الخيرات الى شيخه أو بيره، فانه لن يحارب
من قبل المجتمع الأيزيدي ولن يطرد منه.
أما بخصوص الاجتهاد، فان إنعدامه عند أي دين، أو في أية مسألة
أخرى، فان ذلك الدين يبقى جامداً ولا يتطور. لأن الدين كأي كائن إجتماعي
بحاجة الى تجديد كي يلائم نفسه مع تطور العصر ولا يصبح معرقلاً له. أما
الوظائف الدينية والتراتبية، فيمكن النظر اليها من زاويتين؛ الأولى: كونها من
إحدى خصوصيات الدين فعلينا إحترامها حتى إذا كان البعض لايؤمن بها. الثانية:
نحن في مركز الأيزيدية خارج الوطن،ومعنا جمهرة كبيرة، ندعو الى إجراء إصلاحات
في المجتمع وإقامة مؤسسات لتمشية أمور الأيزيديين، والوقوف بوجه الاستغلال
باسم الدين، وفتح مدارس دينية ليتبوء الخريجون الكفؤن المراكز الدينية
والدنيوية، حتى أن هنالك أصوات ترتفع هنا وهنالك لإنتخاب المير بشكل ديمقراطي
وبحيث يتوفر فيه مواصفات الكفاءة. ونحن كمركز أصدرنا بيانات (2/7/1997) بهذا
الشأن وشرحنا موقفنا في إفتتاحيات مجلة ( روز) وفي مناسبات عدة، وهذا ما يجعل
مركزنا محط آمال غالبية الأيزيديين ويبنون عليه آمالاً كبيرة.
س 17 :سؤال شخصي: كانت لكم سابقاً إهتمامات
بالقضايا القومية، الى جانب الاهتمام بأمور الأيزيدية، لكنكم في الفترة
الأخيرة انصرفتم كلياً الى الجانب الديني، كما تتجنبون الحضور والمشاركة في
الأمسيات والمناسبات المتعلقة بالشأن الكردي. هل لكم أن توضحوا لنا سبب ذلك؟
د. خليل : ألا تعتقد معي بأن الشأن الأيزيدي هو أيضاً جانب
من جوانب القضية الكردية، كون يحمل تاريخاً وفكراً وتراثاً وأدباً؟...أما إذا
كنتم تتصورون إبتعادي عن القضايا السياسية بمعناها الحزببي، وإنصرافي كلياً-
كما تقولون- الى الجانب الديني، فهذا ما يحتاج الى وقفة تأمل وتوضيح.
أحبذ إستخدام مصطلح"
التراث
بدل الدين. وأنا أتعامل مع " الدين " كثراث وخزان لفكر
الانسان في مرحلة تاريخية، وكذلك أنظر اليه كمجموعة من الضوابط الأخلاقية
ورادع نفسي ضد بعض الأعمال المنكرة. أنظر اليه كجانب من هوية إنسانية، وكذلك
كميدان للبحث العلمي... ,ولا أتعامل معه(الدين) كظاهرة تدعو للتعصب والتعالي
والتفرقة بين الأجناس البشرية ككل، وبين أبناء القومية الواحدة.
ومن هذا المنظور أحسست بالواجب الملقاة على عاتقي كي أكرس
إمكانياتي مع أخوة آخرين، لبناء حالة من المناعة لدى الأيزيدية تمكنها من
الحفاظ على هويتها أمام موجة الأصولية المنفلتة في العالم بشكل عام وفي الشرق
بشكل خاص، وأن تحافظ الأيزيدية على نفسها من الذوبان في ثقافة
الغرب...إنصرفنا الى هذا الجانب كي نحاول بناء الشخصية الأيزيدية وتخليصها من
عقدة الشعور بالنقص والإستسلام للغير، ولكي تبني علاقاتها بشكل متكافئ مع من
تتعامل معها. إن العمل في هذا المجال يستنزف من جهودي ووقتي الكثير، ويقلل
بالطبع حركتي في المجالات الأخرى وقلة حضوري في العديد من المناسبات القومية
وغير القومية.
وأعتقد أن المناخ السياسي الكردي العام ، وعلاقات الأحزاب
والجهات السياسية الكردستانية فيما بينها؛ سواء من عبادة الشخصية وعدم تقبل
الرأي المخالف، أو الاقتتال الكردي- الكردي، أو تفشي الظواهر السلبية في كيان
الأحزاب الكردستانية من وصولية ومحسوبية والاعتماد على الأغنياء و رؤساء
العشائر وأولئك المعروفين بولاءاتهم للأنظمة المعادية للشعب الكردي، والتعامل
الخاطئ من قبل معظم الأحزاب تجاه المنظمات المهنية والثقافية ومحاولات هذه
الأحزاب السيطرة عليها وجعلها واجهات لها،...الخ هذه الأسباب وعشرات غيرها
تدفع جمهرة واسعة أن تأخذ موقفاً " سلبيا " من السياسة بمعناه الضيق أي
الحزبي والنفعي. وهنا يحضرنا المثل الكردي القائل: " شوونا شيرا ، روفى لى
دكه ن كيرا. " !
س18: هل لكم من كلمة أخيرة تقولونها لأبناء
شعبنا الكردي من الأيزيديين والمسلمين معاً؟
د. خليل: عندما يفتقد المرء قوة الفعل، ولا يملك مركز قرار،
فانه في أحسن الأحوال يلجأ الى التمنيات وإبداء النصح والارشادات؛ فأمنيتي
لأبناء شعبي بكافة أطيافه الدينية ولكل فرد منا أن يحاول الحد من جماح قوة
الشّر في نفسه ويعزز مكانة الخير لدية ، وليعلم بأن الدين قد ظهر لاشباع
حاجات روحية وإيمان بما هو أسمى وليس للتفرقة والأحقاد، وإذا كان الخالق
واحداً والكل يؤمن به،فلماذا التعالي والاصتفاء ونفي الآخر؟.وكما يقال:أن
العقل هو وكيل الله على الأرض. فلنفكر بعقولنا قبل أن نركض وراء مشاعرنا
وعواطفنا، وبما أن الانسان أسمى وأغلى مادة خلقه الله، فلنجعل منه محط
إهتمامنا وندافع عن حريته وكرامته ونحترم رأيه ومعتقده.
أتمنى من أبناء شعبي أن يقضوا على ظاهرة ما يسمى ب" الجحوش-
جه ته " أي حمل السلاح لصالح الأنظمة التي تحارب الشعب الكردي. أن هذه
الظاهرة لا توجد إلا بين الكرد.مهما كانت الخلافات الكردية- الكردية فأنها
ستحل، أما إذا إرتمت مجاميع كردية عبر رؤساء قبائلها أو شيوخها في أحضان
العدو فأنها تخلق شرخاً خطيراً في جسم المجتمع الكردي وتهدد أمن حركة التحرر
الوطني الكردية.
أتمنى أن يكون كل كردي حلاّجاً لحمل رسالة الدفاع عن الحق،
حيث قطع جسمه أوصالاً وما تراجع عن معتقده!
أكرر شكري العميق لكم، وللشعب الكردي تضميد جراحه والتغلب على
خلافاته الداخلية والسير قدماً لبناء كيانه المستقل.
* أجرى الحوار الأستاذ علي جعفر
* نشر هذا الحوار في مجلة ( الحوار)، العدد32 لسنة 2001
والتي تصدر في سوريا وتهتم بالشؤون الكردية. وتم إعادة نشره في مجلة(روز)؛
مجلة البحوث والدراسات في الأيزيديولوجيا وقضايا الأيزيدية، الصادرة من مركز
الأيزيدية خارج الوطن، في عددها 12&11 لسنة 2002