مدخل تأريخي:
من المعروف أن
الشعب الكوردي/ الكوردستاني هو من أكبر شعوب الشرق الأوسط (
حوالي 40 مليون) المحروم لحد اليوم من حقه في تقرير مصيره وتشكيل
دولته القومية بعد الحرب العالمية الأولى‘ عكس الشعوب الباقية
التي إنسلخت من جسم الإمبراطورية العثمانية إستناداً الى المبادئ
الأربعة عشر للرئيس الأمريكي ويدرو ويلسن. ورغم إقرار إتفاقية
سيفر عام 1920 بحق الكورد صراحة في تقرير مصيره وتشكيل دولته
القومية المستقلة ضمن موادها (62، 63، 64) ، إلاّ أن إتفاقية
لوزان عام 1923 جاءت لتنسف تلك البنود من أساسها.
لقد لعبت عوامل
عدة في نسف بنود إتفاقية سيفر بشأن حق تقرير مصير الشعب الكوردي
، وكان في مقدمة تلك العوامل ظهور شخصية ( مصطفى كمال ) العسكرية
– السياسية وتشكيله لقوة عسكرية قوامها خمسة وثلاثون ألف جندي في
سيواس لمقاومة الحلفاء واليونانيين، ورغم مبادرة بعض القادة
الكورد بتشكيل قوة كوردية للتصدي للقائد التركي الجديد، إلاّ أن
المستر (بيل) مدير المخابرات البريطانية في حلب آنذاك طلب من
الأكراد أن لا يقوموا بأية تحركات ضد مصطفى كمال والتأكيد لهم أن
الحلفاء مصممون على حل القضية الكوردية إستناداً الى التعهدات
التي قدموها. وبهذا وقع الكورد والأرمن في فخ وخطأ كبير
باعتمادهم على حسن نية الحلفاء وتطميناتهم دون أن تكون هنالك
وثيقة مكتوبة في أيديهم!.
أما العامل الثاني
، الذي كان ذكاءاً من (م. كمال) هو تقربه من البلاشفة الروس
وتوقيعه لعدة إتفاقيات معهم أولها في صيف 1919 في مؤتمر الشعوب
الشرقية في باكو، تلته توقيع إتفاقيتين أخريتين: الأولى في
اسطنبول 29/10/1919، والثانية في أرضروم 5/4/1920. وصنف لينين ،
قائد ثورة اوكتوبر 1917 مصطفى كمال وحركته من ضمن حركات التحرر
الوطني لمعاداته دول الحلفاء الاستعمارية- حسب تعبير ذلك الوقت-
لكن ما لحق بالشعب الكوردي والأرمني داخل الأراضي التركية آنذاك
من ظلم وهضم الحقوق والابادة ، فتم غض النظر عنه من قبل النظام
البلشفي وقائده لينين في روسيا. كل ذلك أدى الى تعزيز قدرة
ومكانة (م. كمال) العسكرية والسياسية ، فطرد جيوش اليونانيين
والايطاليين أولاً من بلاده وسافر بعدها الى لوزان لحضور المؤتمر
وتوقيع معاهدة جديدة بعد الانتصارات التي حققها وتحالف روسيا
البلشفية معه ودعم الولايات المتحدة له بعد التطورات التي حصلت
على الساحة السياسية.
جاء إكتشاف النفط
في منطقة كوردستان ( ولاية الموصل آنذاك) كعامل ثالث ، وربما
الحاسم لتعاطف الحلفاء مع تركيا الكمالية، حيث كانت تركيا تعتبر
ولاية الموصل جزءاً من أراضيها، ووقفت كل من الولايات المتحدة
الأمريكية وفرنسا مع الحركة الكمالية. أما بريطانيا فقد خافت من
إستخدام القوة ضد (م. كمال) المدعوم من روسيا البلشفية ومن فرنسا
والولايات المتحدة، هذا إضافة الى سعي جميع دول التحالف الحصول
على نصيب وحصة من نفط الموصل، تلك المنطقة التي حددتها بنود
إتفاقية سيفر الثلاثة ( 62-63-64) كونها من المناطق الكوردية
التي يحق لهم تشكيل دولتهم المستقلة عليها، وهذا هو نص الترجمة
العربية للمادة 64 من إتفاقية سيفر، حيث تقول:
(( إذا ما قام الشعب الكوردي في المناطق المحددة في المادة 62
خلال فترة سنة من دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ بالاتصال
ومفاتحة مجلس عصبة الأمم بطريقة تظهر أن غالبية سكان هذه المناطق
ترغب بالاستقلال عن تركيا، وإذا ما قرر المجلس أن هؤلاء الناس
قادرون على مثل هذا الاستقلال ويوصي بمنحه ، عندئذ توافق تركيا
على تنفيذ هذه التوصية والتخلي عن كل الحقوق والتسميات لهذه
المناطق.
وأن تفاصيل هذا التخلي من البنود سيكون موضع إتفاقية منفصلة بين
قوى الحلفاء الرئيسية وتركيا. وإذا ما صدر مثل هذا التخلي وتم
فعلاً ، فسوف لا يكون هناك أي اعتراض من قبل الحلفاء الرئيسية
بالالتزام بمثل هذه الدولة الكوردية المستقلة للأكراد الساكنين
في ذلك الجزء من كوردستان والتي كانت داخلة لحد الآن ضمن ولاية
الموصل.))
إذن هنالك نص دولي
صريح وواضح لا لبس فيه بإنشاء دولة كوردية مستقلة ومنفصلة عن
تركيا، كما إستقلت وإنفصلت بقية الدول العربية التي كانت خاضعة
للدولة العثمانية حوالي خمسة قرون. ويرد بشكل صريح أيضاً إسم
كوردستان كوطن الكورد. إلاّ أن الغائب " العامل الخامس" الذي
يعتبر الأهم هو العامل الذاتي، وعدم وجود قائد كوردي محنك وحركة
كوردية فعّالة كما كان الحال في شخصية ( مصطفى كمال) والحركة
الكمالية التي ارتبطت باسمه. إفتقد الكورد في مرحلة حساسة من
مراحل التاريخ ( مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى) وتقاسم
ممتلكات الرجل المريض، شخصية سياسية وطنية قادرة لمتابعة بنود
معاهدة سيفر وحملها الى أروقة لوزان .
قضى الحلفاء
ومصطفى كمال على أحلام الشعب الكوردي الذي كان ضمن الدولة
العثمانية بتأسيس دولته القومية المستقلة وألحقوا كوردستان
الجنوبي المسمى آنذاك ب ( ولاية الموصل) قسراً بالعراق العربي
المتكون من ولايتي بغداد والبصرة ، ونصبوا ملكاً من العائلة
الهاشمية على عرش مملكة عراقية مركزية.
لقد رفعت الحكومات
المتعاقبة في دساتيرها المؤقتة منذ أعوام1925، 1958، 1964، 1968،
1970 و1990 شعار العدل والمساواة والشراكة والحرية والتكافؤ
بالنسبة لمكونات العراق، إلاّ أنه بقي حبراً على ورق ،وبقي
العراق منذ ذلك الوقت الى عام 2003 يوم تحريره دولة يغلب عليه
الطابع العربي بامتياز. ورغم إقرار الحكومة العراقية ، على سبيل
المثال لا الحصر، بتاريخ 30/5/1932 بالحقوق الكوردية، ورغم أن
التزامها كان ذات طبيعة دولية حيث منعت المادة العاشرة منه
تعديله أو الغائه إلاّ بموافقة أعضاء عصبة الأمم ، ورغم التزام
الحكومة هذا بقي نافذاً تجاه الأمم المتحدة بعد تأسيسها، إلاّ
أنه بقي هو الآخر حبراً على الورق!. وعندما قام النظام الجمهوري
برئاسة عبدالكريم قاسم 1958 وإعترف في الدستور المؤقت بوجود
قوميتين رئيسيتين العربية والكوردية والشراكة بينهما، لكن ذلك
العرس لم يدم طويلاً أيضاً وقامت القوى الشوفينية داخل النظام
إعلان الحرب ضد الكورد مما إضطر القائد البارزاني الخالد أن
يدافع عن شعبه في ثورة وطنية قومية تحررية في أيلول عام 1961.
استلم البعثيون
الحكم في العراق مرتين متتاليتين، الأولى في إنقلاب الثامن من
شباط 1963 ولم يستمر حكمهم طويلاً، والمرة الثانية في إنقلاب
17/تموز/1968. تخللت تلك الفترتين حكومة الأخوين عارف صدر حينها
بيان سمي باسم " إتفاقية البزاز 29/حزيران/1966" نسبة الى رئيس
الوزاء عبدالرحمن البزاز، وكان البيان من أضعف البيانات وتراجعاً
عن موقف الحكومات السابقة حيث خلى البيان من مطلب الحكم الذاتي
وحتى اللامركزية واستأنف الحرب بين الجانبين الحكومي
والكوردستاني. بسبب من ضعف البعثيين في الحالتين ووجود الثورة
الكوردية المسلحة وعدم منح الحقوق القومية للشعب الكوردي، كان من
بين أحد الأسباب الحقيقية لسقوط الأنظمة العراقية، فقد أعلن قادة
إنقلاب شباط بعد شهر ويومين(10/3/1963) من استلامهم السلطة "
أنها تعترف بالحقوق القومية للشعب الكوردي على أساس اللامركزية"
لكن القيادة الكوردستانية بادرت هي الأخرى بعد ثمانية أيام من
صدور ذلك الموقف بعقد مؤتمر الحزب في مدينة كويسنجق للفترة من
18-22/3/1963 خرجوا بمذكرة من ثمانية عشر نقطة تطالب وتؤكد
إحداها بالحكم الذاتي لكوردستان العراق.
في المرة الثانية
ومن أجل تثبيت أقدامه في الحكم، لجأ البعثيون الى موقف تكتيكي مع
القيادة الكوردستانية بتوقيع بيان الحادي عشر من آذار/1970، وكان
في الحقيقة من الناحية السياسية مكسباً جيداً ووثيقة مهمة يعترف
به من قبل نظام عراقي ويلقي التأييد من قبل دول أقليمية وعالمية،
لكن نفس النظام بعد أن ثبت أقدامه وفكّ العزلة الأقليمية
والدولية عنه بسبب دوره الهمجي عام 1963، وحصل طفرة بانتاج النفط
وتصديره، نكص ببيان آذار في إتفاقية الجزائر المشؤومة
6/آذار/1975 وتكالبت الدول الأقليمية (ايران على وجه الخصوص)
والعظمى على الثورة الكوردية المسلحة وإستطاعت من إخمادها لبعض
الوقت.
لم تمر على
إنتكاسة الثورة الكوردية المسلحة أكثر من عام (أيار 1976) حتى
ظهرت أكثر قوة وتنوعاً ، وولدت من رحم الانتكاسة فيما بعد أحزاب
سياسية كوردستانية أخرى الى جانب الحزب الديمقراطي الكوردستاني
الأم، قامت جميعها سوية مع قوى المعارضة العراقية من خلال جبهات
بالنضال ضد النظام الديكتاتوري البعثي الى حين سقوطه في الناسع
من نيسان 2003.
خلال عقدين من
الزمن تقريباً (1976- 1991) كان شعار ( الحكم الذاتي ) أو (الحكم
الذاتي الحقيقي) هو الشعار المرفوع من قبل غالبية الأحزاب
الكوردستانية والعراقية المعارضة. إلاّ أن قيام حرب الخليج
الثانية وما تمخض عنه من طرد جيوش النظام المحتل من دولة الكويت
وقيام إنتفاضة جنوب العراق وكوردستان ربيع 1991 ضد النظام
الصدامي البعثي والمسيرة المليونية للشعب الكوردستاني الى دول
الجوار، غيّرت الموازين حيث صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم
(688) في 5/7/1991 بتشكيل المنطقة الآمنة في كوردستان وخلق وضعاً
يجبر نظام بغداد أن يسحب ما تبقى من قواته ومؤسساته من كوردستان
إعتقاداً منه أن ذلك يخلق ارباكاً للأحزاب الكوردستانية لا
يتمكنون من إدارة المنطقة ويؤلبون الشعب عليهم، لكن جميع تلك
الأحزاب المؤتلفة حينها في الجبهة الكوردستانية إستطاعت من تنظيم
نفسها وملئ الفراغ الحاصل جراء سحب مؤسسات الدولة.
بعد أقل من عام
تم تشكيل أول برلمان كوردستاني (19/5/1992) وإنبعث منه تأسيس أول
حكومة في 5/7/1992. وفي جلسته الثامنة الثلاثون بتاريخ 4/10/1992
إستناداً لأحكام الفقرة (2) من المادة /56 من القانون رقم (1)
لسنة 1991 تم إقرار بيان ( الاتحاد الفيدرالي ) المقدم من هيئة
رئاسة المجلس الوطني الكوردستاني- العراق. للتاريخ نقول أن الحزب
الشيوعي العراقي كان سباقاً من بين قوى المعارضة العراقية في
تغيير شعاره المتعلق بحق تقرير المصير للشعب الكوردي من (الحكم
الذاتي الحقيقي) الى شعار (الفيدرالية) والاتحاد الاختياري بين
الشعبين العربي والكوردي. أما بقية القوى المعارضة العراقية
القومية والدينية فقد أقرت شعار الفيدرالية على مضض لأول مرة عام
1999 وتأكيدها في مؤتمر لندن 2002 لإعتبارات عديدة ، جلها
تكتيكية أكثر من كونها استراتيجة ونابعة عن قناعة.
شعار الفيدرالية
من أجندة أحزاب معارضة الى أجندة أحزاب حاكمة:
يقرأ رفع هذا
الشعار وإقراره ضمن المادة (58) عهد إدرة الدولة المؤقت من
جانبين، الأول الجانب الكوردستاني باعتباره نتاج نضال عقود من
السنين ودماء آلاف الشهداء ، وعصارة تحمل شعب أنواع الاضطهاد
والحرمان ومحو ثقافته القومية وسجنه وتدمير قراه وانفلته وإبادته
بشكل منظم " الجينوسايد" واستخدام الغازات السامة ضده...الخ. أما
الطرف الثاني العربي بشقيه (السنّي والشيعي) فقد قبل بالشعار
الفيدرالي قبل سقوط النظام على مضض، كما تمت الاشارة اليه،
لإعتبارات تكتيكية وإعتقاداً منهم أنه ليس من السهولة إسقاط
النظام وبالسرعة التي لم يتوقعها الجميع. أما قبولهم به ( شعار
الفيدرالية ) بعد سقوط النظام وهم في سدة الحكم فأن له بإعتقادي
عدة أسباب، من ضمنها: قوة وتماسك وإصرار الطرف الكوردستاني
ومشاركته الفعلية مع قوات التحالف لإسقاط النظام وتحرير العراق
من براثنه، وإثبات الشعب الكوردستاني وقيادته منذ (1991-2003)
قدرته وأهليته على قيادة نفسه وتطوير مناطقته وحماية أمنه. ومن
العوامل المساعدة المهمة التي ساعدت الشعب الكوردستاني لتثبيت
المادة (58) كانت في فترة تتسم بإنهيار جميع مؤسسات الدولة
والجيش وقوات الأمن وإنتشار الفوضى والفلتان الأمني وظهورعصابات
المافيا في كل مكان، مما فرض على الأطراف السياسية العربية
(الشيعية والسنية) ، وربما بول بريمر المسؤول الأمريكي آنذاك،
إدخال المادة (58) المتعلق بفيدرالية المناطق الكوردستانية
المتنازع عليها في قانون إدارة الدولة المؤقت، وإلا كانت كل
العملية السياسية تفشل وتعم الفوضى العراق أكثر. إنتقلت هذه
المادة فيما بعد الى الدستور العراقي الدئم تحت المادة (140) ،
ذلك الدستور الذي صوت عليه 80% من العراقيين.
لقد تم وضع آلية
لتطبيق تلك المادة بحيث تمر عبر ثلاث مراحل:
الأولى/ التطبيع؛
الثانية/ الإحصاء؛ الثالثة/ الإستفتاء.
تعتبر تثبيت هذه
المادة في الدستور العراقي الدائم وإقراره من قبل 80% خطوة
متقدمة عن (الحكم الذاتي) ومكسب سياسي ودستوري كبير للشعب
الكوردستاني، لكنه في عين الوقت أقل من وعد إتفاقية سيفر (
الدولة الكوردية المستقلة)
موقف الحكومة
المركزية من تطبيق المادة 140:
ورغم تشكيل أكثر
من ثلاثة لجان من قبل الحكومة المركزية الاتحادية لمتابعة وتطبيق
المادة 140 (58 سابقاً)، إلاّ أن تلك اللجان لم تقم بخطوات عملية
، ولم تطبق شيئاً على أرض الواقع ، ولم تقدم لها الحكومة الدعم
المالي. الغالبية العظمى من أصحاب القرار من العرب بشقيه السنّي
والشيعي في الحكومة الاتحادية – ماعدا اليسار وبعض الشخصيات
العربية غير العنصرية- كانوا في الواقع العملي معارضين لتطبيق
المادة ويضعون العراقيل في طريقها، ويقومون بالمناورة تحت حجج
واهية.
لم يقدم رئيس
الوزراء العراقي د. أياد علاوي في الحكومة الأولى، ولا رئيس
الوزراء اللاحق د. إبراهيم الجعفري من قائمة الإئتلاف على تحقيق
شئ يذكر على طريق البدء بتطبيق هذه المادة. لا بل كشف الجعفري
القناع عن وجهه كونه من أعداء الفيدرالية وتطبيق المادة 140 حتى
أنه أثناء قسمه الوزاري أمام البرلمان أسقط لفظة ( العراق
الفيدرالي) عمداً، إنتبه الجانب الكوردي الى اللعبة الخبيثة
واعترض على صيغة قسمه مما إضطر الجعفري فيما بعد أن يعيد القسم
خوف من أن يسحب التحالف الكوردستاني الثقة منه ومن الحكومة التي
سوف يشكلها. وجاءت تصريحاته ولقاءاته وزيارته الى تركيا أواخر
فترة حكمه لتؤكد على عمق معاداته للفيدرالية الكوردستانية وتطبيق
المادة المتعلق بها تحت حجج واهية.
أطراف ذات العلاقة
مع الفيدرالية / ضد أو مع
:
كل ما قيل في
الصفحات السابقة حول صيغة حق تقرير المصير للشعب الكوردستاني
بدءاً من بنود إتفاقية سيفر 1920 ( الدولة الكوردية المستقلة)
الى الدستور العراقي الدائم في مادتها 140 (الفيدرالية) ، شعار
يدخل ضمن الباب النظري ولم يتحقق منه شئ يدعو الى الارتياح
المنشود بالنسبة للمناطق المتنازع عليها بدءاً من مندلي وبدرة
وجصان مروراً بخانقين وكركوك الى أن تصل الى مخمور وسهل نينوى
وتنتهي بمنطقة زمار وشنكال،وبدون إسترجاع تلك المناطق دستورياً
ورسمياً الى أحضان الوطن الأم تبقى مفهوم الفيدرالية ناقصاً ولا
يعادل تضحيات الشعب الكوردستاني ، لذا جاء عنوان المقال يحمل إسم
( الأمل). أما ( الواقع) ، واقع تطبيق الفيدرالية، فأنه شئ مختلف
تماماً تدخل فيه جهات وأطراف عديدة، وتتقاطع فيه مصالح جهات ودول
كثيرة، اللاعبون فيها قوى داخلية وأقليمة ودولية إضافة الى الطرف
الكوردستاني صاحب القضية . الطريق الى تطبيق بنود المادة 140 شاق
وصعب. سأحاول بشكل مكثف الاشارة الى توجهات كل طرف والضجة
الهيسترية التي صاحبت قرار مجلس الشيوخ الأمريكي غير الملزم بشأن
تقسيم العراق الى ثلاث فيدراليات. وسوف أستخدم المصطلحات
الدينينة والمذهبية والقومية المتداولة والتي أصبحت واقعاً لا
فكاك منه في الوقت الحاضر رغم نرفزة البعض من سماعها ومحاولته في
عدم تصديقها. كما نستخدم هذه المصطلحات بمعناه المسيس والحزبي
(الدينية المسيسة) وليس استخدامها العام حيث نكن لتلك المكونات
الدينية والقومية كل التقدير والاحترام :
أولاً / الطرف
الشيعي :
يجب أن نقر بوجود
شيعة معتدلين ومتنورين يمكن التفاهم والعمل معهم، الى جانب وجود
شيعة متعصبين وعنصريين فيما يخص الموقف من الشعب الكوردي عموماً
والفيدرالية (م140) خصوصاً. وحتى نكون صريحين مع أنفسنا ومع
الآخرين ، يبقى أتباع كلا المذهبين (الشيعي والسنّي) مشدوداً الى
أمجاده القومية ونظرته العروبية، ومن هذا المنطلق يبقى التعصب
القومي العربي مسيطراً على ذهنية هؤلاء، وهنا حتى بالنسبة للتيار
المعتدل الذي قبل في ظرف ما بفيدرالية كوردستان وإدخال المادة 58
ضمن قانون إدارة الدولة المؤقت والمادة 140 في الدستور العراقي
الدائم، لم يكن باعتقادي إيماناُ منه بحق الكورد في تقرير مصيره،
وإنما كان – كما قيل في مكان سابق- إنهيار مؤسسات الدولة والفوضى
العارمة ، ومن أجل أن يعترف الطرف الكوردستاني القوي والمؤثر
نفسه بفيدرالية الوسط والجنوب. لتأكيد كلامنا هذا عندما طرح
العام الماضي مشروع فيدرالية الوسط والجنوب ولاقى معارضة قوية من
جميع الأطراف السنيّة ومن أطراف شيعية (التيار الصدري وحزب
الفضيلة) ولم يتمكنوا من تمرير المشروع، قلّ حماس المسؤولين
الشيعة الكبار في الدولة في تطيسق البند الأول من المادة 140 ألا
وهو التطبيع، ووقف نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي بقوة ضد
مشروع قرار الكونغرس الأمريكي بتقسيم العراق الى ثلاثة ولايات
ووصفه بالكارثة!. يمكن فقط- حسب إعتقادي- اعتبار موقف عمار
الحكيم، نجل عبدالعزيز الحكيم رئيس المجلس الاسلامي العراقي
الأعلى، من بين المواقف المعتدلة الواقعية يستحق التوقف عندها.
هل هنالك أسباب
أخرى وراء رفض الشيعة للفيدرالية الكوردستانية؟
أن ساسه الشيعة
وغالبية أتباعهم يعادون الفيدرالية ويقفون ضد تطبيقها للأسباب
التالية:
1-
النظرة
القومية العروبية الإستعلائية، العنصرية ان شئت، تجاه القوميات
والأديان غير العربية (الكورد نموذجاً) في الرقعة الجغراقية التي
يطلق عليها الوطن العربي؛
2-
إعتقاد
العرب عموماً أنهم شعب الله المختار والقرآن نزل بلسانهم العربي
المبين وما على الآخرين إلاّ طاعتهم وخدمتهم، إضافة الى ذلك
إعتقاد الشيعة أنهم من مذهب آل البيت ولا يرتقى اليها الآخرون؛
3-
إعتقاد
ساسة الشيعة وأتباعهم الموالين لإيران أن إنشاء كيان كوردي (
فيدرالية أو غيرها) ربما يضرّ بدولة إيران الاسلامية ويألب عليهم
الكورد السنّة في الشمال والشيعة في الجنوب ( كرمنشاه وعيلام
ولورستان)؛
4-
يشكل
غالبية العرب المرحلين الى كركوك من العرب الشيعة ومن أتباع
الحركة الصدرية؛
ان الأسباب المارة
ذكرها وأخرى لم تذكر بالنسبة للمواقف الشوفينية من العرب أو
الترك ، تعبر بالنتيجة عن ثقافة الصحراء التي ترفض الآخر المخالف
قومياً ودينياً وفكرياً. أن تطبيق الفيدرالية على مستوى العراق
وكوردستان يأتي حسب قناعتي التامة نجاح ومكسب تاريخي لصالح
المذهب الشيعي في العراق وغيره من البلدان العربية والإسلامية
للتخلص من غبن أربعة عشر قرناً، وهو مكسب لإيران إذا ترغب أن
تبقى دولة قوية في المنطقة وتفلت من بين مخالب أمريكا وتساعدها
على إستتباب الأمن والاستقرار في العراق، حيث أن قيام عراق جديد
مسالم بدون صراعات مذهبية وقومية وإنشاء كيان فيدرالي مقتدرفي
الوسط والجنوب تكون جارة طيبة لإيران عكس الأنظمة العراقية
السنية المعادية لها.
ان الأطراف السنية
السياسية ( والسياسية الدينية) ومعهم جميع الأنظمة العربية –
خاصة الخليجية ومصر- يعادون الفيدرالية عموماً وفيدرالية الوسط
والجنوب كون الأكثرية هم على المذهب الشيعي، أنهم يخشون أن يشكل
ذلك عمقاً استراتيجياً لدولة إيران ويتكون بعد ذلك ما يطلقون
عليه (الهلال الشيعي) الذي يشكل خطراً على مصالحهم ووجودهم
كأنظمة.
ثانياً / الطرف
السنّي :
ماعدا القوى
اليسارية الحقيقية وبعض الشخصيات السنّية العلمانية والمتنورة،
فإن بقية الأطراف السنّية من بقايا النظام البعثي المقبور،
القوميون، ما يسمى "هيئة علماء المسلمين" ، جبهة التوافق ، كتلة
الحوار والمصالحة، الأحزاب والقوى التركمانية المرتبطة
بتركيا،...الخ يقفون بشكل علني وصارخ ضد الفيدرالية عموماً، وما
تحركاتهم السابقة واللاحقة على جميع الأصعدة، الداخلية والخارجية
ودعم الارهاب وارهابيين، وخروج جبهة التوافق من الحكومة وكومة
شروطها على حكومة المالكي ومن ضمنها إعادة صياغة الدستور الدائم
( أي إلغاء الفيدرالية الكوردستانية) وقانون إجتثاث البعث،
وقانون النفط ، والمصالحة الوطنية ( أي عودة كبار البعث)، وإطلاق
سراح السجناء (جلهم من الإرهابين منفذي الجرائم
والانفجارات)...الخ. هذه التحركات ومؤتمرات اسطنبول والقاهرة
والأردن واللقاءات مع الزمر البعثية مثل عزت الدوري وغيره
المدعومين من جميع الأنظمة العربية والاسلامية ومن إيران عبر
سوريا، ومن الجامعة العربية والمنظمات العربية والاسلامية
ومليارات البعث المنهوبة من مال العراقيين التي تصرف على
الارهابيين، تصب جميعها في إيقاف عجلة التغيير الحاصل في العراق،
والعمل من أجل عودة البعث والنظام المركزي الديكتاتوري بلباس
آخر، وإعادة أمجاد طرف واحد ( السنّي السياسي) ، وضرب حقوق الشعب
الكوردستاني ونسف الفيدرالية وبالتالي إرجاع العراق الى المربع
الأول. ويمكن التأكيد على أن تجارب الشعب الكوردي المريرة مع
جميع الأنظمة العراقية ( ذات الطابع السني الغالب) بدءاً من
العهد الملكي الى النظام البعثي، خير دليل على معاداتهم للحقوق
القومية المشروعة للشعب الكوردي.
ثالثاً / مواقف
الدول الأقليمية :
ليس من باب
التعميم والمبالغة القول أن جميع الدول الجارة والدول العربية
القريبة والبعيدة يعادون النظام الفيدرالي في العراق أساساً ،
وعلى الأساس الطائفي المذهبي الشيعي (الوسط والجنوب) خاصة، كل
لإعتباراته ومصالحه وتربيته الثقافية والقومية. فالدول العربية
تعتبر العراق بأكمله جزءاً لا يتجزأ من تراب الوطن العربي ولا
تحق لقومية أو مجموعة اثنية أن تطالب بأرضها وحقوقها، هذه من جهة
ومن جهة أخرى فأن بناء دولة عراقية على أساس فيدرالي إتحادي
برلماني تعددي ديمقراطي تهدد عروشهم وتقوض أنظمتهم الديكتاتورية
البوليسية. كما أن الدول العربية الجارة للعراق ومعها بقية الدول
الخليجية وإصطفاف تركيا معها، تقف بقوة ضد فكرة فيدرالية الوسط
والجنوب إعتقاداً منها أن ذلك يقوي من شوكة الشيعة ، خاصة أن
منطقة البصرة والعمارة ، تعوم على بحر من الاحتياطي النفطي وتصبح
تلك الفيدرالية في المستقبل عمقاً لدولة إيران الاسلامية وتشكل
معها هلالاً شيعياً يبدأ من إيران وينتهي بلبنان! وهذا ما لا
تقلبه ولا ترضاه الدول العربية ولا تركيا السنّية ، وربما
إسرائيل كون الشيعة – حسب نظرهم- أكثر معاداة لهم من السنّة!..
أن الدول الثلاث
(تركيا وسوريا وإيران) إضافة الى تربيتهم الشوفينة وإستعلائهم
القومي ، فأنهم يرون في أية فيدرالية كوردستانية وضم كركوك
الغنية بالنفط اليها، سؤف يؤدي الى إثارة أكراد تلك الدول
ويطالبون بحقهم في تقرير مصيرهم ، وهذا ما ترفضه هذه الدول لحد
الآن.
رابعاً / الموقف
الأمريكي والبريطاني ( الدولي ) :
يقرأ موقف هاتين
الدولتين العظميتين والشريكين الرئيسيين في قوات التحالف
والمتعددة الجنسيات لتحرير العراق من النظام الديكتاتوري في ضوء
مصالحهما السياسية والاقتصادية والاستراتيجية وعلاقاتهما مع جميع
الدول العربية وغيرها ذات العلاقة بالشأن العراقي. وهنا يمكن
القول أن أمريكا وبريطانيا في قرارة نفسيهما لا يحبذان فيدرالية
شيعية، لأن ذلك حسب نظرتهما سوف يقوي شوكة الشيعة ، وربما يكونون
مع النظام الإيراني حلفاً ضد كليهما ويطالبونهما سحب قواتهما
والرحيل من العراق. وأن شيعة ضعفاء – بل وسنّة ضعفاء أيضاً- أفضل
لأمريكا وبريطانيا واستراتيجيتهما للسيطرة على المنطقة والبقاء
قريبين من منابع النفط في البصرة العمارة حتى كركوك. ربّ سائل
يسأل: ما دامت هذه هي النظرة الأمريكية، إذن لماذا صدور مشروع
قرار مجلس الشيوخ الأمريكي ب"تقسيم" العراق الى ثلاثة فيدراليات
إحداها وأكبرها وأغناها ستكون شيعية؟. سوف أرجع الى هذه النقطة
لاحقاً.
يضاف الى ما قيل
أعلاه ، ان لأمريكا وبريطانيا علاقات ومصالح كبيرة ومتعددة مع
الدول العربية والإسلامية، هذا إضافة الى قوة وتأثير الدين
الاسلامي على أتباعها والتي تحسب لها أمريكا وبريطانيا والغرب
عموماً ألف حساب.
ما دمنا بصدد موقف
هاتين الدولتين من الفيدرالية وعموم العملية السياسية في العراق،
من المفيد الإشارة بشكل مختصر للموقف الأمريكي فقط من الفيدرالية
الكوردستانية وكركوك، على أن نناقش المزيد ضمن فقرة (مشروع قرار
مجلس الشيوخ الأمريكي وردود الأفعال).
لقد وقف الكورد،
قيادة وشعباً، مع قوات التحالف في حربها ضد النظام الديكتاتوري
العراقي، ذلك النظام الذي ذاقهم جميع صنوف الاضطهاد والحرمان
والقتل والتهجير والابادة الجماعية في حلبجه وجريمة الأنفال التي
راحت ضحيتها ما يقارب 182 ألف كوردي برئ. وسقط نظام الصنم كما هو
معروف يوم التاسع من نيسان/2003. ويمكن الانتباه هنا الى نقطة
مهمة ألا وهي أن القوات الأمريكية أوقفت القوات الكوردية بعد
التحرير عند حدود المنطقة الآمنة حسب قرار مجلس الأمن الدولي
رقم (688) ولم تسمح لها السيطرة على بقية مناطق كوردستان وراء خط
36. الى جانب ذلك لا يمكن تصور إدخال مادة الفيدرالية ( 58 و 140
فيما بعد) الى قانون إدارة الجكم والدستور الدائم من دون علم
وموافقة الجانب الأمريكي والبريطاني. لكن يبقى السؤال الأهم: هل
تكون الفيدرالية الكوردية (أقليم كوردستان) محصوراً في ثلاثة
محافظات/ دهوك، أربيل والسليمانية، أم سوف تضم اليها بقية
المناطق المتنازع عليها؛ محافظة كركوك ، وأقضية عقرة والشيخان
وشنكال وتلعفر وتلكيف وقره قوش ونواحي زمار وبعشيقة وآسكي كلك من
محافظة نينوى، وقضائي خانقين ومندلي من محافظة ديالى، وقضاء بدرة
وناحية جصان من محافظة واسط بحدودها الإدارية قبل عام 1968، كما
جاء في الباب الأول ، المادة2 الفقرة الأولى من نص مشروع دستور
كوردستان- العراق؟
على الأرض هنالك
إشارات مشجعة بالنسبة لفيدرالية أقليم كوردستان من الجانب
الأمريكي والبريطاني وبقية الدول الغربية الى حد ما، فإن إستقبال
السيد مسعود البارزاني من قبل رئيس أكبر دولة جورج بوش في البيت
الأبيض كرئيس أقليم كوردستان، وكذلك إستقباله بنفس الصفة في
بريطانيا وإيطاليا والبرلمان الاوربي، وكذا الحال في التعامل مع
برلمان وحكومة أقليم كوردستان، وفتح قنصليات العديد من الدول في
أربيل عاصمة الأقليم، إضافة الى وقائع أخرى كلها دلائل تبعث على
الارتياح. هل يقودنا هذا التفاؤل أن نفكر بوجود إتفاقية
(سايكس-بيكو) جديدة في ظل ظروف عالمية جديدة؟!.
وإذا كانت الكثير
من دول العالم وخاصة أوربا تتجه الى التقارب وتشكيل وحدات
إقتصادية وربما إزالة الحدود فيما بينها، فهل أن الاستراتيجية
الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط والأقصى تتجه تقليم أظافر
الدول الديكتاتورية وتفتيت الدول المركزية القوية كما هو الحال
مع دول الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا السابقتين، والدور ينتظر
العراق ودول عربية وأقليمية أخرى، بغية سهولة السيطرة عليها
وتأمين أمن الدولة الاسرائلية؟!.وبعد زوال القطب الآخر المعادي
لأمريكا المسمى ب(المعسكر الاشتراكي) ، ماهي القوى التي ستوقف
بوجهها؟..أعتقد أن من بين أحد خططها الاستراتيجية في منطقة الشرق
الأوسط ستكون إذكاء نار الفتنة بين الطوائف الاسلامية أنفسها
وبشكل خاص بين السنّة والشيعة!.
مع ذلك فأن كبار
المحللين والسياسيين يعجزون في أحيان كثير من فهم السياسة
الأمريكية، وعليه يفترض بالشعب الكوردي وقيادته السياسية أن
يتذكر مواقف هذه الدول عبر التاريخ القريب من القضية الكوردية
وحركته المسلحة. ولا يتم إهمال ما ورد من موقف في تقرير بيكر-
هاملتون الذي يلتف على الفيدرالية الكوردستانية ويدعوا الى عودة
البعث وتقوية النظام المركزي وبالتالي عدم عودة كركوك الى أقليم
كوردستان. ويلى ذلك التقرير أيضاً تصريحات لزلماي خليل زاده في
الأمم المتحدة وكذلك تصريحات كروكر السفير المريكي في بغداد،
وغيرهم بشأن تأجيل الاستفتاء أو تحويل ملف كركوك الى الأمم
المتحدة. ألا تبعث هذه المواقف الى القلق والسؤال : هل هي محاولة
من قبل أمريكا لإجهاض الفيدرالية الكوردية في الخفاء؟!
السؤال الذي يجب
أن لا يغيب عن ذهن أي كوردي: إذا كان إكتشاف النفط عام 1923 في
الموصل عاملاً باضد من أماني الكورد ، وكان سبباً أساسياً في
إلغاء بنود معاهدة سيفر المتعلقة بحق الكورد في تأسيس دولتهم،
فهل يكون نفط كركوك هذه المرة نقمة أيضاً على الشعب الكوردستاني
يؤدي الى ضياع نظامه الفيدرالي؟!!. علماً أن كركوك ، تلك المدينة
التاريخية للكورد، هي العنوان الرئيسي للأمن والإستراتيجية
الكوردستانية! وأن نفط بابا كوركور الذي إكتشف منذ عام 1927
يحتوي حسب تقديرات الخبراء على إحتياطي عشر مليار برميل من النفط
الخام، أي 7,5% من إحتياطي العالم. هذا، ولو تعاملنا مع جميع
المؤشرات التي هي لصالح الكورد بحسن نيه، ولو طلبت القيادة
الكوردستانية من أمريكا وبريطانيا ببقاء قواتهما في كوردستان
وإنشاء قواعد لهما، فأن كوردستان ستبقى محاطة بدول معادية للكورد
ولا يستطيعون الحركة بدون دعم أمريكي قوي، وقرار دولي من الأمم
المتحدة.
خامساً / الطرف
الكوردستاني ؛ عوامل القوة والضعف :
بعيداً عن
العاطفة، بعيداً عن الإطراء والمدح غير الواقعي، نستطيع القول أن
قادة الكورد حققوا بفضل نضال شعبهم ودماء شهدائهم العديد، ولا
نقول جميع، من حقوق ومطاليب الشعب الكوردستاني في المجالات
السياسية والاقتصادية والإدارية والدبلوماسية والتعليمية ،
تصرفوا بحكمة سواء قبل تحرير العراق أو بعده، وتمكنوا من إدارة
الصراع مع الأطراف العراقية زمن المعارضة واليوم في حكم العراق.
وتعاملوا بتعقل مع أمريكا وبريطانيا وجميع دول التحالف والدول
الأقليمية والعالمية، وتمكنوا من تثبيت النظام الفيدرالي في
الدستور العراقي الدائم، ويلعبون اليوم دوراً فعالاً في العملية
السياسية في العراق والمنطقة، وأصبح العامل الكوردي عامل إستقرار
في المنطقة. وخلال عام 1991 ولحد اليوم تم تحقيق مكاسب كثيرة على
مستوى أقليم كوردستان من ناحية: تشكيل برلمان وحكومة كوردستان
منذ عام 1992 وإدارة المنطقة رغم الحصار الاقتصادي والسياسي
والنفسي من جميع الجهات؛ بناء نواة قوة نظامية " قوات البيشمركه"
وأخرى أمنية لحماية الأقليم وأمن المواطنين؛ إطلاق حرية الصحافة
والنشر والأعلام وفتح عدة قنوات فضائية؛ تطوير حركة العمران
والبناء والنقل؛ وإنشاء مطارين كأحد أسس البناء التحتي؛ الإهتمام
بالتريبة والتعليم والصحة؛ جعل القضية الكوردية تخرج من إطارها
المحلي الضيق وتكوين علاقات مع الدول والمنظمات الخارجية؛
وأخيراً توحيد الإدارتين التي كانتا موزعتين بين السليمانية
وأربيل ، والإتفاقية الإستراتيجية الموقعة بين الحزب الديمقراطي
الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني ، والإنجاز الأهم هو
حالة الأمن والاستقرار التي ينعم به أقليم كوردستان قياساً لحالة
الانفلات الأمني والارهاب والقتل المستفحل في بقية مناطق العراق،
هذا إضافة الى مكاسب كثيرة أخرى في فترة زمنية قصيرة. إلاّ أنه
الى جانب تلك المكاسب والانجازات فأن هنالك بالتأكيد نواقص
وثغرات وتخوف، يتمنى ويطالب الشعب الكوردستاني من قيادة الدولة
والحكومة ومن قيادة الأحزاب الكوردستانية الحاكمة على تجاوزها،
ويطرحون هموماً وأسئلة لعلها تجد طريقها للمعالجة خدمة لمصلحة
عموم الشعب ولتطوير الأقليم ونجاح الفيدرالية ، ويمكن تلخيص
بعضها في النقاط التالية:
-
هل
هنالك وثيقة مكتوبة، ولو من وراء الكواليس، بيد القوى
الكوردستانية الحاكمة التي دخلت في تحالف مع أمريكا وبريطانيا ضد
النظام الديكتاتوري، تتعهد فيها تلك الدول لتحقيق الفيدرالية
وعدم خيانة الشعب الكوردي هذه المرة؟
-
إنتشار
ظاهرة الفساد الإداري في مفاصل الجهاز الحكومي والحزبي والذي أدى
الى مضاعفات خطيرة بحيث ظهرت طبقة طفيلية تملك ملايين الدولارات
، وتستولي على العقارات والمشاريع. الى جانبهم توجد طبقة معدومة
تكافح من أجل الحصول على لقمة العيش أمام غلاء الأسعاء
والايجارات. ومن مظاهر الفساد أيضاً إنتشار المحسوبية والمنسوبية
والارتياحات الشخصية في التعيينات بدل الاعتماد على الكفاءات
والنزاهة والوطنية. ومن الأشياء الملفة للنظر هو أنه من مجموع
حوالي 5و3 ثلاثة ملايين ونصف لثلاثة محافظات فقط( السليمانية،
أربيل ودهوك) يوجد هنالك حوالي 2و1 مليون ومائتا ألف موظف
يستلمون الرواتب من الدولة، والغريب أن البعض يستلم أكثرمن
ثمانية رواتب باسماء متنوعة! وقد ظهرت تقارير دولية تنتقد ظاهرة
الفساد هذه. وفي أقليم صغير ككوردستان يوجد هنالك (40) وزير
ووكيل وزير؛ وهذا ما يؤدي الى شلل في العمل الوزاري بسبب
المحاصصة الحزبية. إجمالاً أن جميع هذه المظاهر السلبية في العمل
الإداري والحكومي أدى ويؤدي الى إضعاف الشعور القومي الوطني
وتقوية التيار الديني والعشائري واللاأبالية على أقل تقدير.
-
هنالك
رأي يقول ، ما دامت كركوك هي أحد العناوين الاستراتيجية للأمن
القومي الكوردستاني، كان يفترض القيادة الكوردستانية أن تقدم على
ارجاع أكبر عدد ممكن سكانها المرحلين اليها بعد تحريرها مباشرة ،
ولم تدع القادمين اليها زمن النظام العودة اليها مرة أخرى كي
يصبح فيما بعد أمراً واقعاً؛
-
وبسبب
خصوصية كركوك بالذات كونها عنوان الأمن القومي وكذلك بقية
المناطق الكوردستانية المتنازع عليها بدءاً من مندلي وإنهاءاً
بشنكان، كان يفترض أن تجري التعامل معها من قبل الحزبين
الكوردستانيين الحاكمين (فروع الحزب الديمقراطي الكوردستاني
ومراكز الاتحاد الوطني الكوردستاني) منذ تحريرها معاملة خاصة
بعيدة عن النظرة الحزبية والكسب الحزبي؛ كأن يكون تنظيم مشترك
غير تابع لأي حزب يكون هدفه ال"كوردايتي" فقط وليس الكسب الحزبي
لطرف معين. يقال بأن المنافسة الحزبية الضيقة أفسد الكثير في
كركوك وخانقين وشنكال وبقية المناطق ولم تقدم الخدمات المطلوبة،
ولم يتم إرجاع أهالي كركوك ومندلي وخانقين الى أماكنهم ، وربما
تؤثر ذلك على نتائج الاستفتاء مستقبلاً؛
-
بما أن
الأحزاب الكوردستانية تحولت من " أحزاب جبال" أي أحزاب الكفاح
المسلح وحرب العصابات الى " أحزاب مدن" أي إستلام وإدارة السلطة،
يفترض والحالة هذه أن تتغير نهجها من فضاء ضيق الى فضاء أوسع
وأشمل من جميع النواحي. ويجب أن يختار الوزراء وأعضاء البرلمان ،
ومستشاري الرئيس والمحيطين به ومستشاري رئيس الوزراء وجميع
مسؤولي الحكومة الكبار وفي المراكز الحساسة من ذوي الكفاءة
والتاريخ الجديد والنزاهة ، وأن يمتازوا بالاستقلالية الفكرية
وله رأيه المستقل، وليسوا من الصنف الذي يرددون فقط "نعم"!
-
ولا
نجاح للفيدرالية وبناء كيان دولة ، كفيدرالية كوردستان المهددة
من كل جانب، بدون دمقرطة الأحزاب الكوردستانية، ودمقرطة الحياة
السياسية والاقتصادية في أقليم كوردستان؛
-
من
المتفق عليه أن كورد كوردستان الجنوبي/ كوردستان العراق هم جزء
لا يتجزأون من الشعب الكوردي في بقية أجزاء كوردستان ولهم هدف
واحد ومصير مشترك، وعليه إذا لم تكن هنالك إستراتيجية واضحة
للجميع ، من الصعب الحديث عن وحدة الشعب الكوردستاني، وهنا فأن
الشعب بحاجة الى التربية النشطة بالمصالح القومية ، وهو بحاجة
الى التربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. الشعب بحاجة الى
حملة ثقافية إعلامية واسعة.
-
نجاح
تطبيق المادة140 والفيدرالية عموماً لا يتحقق على ما يسجل على
الورق بين الأطراف السياسية، وما يبحث في محادثات القادة في غرف
مغلقة، وإنما يتحقق على ما ينجز على الأرض خاصة في وضع أسس
البناء التحتي وتقوية الاقتصاد الوطني، وإذا إستثنينا مطاري
كوردستان كأحد معالم البناء التحتي، هل هنالك أية مشاريع ومصانع
إنتاجية أخرى أنشأت في الأقليم منذ خمسة عشر عاماً الماضية؟..
يعتمد الأقليم بشكل أساسي لحد اليوم على ثلاث دول معادية في
إستيراداتها حتى أن اللبن والأجبان تستورد من تركيا؟ فمتى ما
سدّت تلك الدول معابرها الحدودية ومنعت دخول بضائعها ، سوف تكون
العواقب وخيمة على الوضع الاقتصادي في الاقليم!.
-
هنالك
إرتياح تام بشأن الاتفاقية الاستراتيجية بين الحزب الديمقراطي
الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، إلا أن أمنية الناس أن
لا تبقى تلك الاتفاقية بين رئيس الحزبين السيد مسعود البارزاني
والسيد جلال الطالباني وبين مكتبهما السياسيين ، بل أن ينزل الى
قاعدة الحزبين والى منظماتهم الحزبية والجماهيرية ودوائر
الحكومة. ويستفسر البعض لماذا لم تكن الاتفاقية أوسع لتظم اليها
بقية الأحزاب الكوردستانية؟
-
هنالك
رأي سائد ويطرح بقوة يقول: أن كوردستان بحاجة الى حملة تثقيفية
إعلامية فعّالة للتوعية وتغيير نمط تفكيير الناس، بدل صرف رواتب
لمليون ومائتا ألف مواطن ، والآلاف منهم يستلمون بأسماء وهميه
وبذلك تعليم اولئك الناس على التملق والانتهازية والتمسك
بالمصالح الشخصية. وأن يجري تغيير تفكير الناس نحو الأفضل قبل
رفع الشعارات.
- هناك من يعتقد من أبناء الشعب الكوردي أن تحالف القيادة
الكوردستانية الزائد مع الأطراف الشيعية والتحالف الرباعي الأخير
معه لم تكن سياسة دقيقة لعدة إعتبارات، أولاً ارتباطها بإيران،
ثانياً توجهاتها الدينية، ثالثاً ، إثارة حفيظة التيار الصدري
وحزب الفضيلة ، وأخيراً الاعتقاد أن أحد أهداف تعاون أمريكا مع
السنّة سواء في الأنبار أو غيرها من المناطق إضافة الى إضعاف
إندفاع الشيعة نحو إيران، هو تغيير مفهوم الفيدرالية إذا لم نقل
إلغائها، وعدم ضم كركوك الى أقليم كوردستان! وهنالك من يرى أن
تكون السياسة الكوردية وتحالفاتها مع أمريكا فقط.
-
ومن
النقاط التي يتداوله الناس، أن القيادة لم تأخذ بنظر الاعتبار
نتيجة الاستفتاء الشعبي عام 2004 والذي صوت نسبة أكثر من 95%
لصالح الاستقلال؛
مشروع قرار مجلس
الشيوخ الأمريكي رقم 1585 وردود الأفعال
:
صدر قرار غير ملزم
من مجلس الشيوخ الأمريكي يوم الأربعاء 26/ديسمبر/ 2007 بمبادرة
من السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن، مرشح الرئاسة القادم لعام
2008، حول تقسيم العراق الى ثلاث فيدراليات شيعية، سنّية
وكوردية. وكما يؤكد غالبية المحللين والسياسيين أن مشروع بايدن
لم يأتي بشئ جديد ، ولم يأتي بشئ أكثر مما أقره الدستور العراقي
الدائم. ويمكن أن الكلمة التي نرفزت ووترت أعصاب غالبية العرب-
وهم متنرفين دائماًً- هي " التقسيم" بدل كلمة "إنشاء كيان"
المستخدمة في الدستور العراقي ، فما هو الفرق بين العبارتين؟!
وربما يتحجج غالبية العرب ، والعراقيون منهم بشكل خاص، أن مشروع
بايدن هو تدخل في الشؤون العراقية ، وكأنهم لا يعرفون أن العراق
" محتلة" من قبل أمريكا، وأن هذا " الاحتلال" تم اقراره بشكل
رسمي من قبل الأمم المتحدة.
لإزالة أي التباس
وحتى لا اتهم بالطائفية اؤكد إنني اؤمن بالفكر العلماني
واليبرالي، ولا أفضل دين أو مذهب من المذاهب على آخر، واحترم
جميع القوميات لكنني مع حق تقرير المصير للشعب الكوردي والى جانب
تكوين دولته القومية المستقلة في الظرف المناسب. وأدعوا الى
المساواة بين جميع القوميات والأديان والمذاهب. وأن ما اطرحه
وأناقشه في هذا المقال نابع من الواقع المعاش والحقائق على الأرض
وليس على التمنيات ولا على التعصب.
يجب أن نعترف أن
العولمة بمعناها الشامل التي سيطرت على العالم كقوة الاخطبوط،
غيرت الكثير- وتغير باستمرار- من المفاهيم والمصلحات السياسية
والقانونية والاقتصادية وغيرها وترفع " القدسية" عن بعضها كمفهوم
: الوطن والمواطنة والسيادة والوحدة الوطنية والحدود والاستعمار
والامبريالية...الخ.
في الواقع لا يوجد
هنالك شئ في العراق يسمى ب " الشعب العراقي" إنما يوجد هناك نسيج
إجتماعي غير متجانس عرقياً وثقافياً وإجتماعياً ونفسياً. تعيش في
العراق من القوميات العربية والكوردية والتركمانية والآشورية
والكلدانية والسريانية والأرمنية، ومن الأديان : الاسلامية
والمسيحية واليهودية سابقاً، والايزيدية والصابئة المندائيين
والكاكائية، ومن المذاهب الاسلامية الرئيسية الشيعة والسنّة، ومن
المذاهب المسيحية اليعاقبة والنساطرة والكاثوليك
والأرثودوكس...وإذا كان هذا دليل غنى ثقافي وحضاري، فأنه يحمل
بين طياته الكثير من المتناقضات والمشاكل. منذ عصور ما قبل
الميلاد كانت هذه الأرض التي نسميها اليوم العراق مسرحاً لحروب
طاحنة؛ فجيوش الأغريق وفارس وميديا وآشور وقبائل الجزيرة العربية
وموجات قبائل التتر والمغول التقوا على هذه الأرض لمحاربة بعضهم
البعض! وفي الدولة العثمانية كان عراق اليوم يتكون من ثلاثة
ولايات : (الموص- بغداد- البصرة) ، وجاء الحلفاء بعد إنتصارهم في
الحرب العالمية الثانية وبموجب إتفاقية سايكس- بيكو1916 تقسيم
خارطة المنطقة ورسم حدود الدول وتشكيل دول جديدة كانت نتيجته
كيان العراق 1921 بالربط القسري بين الولايات (الأقاليم) الثلاثة
وأطلقوا على شعبه "الشعب العراقي" الذي يشبه تلك الطبخة التي لا
تستوي إلا عند وضعها في (جدرية الضغط = قدر الضغط )! ربما هنالك
شعب عراقي ، ولكن شعب خارج من " قدر الضعظ" شعب مستوي تحت
الإكراه والتنكيل وضغط الارهاب ، شعب ينتمي الى دولة الدين
الواحد ، ودولة القومية الواحدة ، ودولة المذهب الواحد، وفي
السنوات القليلة الماضية تحول الى دولة العشيرة والعائلة والفرد
الواحد!!. وبعد سقوط النظام الديكتاتوري رفع الغطاء عن ذلك
"القدر" المضغوط وخرجت جميع تلك التناقضات الى السطح ولم تفد
معها الشعارات والمصطلحات الرنانة التي عفى عليه الزمن. حتى إذا
كان العراق ليس مقسم من الناحية الإدارية ودولة واحدة من زاخوا
الى الفاو، ومن بدرة وجصان الى الرطبة، فأن هنالك تقسيم نفسي
وسياسي وقومي وديني ومذهبي ل" الشعب العراقي"
هل يقرأ قرار "
ولو غير ملزم" من مجلس شيوخ دولة عظمى كأمريكا وبغالبية أصوات
75مع، مقابل 23ضد، قراءة سطحية، أم له مغزاه؟ وهل أن اللاعبين في
النادي السياسي العالمي الذين خططوا لإتفاقية سايكس – بيكو
وفرضوا خريطة تقسيم ممتلكات "الرجل المريض" بداية القرن العشرين
، هم نفسهم اليوم في بداية القرن الحادي والعشرين الذين يطرحون
خارطة الشرق الأوسط الجديد ؟! أليس هذا القرار مؤسس على أن
العراق كان بالأصل ثلاث ولايات في العهد العثماني وعليه يفترض
إعادته الى سابق عهده؟!
أن قرار مجلس
الشيوخ الأمريكي مهما كانت الدوافع وراءه ، سواء جاء ضمن حملة
الديمقراطيين ضد الجمهوريين والرئيس بوش للفوز في الانتخابات
القادمة، أم لإنتشال سمعة أمريكا وجيشها من ورطتها في العراق كما
يقال، تركز على تطبيق الفيدرالية التي دعا اليها الدستور العراقي
وليس الى تقسيم كما يراد البعض أن يصوره. وهنا يبدو ردود أفعال
غالبية الساسة والكتاب العراقيين موجهة الى ما حصل في الواقع
العراقي أكثر مما نص عليه قرار الكونغرس الأمريكي الأخير. أن
السيناتور جوزيف بايدن لم يقل بالتقسيم وإنما بالفيدرالية
القريبة من الكونفيدرالية وهي تقوية الأقاليم مقابل إضعاف
المركز. وربما جاء منطق الكونغرس هذا ل "تقسيم" العراق الى ثلاثة
فيدراليات يجمعها إتحاد كونفيدرالي قد لا تكون هي الحل الأفضل،
لكنها تمثل الحل الوحيد لوقف العنف الدموي وإنهاء مآساة إنسانية
خارجة عن التصور.
لقد خرجت ردود
أفعال متشنجة ودون قراءة كما قالها الكاتب القدير( محمد
عبدالجبار شبوط) في مقال له بعنوان ( مفاجآة في عدم القراءة)
والوطنية المزيفة وحرصاً مصطنعاً على وحدة العراق كما قالها
الدكتور طالب الرماحي. مع الأسف الشديد راح بعض الكتاب المحترمين
المحسوبين على التيار اليساري الديمقراطي يضع لوم مايجري على
الكورد والشيعة، ويصف تمسك الكورد بالدستور العراقي والفيدرالية
ب( قميص عثمان) في مقال له بعنوان ( القيادة الكوردية وقرار مجلس
الشيوخ وقميص عثمان) ويتناسى – عن دون قصد- ما يقوم به بقايا
البعثيين وجميع من يدعمهم من الدول العربية وهيئة علماء المسلمين
وتركيا وإيران. إن موقف القيادة الكوردستانية من قرار الكونغرس
غير الملزم كان قراراً صائباً وصريحاً لا يتعارض فعلاً مع ما جاء
في الدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه أكثر من 80% من الشعب
في إستفتاء شعبي كبير، فإذا كان البعض يعتبر التمسك به تمسكاً ب"
قميص عثمان" فما معنى الاستفتاء وما معنى وجود الدستور! ويبقى
منطق المثل الشعبي ينطبق على تفكير هؤلاء الكتاب فيما يخص حقوق
الكورد: " تريد أرنب خذ أرنب، تريد غزال خذ أرنب"!. يبدو أن
تفكير هؤلاء الأخوة لا يخرج من نطاق "الأرنب" وربما إذا طالب
الكورد الأرنب ، قالوا لهم: خذوا فأرة ما شأنكم بالأرنب لأن لحمه
يؤكل!.
إن العاطفة
والشعور بالوطنية لا يشكلان دائما أرضية مناسبة للخروج من
الأزمات إذا لم يقترنا بالواقعية ومناقشة ما يحصل على الأرض كما
يصفها الدكتور الرماحي، علماً أن مفهوم الوطنية والمواطنة والوطن
قد تغيرت في زمن العولمة. كما أن الصراع اليوم في العراق ليس
صراعاً سياسياً فحسب، بل هو صراع قومي وديني ومذهبي وإجتماعي،
وأن دولة العراق منذ تأسيسها عام 1921 قائمة على القسر والإلحاق
الإجباري لأقليم كوردستان بالعراق العربي.( نظر بنود معاهدة سيفر
الفقرة 64)
إن الذين يتغنون
بالوحدة العراقية أرضاً وشعباً، إنما يعملوها لمصالحهم الذاتية
وملء جيوبهم ومصالح أحزابهم ، ولا يبالون بأنهار الدماء التي
سالت وتسيل يومياً. وأن موجة الكتابات والحوارات الساخنة التي
نشاهدها اليوم على صفحات الجرائد وعبر الفضائيات فيها
الكثير من المبالغة والنفاق والهستريا وذرف دموع التماسيح على
الوحدة
العراقية، وبالأخص من قبل الذين يعملون ليل نهار على تفتيت الشعب
العراقي عملياً
وبدوافع طائفية مقيتة وتكريسها، ولاسيما من قبل أيتام البعث
الساقط والمتعاطفين
معهم من أعداء عراق ما بعد صدام.
(د. عبدالخالق حسين) إن زمن الدولة المركزية الشمولية قد ولى الى
غير رجعة.
لقد استغل فلول البعث وأعداء الشعب الكوردي قرار الكونغرس مناسبة
جيدة لإشهار سيفه المتصدأ ضد الشعب الكوردستاني وضد قيادة وكأن
الكورد مجموعة أيتام في دار أيتامهم لا يحق لهم الحديث ولا
الحلم! وكأن أرض كوردستان حديقة خلفية لوطنهم العربي!. الإتحاد
والوحدة الوطنية تبنى على أساس التفاهم والشراكة العادلة
والمساواة والإرادة الحرة وليس بالفرض والقوة عن طريق القمع ،
فما أن أزيل نظام البعث الصدامي حتى انفجرت تلك الدمامل المنتشرة
في جسم العراق تقذف القيح وتفضح جميع الذين شاركوا في إيجاده
والمتعاطفين معهم من العربان فاعتبروا القرار جوزيف بايدن ( مجلس
الشيوخ) هو مخطط
أمريكي لتفتيت العراق!.
إن الوحدة العراقية القسرية أرضاً وشعباً المصنوعان في الذهنية
الشوفينية، كلاهما يرقدان في قسم الانعاش المركز، وقد ساهمت
الأطراف الأقليمية والعربية نفسها على خلق حالة الدمار والارهاب
والدماء البرئية التي يسيل في العراق، بحيث وزعت هذه الأطراف
نفسها على الأطراف العراقية حسب رؤاها ومصالحها، وساهموا في
تهديد المواطنة وهذه الوحدة. وسوف تحصد تلك الدول والأطراف ما
زرعتها، وسوف ينتقل عدوى الفايروس الديني والمذهبي والطائفي من
العراق الى بلدانهم. ففي تركيا وإيران وسوريا ومصر والسعودية
والجزائر مشاكل قومية ومذهبية تنتظر الحل.
كما هو معروف أن السياسة فن تحقيق الممكنات وتناغم المصالح،
بمعنى معاينة ما يجري على الأرض ومحاولة البحث عن القواسم
المشتركة والحلول الممكنة. ففي وضع العراق المأساوي اليوم يمكن
القول أن الشيعة هم مفتاح الحل ، ويفترض بهم النزول من سقف
مطالبهم وليس المطالبة والتأكيد على أنهم يشكلون الأكثرية في
العراق وقياس الديمقراطية على ذلك - علماً شتان بين الدين وبين
الديمقراطية- لأنه إذا كان الشيعة أكثرية في العراق ، فأنهم
أقلية في الوطن العربي وعليه فأن كل خلل في وضع العراق من هذه
الناحية سوف يثير حفيظة ( تهدد مصالح) السنّة السياسية والمذهبية
في العراق وعموم الوطن العربي. كما أن التوجه الشيعي الديني
المتطرف وإرتباطهم القوي بدولة إيرات الاسلامية التي لا تخفي
تصدر الثورة، ليس محل إرتياح الشارع العراقي بجميع مكوناته،
ويشكل مخاوف للدول الجارة والأقليمية وأمريكا وحلفائها. فإن أراد
ت مراجع الشيعة وقادتهم السياسيين إزالة آثار الماضي والغبن
التاريخي عنهم يفترض بهم أن يثبتوا للعالم أنهم ناس سلطة ودولة
أكفاء وليس عبارة عن مجاميع خاضعة لهذا المرجع أو ذاك الشيخ يتم
تسيرهم بصورة لا شعورية عمياء، ويشلّون إرادتهم ويقفلون عقولهم
ويؤدون مراسيم التطبير وتقبيل يد المراجع الدينية ودفع الزكاة
والخمس لهم.
أما بالنسبة للطرف الكوردي فأن القضية أكثر تعقيداً، فإذا كانت
إيران وسوريا تدعمان الشيعة، وجميع الدول العربية وكذلك
الاسلامية يدعمون السنّة، وتركيا تدعم ثلاثمائة ألف تركماني فقط
في العراق، والمسيحيون العراقيون يدعمون من قبل الغرب وأمريكا
والكنائس العالمية، يبقى الكورد لا ظهير فعلي وثابت لهم غير
قوتهم الذاتية وإصرارهم وإيمانهم بقضيتهم العادلة، وجبالهم التي
حمتهم كثيراً. وذكرنا في مكان آخر من المقال أن الكورد وقيادتهم
تحركوا بحكمة وأنجزوا الكثير في فترة زمنية قصيرة ( 15 عام) ،
لكن أمام الشعب الكوردي، وقيادتها بشكل خاص، جولات صعبة ومهام
تحتاج الى إتخاذ قرارات جريئة، وأسئلة تبحث عن أجوبة، نشير الى
البعض منها سريعاً:
-
التوقف عن الهموم والثغرات التي ثبتناها في النقطة الخامسة
المتعلقة بنقاط القوة والضعف لدى الطرف الكوردي.
-
تأكيد القيادة الكوردستانية على الفيدرالية الجغرافية قرار صحيح
، بمعنى إسترجاع جميع المناطق المتنازع عليها عبر إستفتاء عام
وحسب المادة 140 ، وفي حال قبول الأطراف العراقية بنتائج
الاستفتاء وإرجاع كركوك وبقية المناطق سلمياً لأقليم كوردستان
،فلا مانع حتى من بقاء بعض العرب غير الأصليين فيها وتبقى جميع
حقوقهم مضمونة؛
-
حتى إذا إفترضنا إجراء الاستفتاء ونجاحه، فهل تقبل به القوى
العربية العراقية والدول الأقليمية مثل تركيا وسوريا وإيران؟
وفي حال تدخل تركيا لصالح الأقلية التركمانية في العراق وكركوك
بالذات لماذا يكون موقف القيادة الكوردستانية؟ يفترض أن تكون
هنالك خطة معدة لذلك.
-
هل أن التهديدات التركية الأخيرة في الدخول الى أراضي كوردستان
هي فعلاً لملاحقة حزب العمال الكوردستاني، أم خطة لخنق فيدرالية
كوردستان والقضاء على حقوق شعبنا ، أم خلق " قبرص" ثانية؟..إذا
كانت الحكومة التركية ومعهم الشوفينيون الترك في تركيا والعراق
يفكرون بعقلية الدولة العثمانية ودولة أتاتورك وفي القرن الحادي
والعشرين‘ فهنالك أكثر من عشرين مليون كوردي في كوردستان
الشمالية يستطيع أن يقبر أحلام الساسة الأتراك!
-
لكن شعبنا لا يتمنى أن تتطور الامور لتصل الى تلك الحالة، وهو
بالتأكيد ليس في صالح أي طرف كوردستاني أو تركي ولا في صالح
المنطقة برمتها. إن على قيادتنا حل جميع القضايا بالطرق
الدبلوماسية وعدم فتح جبهة مع تركيا قبل الاستفتاء.
-
أمام هذه التهديدات ليس أمام القيادة الكوردستانية وبدعم من
شعبها إلا التحالف الاستراتيجي مع أمريكا والموافقة على بناء
قواعد عسكرية لها في كوردستان؛
-
الفيدرالية في المحصلة النهائية، ورغم تثبيتها في الدستور
العراقي، سوف تنجح باتفاق دولي أمريكي وفي ظل نظام ديمقراطي
تعددي حقيقي في العراق، كون كوردستان مطوقة من دول معادية وليس
لديها منفذ بحري أو دولة صديقة غير معادية ؛
-
التأكيد على النظام العلماني والاقتصاد الحر في دستور أقليم
كوردستان ، لأن أمريكا والغرب ليسوا مستعدين دعم نظام ذات توجه
ديني يفقس الارهابيين؛
-
القضاء على الفساد المستفحل يمهد الطريق لإنجاح المادة 140؛
-
أليس محاولة تأجيل عملية الاستفتاء على كركوك ، أو ترحيل تلك
القضية الى الأمم المتحدة، ناقوس خطر وإزدياد الارهاب في تلك
المناطق وتحويلها الى دارفور أخرى؟!
- سؤال آخريقول: لماذا يخاف الكورد من الأطراف الأخرى
(العربية والتركمانية) الذين يطالبون باستمرار وإلحاح على تغيير
الدستور العراقي الدائم، فعلى الكورد أن يطالبوا بتغيير الدستور
في عدة نقاط هذه المرة، أولاً / المطالبة بالنظام الكونفيدرالي
بدل الفيدرالي، ثانياً/ أن يطالبوا أخذ حصتهم من واردات العراق
الاتحادي من صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة مباشرة لا أن
تكون أيديهم في حلق الحكومة المركزية، ثالثاً/ أن يطالبوا أن
يكون لهم عضو مراقب في الأمم المتحدة وبقية المنظمات العالمية؛
-
الى جانب السؤال أعلاه هنالك سؤال يبحث على التشاؤم، يقول: إذا
كان إكتشاف بترول ولاية الموصل عام 1923 سبباً لقبر آمال الكورد
لبناء دولتهم القومية من قبل الحلفاء، فما هو الضمان أن لا يكون
بترول كركوك هذه المرة عائقاً أمام تنفيذ المادة 140 وربما سبباً
في أن تدير أمريكا ظهرها للكورد وتقضي على آمالهم أيضاً؟!
-
ماهو مصير كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها، هل تنضم الى
أقليم كوردستان أم الى الأقليم السنّي، أم يشكل أقليما خاصاً به؟
هذا ما لم يشير اليه قرار الكونغرس؛
-
وأخيرأ هنالك من يسأل : أليس عقد مؤتمر عام كوردستاني وتوقيع
إتفاقية إستراتيجة بين جميع الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات
المجتمع المدني الكوردستانية للأجزاء الأربعة وأكراد المهجر عامل
قوة في الوقت الحاضر؟
-
ربما يشكل قرار الكونغرس في "تقسيم" العراق الى ثلاثة أقاليم
مستقبلا صفقة بين ايران والولايات المتحدة
خليل جندي
كوتنكن في
16/10/2007
الهوامش
_______________________________________________________________
(*) المقال الأصلي جزء من محاضرة القيت في
ندوة ثقافية أقامته " مركز الأرشيف والأبحاث للصحافة
الكوردستانية" في مدينة هانوفر الالمانية تحت عنوان: " كركوك في
الوثائق القديمة" يوم 24/ 9/2007. وقد تم إغناء المقال ببعض
الإضافات خاصة بعد صدور قرار الكونغرس الأمريكي المرقم 1585 في
26/9/2007
- د. وليد حمدي؛ الكرد وكردستان في الوثائق
البريطانية- دراسة تاريخية وثائقية، 1992
- البرلمان (وثائق)، العدد3، بيان إعلان
الإتحاد الفيدرالي، مطبعة جامعة صلاح الدين، تشرين الأول 1993.
- د. خليل جندي؛ حركة التحرر الوطني
الكوردستاني في كوردستان الجنوبي 1939- 1968، ستوكهولم 1994
- تم الاستفادة والاستئناس مع آراء بعض الأخوة الكتاب منهم: محمد
باجلان، د. طالب الرماحي، د. عبدالخالق حسين