موقع الباحث الدكتور خليل جندي رشو

 

الدين...المجتمع...السياسة...القانون...

المرأة ً هي الضحية دائما!1

(تقييم لأحداث الشيخان وبعشيقة/ بحزاني)


 

الدكتور خليل جندي

 

 

بداية نريد القول، أن يكون جميع الكورد وأصدقائهم على علم، ولا يأخذهم العجب، أنه كلما اقترب موعد الاستفتاء لتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي، كلما إزداد الارهابيون شراسة وصعدوا من وتيرة أعمالهم الارهابية المغزية في المناطق المتنازع عليها بين أقليم كوردستان وبين الطرف العربي/ التركماني داخل الحكومة المركزية وخارجها متمثلاً ببقايا عناصر النظام السابق وفلول القاعدة والعرب العنصريين...السؤال المطروح: أليس بامكاننا ربط أحد أسباب- وليس كله- أحداث الشيخان وبعشيقة /بحزاني بمخطط الارهابيين لترويع الايزيديين، وزعزعة أمن واستقرار كوردستان؟

 

لم تتوقف القضية عند حادثة قضاء الشيخان (15/2/2007) بكل أسبابها وأبعادها ونتائجها، بل برزت بعد فترة قصيرة جداً وبشكل تراجيدي حادثة بحزاني/ بعشيقة المروعة (7/ نيسان/2007) بقتل الفتاة (دعاء) بطريقة وحشية! لحقتها بعد مرور خمسة عشر يوماً (22/نيسان/2007) حادثة أليمة وأكثر بشاعة وذلك بقتل أربعة وعشرين عاملا ايزيدياً من عمال معمل النسيج على أيدي الارهابيين في مدينة الموصل وشرطيان ايزيديان من أهالي الشيخان بعد اسبوع في مدينة الموصل نفسها!

هل برزت هذه الحوادث المأساوية من العدم، أم كان لها ارتباطاتها بقضايا أخرى؟...هل كانت جذور وأسباب تلك الحوادث حديثة العهد، أم ترجع الى تاريخ أقدم؟

نعتقد أن تلك الحوادث لن تخلق من فراغ، إنما هي مرتبطة بوضع العراق وكوردستان بشكل عام، ووضع المجتمع الايزيدي الداخلي بشكل خاص؛ بمعنى أن لهذه الحوادث أسبابها وعواملها الموضوعية والذاتية. علماً لا نريد الدخول في تفاصيل تلك الأسباب والعوامل، بحيث أنها من الكثرة والتشعب والتعقيد بحيث يدفع المتابع الى التيه في دهاليزه. كما أن ذكر بعض الحقائق من وجهة نظر الكاتب تولد ردود فعل ونتائج سلبية أكثر مما هو ايجابي بسبب عدم نضج المجتمع وسيطرة الأفكار الدينية عليه وجمود عقول قطاع واسع منه، ونفاق نصفه الآخر، الى جانب عدم نضوج الروى السياسية والقانونية لدى الكثير من المسؤولين السياسيين. رغم ذلك سنطرح الأسباب ونناقش الموضوع بشكل عام وليس في كل تفاصيله.

يمكن القول إجمالاً أن هذه الحوادث كان ناقوس خطر الى الجهات التالية:

 

1-   سلطة أقليم كوردستان؛

2-   قانون أقليم كوردستان؛

3-   سلطة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في منطقة بهدينان؛

4-   المجتمع الكوردي والكوردستاني بشكل عام ، والايزيدي بشكل خاص؛

 

لن نقل كان من باب المستحيل، بل كان بعيداً عن التصور أن يفكر إنسان (أقصد من الكورد) في القرن الحادي والعشرين بوجود مجموعات كوردية ترفع راية (الجهاد) ضد كورد آخرين؛ مجموعات من الكورد المسلمين ضد أخوانهم من الكورد الايزيديين!!

لقد كشفت حادثة الشيخان وما تلتها من حوادث بقوة وسيطرة الشعور الديني- العشائري على الشعور القومي اليوم في كوردستان. لذا نعتقد، بل يجب، على حكومة كوردستان، وعلى كل كوردي مخلص من وطنيين وكتّاب ورجال سياسة وفنانين..الخ أن يتوقفوا عند هذه النقطة وينطلقوا منها: لماذا الشعور العشائري-الديني أقوى من الشعور القومي والوطني اليوم؟ وكيف السبيل الى معالجة هذه النقطة الجوهرية؟.كيف نتمكن من جعل ولائنا لوطننا وقوميتنا أقوى بكثير من ولائنا للدين، بمعناه التطرفي، والعشيرة وأي شئ آخر بصورة أخرى؟.. هذا سؤال موجه الينا جميعاً.

منذ حادثة الشيخان (15/2/2007) ولحد هذه المحاضرة أصبح الايزيديون وديانتهم، على الأقل في الاعلام الكوردستاني، المادة شبه البارزة التي تتصدر صفحات الجرائد وبرامج التلفزيون والمواقع الالكترونية وغرف البالتولك (الحوارات عبر الانترنيت)، وقد كتبت العشرات من المقالات والأخبار الصحفية والمناقشات بشأنها هنا وهنالك.

إذا كان هنالك نوع من الميل والتعاطف تجاه الايزيديين من قبل الغير منذ 15/شباط/2007 والدفاع عنهم والمطالبة بحمايتهم، فانه – مع الأسف الشديد- بمقتل الفتاة غير البالغة ( دعاء دخيل أسود) يوم 7/نيسان/2007 بطريقة وحشية من قبل مجموعة حاقدة ضالة مجرمة في بحزاني، أفقد الايزيديون – شئنا أم أبينا- ذلك التعاطف وتلك الصورة ولو بصورة مؤقتة، حين استغلتها أطراف معينة ضد الايزيديين عموماً لتحقيق مآربهم وأهدافهم.

لم يتوقف هذا العمل الوحشي الجبان عن حدوده، إنما جلب بعد فترة قصيرة جداً المآسي والتنكيل وفتاوى إبادة الايزيديين!! بحيث قتل الارهابيون (24+2) من أهالي بعشيقة/بحزاني وعين سفني في مدينة الموصل في طقس دموي همجي تعكس تفكير وأخلاق الارهابين ومن يدعمهم ويوملهم!!.

 

كيف جرت وتطورت الحوادث بتلك الأشكال التراجيدية؟!

 

من الطبيعي أن تكون هنالك العديد من الأسباب والعوامل التي أوصلتنا الى تلك الحوادث، سنتوقف عن أهمها، ونشير الى البعض الآخر بشكل لا يخلو من الدبلوماسية، لأن قول الحقائق في بعض الأحيان تجلب النتائج غير المرجوة لأسباب تتعلق بطبيعة النظام السياسي ومستوى تطور فكر المجتمع الذي نعيش فيه.

يمكن تقسيم القضية/ المآساة التي نحن بصددها الى النقاط التالية:

 

أولاً/ الأسباب

ثانياً/ النتائج

ثالثاً/ المعالجات

 

فيما تخص النقطة الأولى، وكما سبقت الإشارة اليه أعلاه أن هنالك العديد من الأسباب والعوامل الذاتية والموضوعية التي قادت الى تلك الحوادث، لا يتحمل مقال ولا تتحمل محاضرة الوقوف عند تفاصيل كل نقطة ، إلاّ أن ذلك لا يمنعنا من الإشارة بشكل سريع الى الأسباب الرئيسية؛

 

1-   وضع العراق العام : بعد تحرير العراق يوم 9/نيسان/2003 وإسقاط النظام البعثفاشي الشمولي وإنهيار جميع مؤسسات الدولة، انتشر الفلتان الأمني في كل مكان واستغلت عناصر البعث بعد أن قام الأمريكيون وجهات أخرى بحمايتهم وعدم الانتقام منهم الى إستعادة بعض تنظيماتهم ، وتشكيل العديد من المجموعات الارهابية تحت أسماء دينية وقومية والتعاون مع عصابات القاعدة، وقام بقايا البعث ومن لف لفهم بزرع الارهاب في كل مكان مرة أخرى، ولجأوا الى التفجيرات وقتل المدنيين على أمل إعادة النظام الديكتاتوري. كما شارك مع عصابات البعث غربان العرب من أقصى دول المغرب العربي مروراً بمصر والسودان واليمن ودول الخليج الى أن تصل الأردن وفلسطين وسوريا، وكذلك المجرمين من خريجي سجون ومعتقلات الأنظمة العربية، يضاف الى كل ذلك قوافل من عملاء ومخابرات دول الجوار مثل سوريا وإيران وتركيا.

 

2-   إنتشار الأفكار الدينية والمذهبية المتطرفة في الشرق الأوسط بشكل عام والعراق بشكل خاص، وانتشار تلك الأفكار الدينية المتطرفة بين الكورد المسلمين أيضاً. مما يؤسف له أن الكثيرين من الناس الوطنيين والديمقراطيين وحتى اليسارييين قد تأثروا بهذه الدرجة أو تلك بالأفكار الدينية وانجرفوا مع التيار الظلامي وتاهوا في لجته.

أليست ظاهرة تجلب الانتباه أن نلاحظ مجموعات غير قليلة تركت أوطانها في الشرق كانت متحررة من الكثير من القيود الدينية، إلاّ أنها هنا في الغرب تعود للتزمت الديني وفرض الحجاب على نسائهم وبناتهم؟! ...أليست ظاهرة تجلب الانتباه وتضع أكثر من سؤال، أن نرى داخل دوائر أقليم كوردستان، ومقرات حزبية لأحزاب كوردستانية علمانية حاكمة وغير حاكمة في كوردستان مساجد صغيرة؟! هل هذه الدوائر والمقرات والمنظمات هي أماكن لتمشية أمور المواطنين وتقديم الخدمات لهم وتوعيتهم سياسياً وثقافياً...الخ، أم أماكن لمنافسة الجوامع والمساجد ودور العبادة؟!. عندما سألنا بعض المسؤولين الحزبيين عن سبب هذه الظاهرة، كانت حجتهم أن يقطعوا الطريق عن الأحزاب الدينية كي لا يتهمهم بالعلمانيين أو غير ذلك، ويكسبوا الجماهير المتدينة بدل كسبهم من قبل الأحزاب الدينية!!. أترك للقراء الحكم على هذا المنطق.

المشكلة الأخرى هو إدعاء كل دين انه دين حق وما عداه باطل! وهنالك من يعيش في القرن الحادي والعشرين ويريد أن يحارب طائرة الشبح بسيف القرن السابع، وينافس الكومبيوتر والانترنيت وجميع التقنيات العلمية الجبارة بالتعاويذ والكبيرات!!. وتريد مجاميع أخرى تعيش في هذا القرن وعصر غزو الفضاء الكوني أن تطبق قانون العشيرة وشريعة الدين والمفاهيم البالية على الناس!!

 

3-   أن الأفكار المتطرفة المنتشرة اليوم لدى الكثير المسلمين، ولدّت بالمقابل التطرف الديني لدى بعض الايزيديين أيضاً حسب قانون " لكل فعل ردّ فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه" علماً كان هنالك تصعب ديني لدى مجموعات من الايزيديين لكنه ازداد هو الآخر باعتقادنا بشكل ملفت للانتباه للأسباب التالية:

- لم تكن المناهج الدراسية سواء للمدارس الدينية الخاصة في بعض المناطق الايزيدية أو منهج الايزيدياتي للطلبة والطالبات في مدارس كوردستان بالمستوى المطلوب ، مما قاد الى نتائج عكسية على مستوى تربية الطفل والشبيبة وكذلك المجتمع. وفي الطرف الآخر (المجتمع الاسلامي المتدين) أثارت تلك الخطوة حفيظته نفسياً ، وأصبح يحقد في داخله على الايزيديين ومن يقف ورائهم في تدريس مادة الدين الايزيدي. ( المدارس الدينية للأطفال والشبيبة تصنع منهم، شئنا أم أبينا، قنابل موقوته كما هو الحال في مدارس باكستان وأفغانستان والسعودية).

 

-   ظهور الحركة الايزيدية من أجل الاصلاح والتقدم واثارتها للجانب الديني والتركيز على الابادات وحملات التنكيل ووضع جريرة ذلك فقط على عاتق المسلمين الكورد، ومعاداة كل ماهو كوردي، مما خلق حالة من الانغلاق الديني لدى مجموعة لابأس بها من الايزيديين وولّد لديهم حساسية مفرطة من الشعب الكوردي عموماً؛

 

-   النهج الذي سلكته بعض الصفحات الالكترونية الايزيدية تحت يافطة الديمقراطية وحرية التعبير، وتركيزهم بشكل كبير على الجانب الديني، والهجوم المباشر من خلال المقالات والتعليقات على الأكراد وقيادته وأحزابه. بحيث لا نكاد نفرق بين إحدى هذه الصفحة الالكترونية (الايزيدية) وبين صفحة بصرة نيت التي تدار من قبل فلول البعث المقبور!؛

-   تصريحات بعض الايزيديين النارية غير المسؤولة وغير المدروسة ، في الداخل والخارج، عبر الفضائيات أو من خلال لقاءات صحفية عربية، أو من خلال مقالات، يعتقد صاحبها أن ما يصرح به ويدعو اليه هو في صالح الايزيدية، لكن تلك التصريحات لم تكن سوى كسب تصفيق وقتية، ولا تقل خطورة ما يكتب ويقال من تصريحات صالح المطلق وعدنان الدليمي في موقفهما من القومية الكوردية وحقوق الأقليات الدينية والتجربة الديمقراطية؛

-   التطرف الديني الاسلامي ، والعمليات الارهابية والمواقف التكفيرية تولد بالنتيجة تطرف ديني لدى الطرف الديني المقابل؛

-   أخطاء الحزبين الكوردستانيين الحاكمين في تعينهما في المؤسسات الحكومية الرسمية والاختصاصية  لأشخاص ايزيديين يتصفون بإحدى الأوصاف التالية (أو جميعها معاً):

1-  عدم الكفاءة؛

2-  ذات ماضي غير نظيف؛

3-  تعمل لمصلحة ذاتها أكثر مما تعمل لمصلحة الايزيدياتي وعموم مصلحة كوردستان؛

 

- أخطاء بعض الكوادر الحزبية العاملة من كلا الحزبين الكوردستانيين الحاكمين بين الايزيديين وعدم معرفتهم لطبيعة المجتمع ونفسية الفرد الايزيدي وكيفية التعامل معه، أدى الى حالة من التململ وعدم الثقة بين الطرفين؛

 

4-  الأسباب المذكورة أعلاه وغيرها من أسباب سياسية وإقتصادية وإجتماعية وقلة الخدمات ، إضافة الى عوامل نفسية وتراكمات الماضي الأليمة، أوصلت الايزيدية الى يوم 15/شباط/2007 (حادثة الشيخان) ، عندما استقل شابان ايزيدييان فتاة كوردية مسلمة في سيارتهما من عين سفني الى دهوك حسب الأخبار المتداولة آنذاك، وقامت قوات حفظ الأمن باعتقال الثلاثة في احدى نقاط التفتيش بين باعذرة ودهوك.     

 

زرعوا بذرة لو، فلم تنبت!

 

رغم كل ما ذكر من أسباب وحيثيات القضية، ( لو) تعاملت قوى الأمن (الآسايش) وبعض الدوائر الحكومية والحزبية ذات العلاقة إضافة الى أمير الايزيدية مع الحدث ومع أولياء أمر الطرفين (الفتاة والشابين)، لما كانت القضية تتطوروتستفحل - باعتقادنا- الى ما لاحظناه لاحقاً، وما كنا نسمع ب

" حادثة الشيخان" بالشكل الذي رأيناه وسمعنا به، كيف:

 

أ‌-    إذا كان القبض على الشابين الايزيديين والفتاة المسلمة من قبل قوات الأمن خطأً كبيراً، فإن إطلاق سراحهم تحت أية حجة وبذلك الشكل كان الخطأ الآخر الأكثر فداحة، وربما بداية الجريمة من دون أن يقصدوا طبعاً، كون مسؤولي الأمن من أبناء المنطقة ويعرفون حتماً مدى حساسية المسلمين من الناحتين الدينية والعشائرية تجاه الآخرين، كيف تخرج بناتهم مع شباب ايزيديين! هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان مهمة جهاز الأمن هي مراقبة الارهابيين وأعداء الشعب الكوردي الذين يخططون ويعملون لزعزعة الأمن والاستقرار، مهمتهم هي الحفاظ على أمن كوردستان ومواطنيها، هي ليست بشرطة آداب!

ب‌- كان يجب على أميرالايزيدية أن يتصرف بشكل حكيم وهو العارف قبل غيره بخطورة هذه المسائل، ويقوم باحضار الشابين بعد أن طلب منه من قبل والد الفتاة وأقاربها الذين جاءوا الى بيته وطلبوا منه تسليمهما اليهم، وكانت حجتهم (والد الفتاة وأقاربها) دون أن يعلنونها أمامه صراحة " أن الأمير نفسه قام تحت ذريعة (غسل العار) بقتل حفيدته مع شابين ايزيديين في منطقة الشيخان بداية شهر آب/2006! فكيف به يرفض تسليم الشابين الايزيديين اللذان خرجا مع بنتهما اليهم؟!

هذا لا يعني بتاتاً إني مع القتل واللجوء الى قانون الغاب وتسليم الشابين الى تلك المجموعة لقتلهما والانتقام منهما، لكن والجميع يدرك حساسية هذه الحالات في مجتمعنا، كان على الأمير أن يبلغ في نفس اللحظة الجهات الحكومية الحزبية وقيادة أقليم كوردستان ويسلم الشابين الى الحكومة في نفس اليوم وبحضورهم ليسد الطريق تماماً أمام إحتمال قيام أية حادثة مؤسفة بمستوى الذي سمعنا بها لاحقاً؛

ج - كان يفترض بعائلة الفتاة وعشيرتها وأقاربها اللذين تربطهم مع الايزيدية علاقات الجيرة والصداقة منذ زمن طويل، أن يعالجوا تلك القضية الاجتماعية مع عائلة الشابين الايزيديين بمشورة أمير ووجهاء الايزيدية في الشيخان، دون أن يلجأوا الى توسيع دائرتها وتخرج القضية بين عائلتين الى قضية دينية بين الايزيديين والمسلمين؛

ه- (لو) كان القانون قد أخذ مجراه ولعب دوره في حادثة قتل ليزا "16 عاماً" (حفيدة أمير الايزيدية الحالي) وشابين ايزيديين يوم 8/ آب/2006 بشكل بشع بالقرب من الشيخان في محاسبة الجناة، لما كنا نسمع تطاولاً على القانون مرة أخرى وفي قضاء الشيخان نفسها بعد مرور أقل من خمسة أشهر!. جاء قتل هؤلاء المراهقين الثلاثة الذين تقل أعمارهم عن السبعة عشر عاماً في طقس إحتفالي وحشي مقزز تم تصويرها بواسطة الهواتف النقالة، ووصل الخبر الى منظمات حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة والقوات الأمريكية وطالبوا بالتحقيق، إلاّ أن القانون الكوردستاني وبعض المسؤوليين غطوا على الجريمة بحجة علاقتها ببيت الأمير!

 

(( إرتباطاً بالموضوع وللتاريخ أكتب إنني كنت مدعو الى المهرجان الثقافي لمركز لالش/دهوك يوم 13/تموز/2006 القيت فيه محاضرة بعنوان: الايزيدية والكوردولوجيا، أكملت سفرتي الى كوردستان بإقامة بعض الندوات ولقاءات مع فضائية كوردستان ونشاطات أخرى لأغادر بعد ذلك اربيل الى كولن وليس فرانكفورت هذه المرة يوم 8/آب/2006، وأنا في طريقي من كولن الى كوتنكن إذا بمخابرة تلفونية من الشيخان ينقل لي خبر قتل (فتاة) مع شابين ايزيديين في طقس احتفالي وحشي بالقرب من عين سفني، مع ذكر تفاصيل أخرى لا حاجة لنا بذكرها. تألمت من كل قلبي للحادثة المؤلمة وللضحايا الثلاثة وخاصة البنت لأنه تربطني مع والدها وعائلته ومع أخوال المغدورة علاقات جيدة، ولأن البنت كانت بريئة بشهادة الجميع. وقفت صراحة ضد قتلهم ليس كيداً بأحد، بل انطلاقا من مبدأي الرافض للقتل عموماً ولوقوفي الى جانب حرية المرأة ومساواتها مع الرجل، وأخيراً أن تحل هكذا قضايا من خلال القانون وليس من خلال أحكام شخصية وأعراف عشائرية ودينية بالية. وقد عبرّت في أكثر من مكان؛ لو كنت محل الأمير وأملك إقتداره لأعلنت العفو عنهم جميعاً لأسجل بذلك سابقة في تاريخ الايزيدية والمجتمع الكوردي. سابقة في التسامح والعفو عند المقدرة كما يقال. وعبّرت عن رأي هذا لوالد الفتاة صراحة في عين سفني بعد لقائنا أواسط شهر أيلول- حيث رجعت الى كوردستان بدعوة رسمية لأشارك في الكونفرانس الدولي حول الدراسات الكوردية في العاصمة أربيل للفترة من 6-9/9/2006- وكان هادئاً جداً ولن ينفعل وكأنه كان في قرار نفسه مقتنعاً برأي!.   

 

ت‌- الشرقيون عموماً، ونحن الكورد من ضمنهم، نهتم بظواهر الأسباب ونهمل الأسباب الحقيقية سواء عن عمد أو عن دراية. إن أهم الأسباب التي ذكرتها حسب تحليلي، ( لو) تم التعامل معها بشكل عقلاني ومن خلال تطبيق القانون، لما كنا نصل الى أحداث الشيخان وما تلتها. عدم معالجة تلك الأسباب بالطرق المطلوبة، جعلت تفاعلاتها تغلي على نار هادئة بحيث سمعنا ولاحظنا فجأةً خروج الأحداث من السيطرة والإعتداء العلني من جماعات اسلامية متطرفة على الايزيديين ، وإعلان " الجهاد" ورفع تكبيرة "الله أكبر" في سماء الشيخان ضد الكورد "الكفار"!

 

الكيّ لا يزيل أسباب الأمراض المزمنة!

 

إذن بذرة " لو" لم تنبت، ويبدو أن أكثرية الأطراف ذات العلاقة بالموضوع لم تعي ما تخفيه الأيام القادمة، ولم تتحرك بمستوى المسؤولية وحدث ما حدث في الشيخان يوم 15/شباط/2007. ورغم السيطرة على الأوضاع بأمر مباشر من رئيس أقليم كوردستان ومشاركة جهات أمنية وقوى البيشمركه لحفظ الأمن، إلاّ أن التحقيقات لم تأخذ دورها بالشكل المطلوب والحاسم، وبقي العديد من رؤوس إشعال الفتنة- حسب اعتقاد أهالي الشيخان- مطلقي اليدين يتنقلون في الشوارع. لقد ولّد هذا الاعتقاد لدى ايزيديي الداخل والخارج شعوراً بالإحباط ، وتوتراً في الأعصاب، وإضطراباً في العامل النفسي يبحثون عن أية فرصة يفرغون فيها مشاعر الغبن والاهانة الموجودة أصلاً والتي لحقت بهم مجدداً في أي إتجاه كان. كانت الفرصة الأولى الهروب من الواقع ومن الذات، هروب من الداخل الى الخارج ، عندما أعلنت( إدعت) إحدى منظمات اللاجئين من دمشق عن نية أمريكا قبول حوالي 15 خمسة عشرة ألف لاجئ، فهرع معظم الايزيديين الذين يملكون جوازات سفر عراقية الى سوريا لتسجيل أسمائهم لدى تلك المنظمة على أمل قبولهم لاحقاً في أمريكا أو أية دولة غربية أخرى! على أن لا ننسى بأن الكثيرين من الكورد المسلمين أيضاً ذهبوا الى سوريا وسجلوا أسمائهم للحصول على اللجوء في إحدى بلدان الغرب.

وجاء إنفجار البركان الثاني في فترة زمنية قصيرة جداً بعد مرور شهر واثنان وعشرون يوماً  فقط من حادثة الشيخان (15/شباط – 7/ نيسان/2007) وذلك بقتل الفتاة (دعاء دخيل أسود) ذي السبعة عشر ربيعاً والتي ارتبطت كما قيل بعلاقة غرامية مع شاب مسلم (عربي) من نفس منطقتها.

إن الفعل الاجرامي الذي أقدمت عليه مجموعة مجرمة ضالة من شباب بعشيقة وبحزاني بقتل الفتاة المغدورة (دعاء) بطريقة وحشية، أقل ما يوصف كونه " إنتحار أو جلد الذات " الجماعي؛ وهو يشبه الى حد ما تصرفات اولئك الغوغائيين المنتشرين في مناطق الأرض والذين ينتقمون من دمى تشبيهاً برؤساء الدول أو شخصيات بارزة، أو يحرقون الأعلام!! هل كان قتل " دعاء" بهذه الطريقة هي عملية إسقاط حسب مفهوم علم النفس وإنتقام من ظلم الفكر الديني الاسلامي المتطرف على الايزيديين، أم كانت ورائه أسباب أخرى؟

إنه هذا وذاك، وجريمة القتل تلك كانت حلقة من سلسلة طويلة من تراكمات عدة؛ دينية وإجتماعية وسياسية وقانونية ومن مخلفات المجتمع العشائري الذكوري. عليه من السذاجة حصر مثل هذه العمليات والأفعال في سبب واحد، أبدأ من الزاوية السياسية كونه الحاضر غالباً، وأطرح بعض الأسئلة فقط:

 

1-   هل هي من باب المصادفة أن تحدث جريمة القتل يوم 7/ نيسان ( ميلاد حزب البعث)؟!

2-   هل يعقل أن يقوم إنسان ، أو مجموعة ناس، بقتل إنسان آخر بهذه الطريقة الوحشية ، وهذه القساوة (الرجم) إذا لم تكن لديهم سوابق في القتل والتعذيب، وإذا لم يكونو من خريجي الأجهزة القمعية ( الأمن والمخابرات ) ومن منظمة فدائيي صدام؟!

3-   إذا كانوا فعلاً ايزيديين مؤمنين، لماذا صوروا الضحية عارية بالهاتف النقال، وأوصلوا تلك اللقطات الى قيادة الإرهابيين في الموصل سواء نفس اليوم أو بعد ذلك؟!

أليست هذه أسئلة مشروعة يحق لنا طرحها؟.

أما إذا نظرنا الى هذا الحدث من المنظور الديني والاجتماعي، يمكن القول أنه لا أحد يختار دينه بمحض ارادته وحريته، لذا فلا عجب بعد أن يبلغ الانسان سن النضج يبدأ لأسباب عديدة التفكير بتغيير معتقده، أو عدم الايمان بأي معتقد كان. وفي حال حدوث مثل هكذا حالات لا يعني ذلك بتاتاً تحويل الشخص من دين الباطل الى دين الحق. كل قوم بما لديهم فرحون، وتدّعي كل جماعة في هذا الكون أنها على حق ، ودينها هو دين الحق وما سواه على باطل. في الواقع لا وجود للحق والحقيقة المطلقة، وأن جميع هؤلاء لا يجارون الحقيقة,

كما أدنت بشدة قتل " دعاء" بطريقة الرجم الوحشية، أدين في نفس الوقت تلك الأصوات العنصرية الدينية المتطرفة التي ظهرت في الموصل وفي بعض المحطات الفضائية والصحف العربية ومنها الالكترونية مثل: قناة العربية، بصرة نت، جريدة القدس،...التي صورت الايزيديين ك" وحوش وكفرة" لأنهم قتلوا فتاة دخلت دين الحق حسب قولهم.

ليس الايزيديون المتطرفون على حق برجم الفتاة حتى الموت، لأن الديانة الايزيدية لا تنقص بتلك الفتاة ولا هي نهاية الكون، علماً أنها لم تبلغ سن النضج. ولا المسلمين العنصريين المتعصبين على حق عندما يحتكرون " الحقيقة المطلقة" ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها على رؤوس الايزيديين بحجة أن فتاة ايزيدية جاءت الى دين" الحق" وقام الايزيديون بقتلها! ويعتبر هؤلاء من نظرة عنصرية أن من يترك الدين الاسلامي رجلاً كان أم امراة، مرتداً/مرتدة يجب قتله أو قتلها!.

اني على قناعة شبه تامة أن الاهتمام الشديد الى حد الغلو بصيانة المرأة والمحافظة على حسن سلوكها وعفتها ، وأخذ الثأر وغسل العار الى غير ذلك من المصطلحات المتداولة، هي من مخلفات البداوة والعصبية القبيلة قبل أن تكون مفاهيم وتشريعات دينية. فالمرأة كانت عند البدوي وعاء النسب، " فاذا تلوث الوعاء تلوث محتواه به" (د. علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص60)

هذه هي الخلفية التاريخية لمفهوم الموقف من المرأة وجعلها وعاءاً لجميع مفاهيم العفة والشرف والضحية في نفس الوقت دون الرجل. وهي من مخلفات العصبية القبلية البدوية قبل أن تكون لها علاقة بالدين، رغم قناعتي أن الدين مؤسس في جوانب عدة على الكثير من العادات والتقاليد القبلية العشائرية. والرجل في مجتمعاتنا " سوبرمان" لا تتلطخ سمعته إذا أقدم على المنكرات والرذائل ومارس اللواطة، ويبقى جسمه طاهراً لأن الله خلقه على صورته!!.هل كان نفس قتلة " دعاء" يقومون بقتل أحد أخوتهم أو أبناء عمومتهم فيما لو مارس فعلة اللواطة مع نفس الشاب المسلم الذي كان في علاقة غرامية مع "دعاء"؟...لا أعتقد ذلك. إذن ما دام مجتمعنا ذكورياً ولا يلعب القانون الوضعي دوره، ستبقى المرأة الضحية الأولى. فلنعمل جميعاً في القرن الحادي والعشرين من أجل المساواة التامة بين المرأة والرجل ، وأن نصون كرامتها اسوة بكرامة الرجل.ولا ندع "المقدس " الذي يتكأ عليه بعض المفلسين والضعفاء ، أن يلغي عقلنا، وبالغاء العقل سوف تنحدر القيم الانسانية الى الهاوية ويحل الخراب الدنيا!.( مقطتفات من مقال: من آفغانستان الى ايزيدخان، تنتقل عدوى طالبان!!)

بالمناسبة أدانت قطاعات واسعة ومن موقع مسؤوليات متعددة حادثة قتل " دعاء" وغيرها، وفي مقدمة هؤلاء استنكر الوزراء والبرلمانيين والمسؤوليين الايزيديين حادثة بحزاني في بيان بتاريخ 19/4/2007، وبيان استنكار من قبل غالبية الكتاب والباحثين والصحفيين والفنانييين الايزديين في 21/4 وكذلك نداء وبيان استنكار أخرى بنفس الاتجاه صادر من كتاب ايزيديين ومسلمين. إلاّ أن السؤال الذي يقلقني ويثير لدي الشكوك ؛ لماذا تم تأخير صدور بيان الاستنكار من المجلس الروحاني الى يوم 27/4؟!...أليس تسليم تلك الفتاة المغدرة الى تلك المجموعة المتوحشة محل تساؤل وبعلم من بعض أعضاء المجلس الروحاني؟! لأنه وحسب التصريحات الرسمية لخسرو كوران، نائب محافظ الموصل، تم تسليم "دعاء" بعد نشر خبر علاقتها مع الشاب المسلم الى أحد وجهاء الايزيدية في بحزاني بتعهد خطي بعدم قتلها والاعتداء عليها، مع أخذ تعهد شفهي بنفس الاتجاه من أمير الايزيدية. وحسب العرف العشائري فأن الشخص الدخيل الى بيت آخر يلقي كل الدعم والمساندة الى حد التضحية بالروح من أجل الشخص الدخيل. وهنا كان يفترض بالمتعهدين ؛ إما أن لا يأخذوا عهداً على أنفسهم ويرفضوا مقدماً تبني حماية إنسان/إنسانة ملاحق ، أو أن يكملوا المشوار. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تزداد لدي الشكوك حول تأخير صدور بيان إستنكار الجريمة بإسم المجلس الروحاني لمدة عشروناً يوماً بالضبط، حيث وقعت الجريمة يوم 7/ نيسان وصدر بيان الاستنكار يوم 27/نيسان!!

فوق كل ما قيل، يبقى القانون سيد الموقف، وعليه يوجه النقد لو لم يؤدي دوره، وهنا يقف قانون كوردستان في قفص الاتهام كونه ظلّ صامتاً عن قتل الفتاتين (ليزا) و (دعاء) ، حيث قتل كلاهن أمام أنظار الشرطة وعناصر الأمن ومئات من المتفرجين!!

·      (لو) كان القانون قد أدى وظيفته في محاسبة مرتكبي الجريمة الأولى، لما كنا نصل ونسمع - أغلب الظن- بأحداث الشيخان، ولن تحدث جريمة قتل "دعاء" ومن بعدها قتل (24+2) شخصاً من شغيلة بعشيقة/ بحزاني والشيخان!!

·      إذا كان القانون لا يطبق على الأمراء والبيكات والأغوات ورؤساء العشائر والمسؤولين والكوادر، بل يطبق فقط على الفقراء والغلابة والمعترين، فإن المجموعة الثانية مغضوب عليهم منذ الولادة ، يولدون ولا تجد أمهاتهم قطعة قماش نظيفة تلف بها وليدها!

·      لا ننسى أن هنالك ( كوميتا كومه لايه تى-اللجان الاجتماعية) في كل مكان، نرجو أن تكون تلك اللجان مساعدة للقانون لا بديل عنها.

 

مهمة الأعلام:

النقطة الأخرى الملفتة للإنتباه ولها علاقة بحادثة قتل "دعاء" ، هو أن الأعلام المرئي بشكل عام والكوردستاني بشكل خاص، لم يتناول الموضوع بشكل موضوعي ومن جميع جوانبه، بل ركز على عملية القتل – المدانة بكل القيم والأعراف- بحيث شوهت صورة الايزيديين جميعاً، ولا نقصد هنا أن ذلك الأعلام كان متعمداً ، وإنما كان فهم وإستيعاب معدي تلك البرامج ليس بالمستوى المطلوب، ولم يدركو أبعاد تعاملهم غير الدقيق مع هكذا مواضيع حساسة. وقد استغل هذا من قبل أعداء الشعب الكوردي ، وأعداء تجربة كوردستان وقاموا بتضخيمها في فضائياتهم وصحفهم. لماذا إذن لم يبث الأعلام العربي، ولم تبث الفضائيات العربية صور الصحفية المغدورة ( أطوار بهجت) التي اغتيلت على أيدي ارهابيين عرب في سامراء بطريقة أكثر بشاعة من طريقة قتل (دعاء)، حيث تم التمثيل بجثتها و...!! لكن كون الفاعلين " مجاهدين عرب" تم التستر عليهم!!

إضافة الى الأداء غير الموفق لبعض الاجهزة الأعلامية الكوردستانية، فان مظاهرة إتحاد نساء كوردستان، كانت هي الأخرى غير موفقة من ناحية الشعار الرئيسي الذي رفعه المتظاهرات والذي اقتصر فقط حول مقتل "دعاء". بحيث يوحي للآخر الغريب أن الايزيديين ماهم إلا مجموعة من المتوحشين يقتلون بناتهم بهذه الأساليب الوحشية! وكان يفترض باتحاد نساء كوردستان وجميع الأخوات المشاركات في المظاهرة أمام برلمان كوردستان أن يدعموا الايزيديين في محنتهم تلك ، ويرفعوا شعار " لا لقتل النساء في كوردستان"! وكان يفترض بالمشاركات أن يدافعن عن حقوقهن بالذات؛ كم منهن تزوجن كرهاً دون رغبتهن، وإذا كانت "دعاء" قتلت وماتت لمرة واحدة، فإن تلك الأخوات في حالة موت مكرر بسبب معاملة ازواجهن السيئة لهن!.وكان يفترض باتحاد نساء كوردستان أن تستنكر مع قتل "دعاء" قتل 533 من أخواتهن الاخريات في كوردستان لعام 2006! ويتذكرن هذه الأرقام التي كشفتها جمعيات ومنظمات حقوقية أجنبية فيما بعد ، وكذلك يذكر تقرير اللجنة التي شكلها وزير حقوق الإنسان في حكومة الإقليم هذه الأرقام المذهلة: (( ...خلال الخمسة أشهر المنصرمة من هذه السنة تعرض 500 امرأة في السليمانية فقط إلى أنواع من القتل والاضطهاد والعنف والحرق والخطف والضرب المتعمد، وتعرضت  1108 امرأة في سنة 2006 في محافظة السليمانية إلى عمليات قتل أو محاولة قتل وحرق وخطف وحالات أخرى من الاضطهاد وفقا للتقرير. وتؤكد جمعيات حقوقية أن اليأس يدفع عشرات النساء إلى حرق أنفسهن هربا من قسوة التقاليد والأعراف العشائرية.     
وكان تقرير وزارة حقوق الانسان أكد في نيسان/ابريل الماضي أن عدد النساء اللاتي انتحرن أو قتلن عام 2005 كان 289 امراة لكنه ارتفع إلى 533 امرأة عام 2006 وازدادت نسبة الانتحار بين الضحايا من 22% سنة 2005 الى 88% عام 2006 وارتفعت نسبة القتل من 4% سنة 2005 إلى 6.34% في 2006 .    
وأشار التقرير إلى أن غالبية النساء اللواتي يتعرضن إلى العنف تتراوح أعمارهن بين 13 و18 عاما، وحدد أنواع العنف الذي يمارس ضد المرأة، بالضرب والاعتداء الجنسي والتهديد بالقتل والسب والقذف والزواج القسري والخطف والابعاد عن الدراسة بالقوة...))

 

 إنتهاز الفرصة الذهبية:

كما أشرنا في المقدمة، كلما اقترب موعد تطبيق المادة 140  كلما استشرس أعداء الكورد وصعدوا من أعمالهم الارهابية، والبحث عن أي منفذ لدق اسفين بين الكورد أنفسهم، خاصة والحالة هذه، استغلال الاختلاف الديني للدخول من خلالها الى خلق الاضطرابات وزعزعة الأمن والاستقرار في كوردستان الآمنة. وقد جاءتهم حادثة قتل " دعاء"  هدية على طبق من ذهب عندما قدم لهم مجرمين مشبوهين صور القتل البشعة ، وإدعى الارهابيون كذباً وبهتاناً أن المقتولة كانت قد أشهرت اسلامها. حيث أصدر "شيوخ" الارهابيين في "دولة العراق الاسلامية" في الموصل فتوى إبادة الايزيديين ، وبدأوا بتنفيذ فتواهم يوم 22/نيسان/2007 بقتل 24 عاملاً ايزيدياً من عمال معمل النسيج في الموصل بشكل جماعي وبربري مع ذبح شرطيين ايزيديين آخرين من الشيخان بعد عدة أيام من تلك الحادثة الأليمة. ولم يتوقفوا عند عملهم الجبان هذا، بل أصدروا فتاوى أخرى بقتل كل ايزيدي يسكن مدينة الموصل، مما اضطرعشرات العوائل وأكثر من ثمانمائة طالب جامعي ترك بيوتهم ومقاعد دراستهم الى الماكن الآمنة في كوردستان.

 

المشهد السياسي: كيف نقراءه، وكيف نتعامل معه؟

 

1-   الارهاب لا دين ولا إيمان له. الارهاب آفة العصر، سرطان القرن الحادي والعشرين، أنها حرب عالمية ثالثة بين الحضارة والتقدم بكل معانيها وبين التخلف والظلامية والعنصرية بكل معانيها؛

2-   يتطلب من جميع الكورد ( الايزيديين، المسلمين، الكاكائيين، المسيحيين، الشبك) وكذلك العرب الديمقراطيين والوطنيين الوقوف صفاً واحداً بوجه الارهاب والارهابيين، لأن الإرهاب لا يفرق بين هؤلاء، ورؤوسهم جميعاً مطلوبة للإرهابيين ومشاريع القتل في أي وقت كان، إذن جميع الكوردستانيين في مركب واحد؛

3-    أيهما أهم: الأرض والوطن، أم المعتقد والدين؟ صحيح لا يمكن تجريد المجتمع من المعتقدات والايمان الديني، إلاّ أن الانسان والشعب الذي لا أرض ولا وطن (بمعنى الكيان) له، لا دين ولا إيمان له! الدين ربما يعطي الانسان الشعور والإطمئنان النفسي ويربطه بعالم غير منظور، أما الأرض والوطن يعطيه كل شئ من معيشه وإطمئنان وهوية وتاريخ...الخ، وبهذا المعنى تأتي أولوية وقدسية الأرض والوطن ويجب:

-     أن يعيش ( أحمد ومحمد وعبدالرحمن مع خدر ولاسو وهفند ، وكذلك مع مرقس ويوخنا ومردخاي..)

-     ليس باستطاعة أحد من هؤلاء مهما وصل به تعصبه الديني أن يغير بسهولة الجغرافيا؛

-     كما ليس بمقدور أحد من هؤلاء مهما كان متعصباً لدينه أن يرفض جاره المخالف له في الدين والمعتقد وما يحمله من أفكار سياسية؛

-     وبهذا فإن كوردستان بمثابة مزهرية مزدانة بجميع أنواع الأديان والمعتقدات تعطيها الجمال والغنى الروحي والفكري؛

-     فوق كل ذلك تعتبر كوردستان تلك الخيمة الجميلة الرحبة الرحيمة التي تحتضن جميع هذا الطيف الجميل من الأديان والمذاهب والاثنيات ولا تفرق بينهم؛

-     لذا فإن هدف العدو الحاقد من بقايا البعث وعناصر القاعدة وغربان العرب ودول الجوار هو زعزعة أمن وإستقرار كوردستان والقضاء على تجربته الفيدرالية؛

-     منذ عام 1991 الى بداية هذا العام لم يتمكن العدو التعرض الى أمن كوردستان ، والنيل من تجربة شعب كوردستان في إدارة نفسه وترسيخ كيانه وبناه التحتية، وجميع محاولاته بائت بالفشل؛

-     انظر الى الفارق الكبير بين وضع العراق العربي وبين كوردستان حتى بداية عام 2007 من جهة الأمن والاستقرار والبناء والخدمات؛

-      ويقوم عدو الكورد من البعثيين والقاعدة ورؤساء الجحوش ومستشاري السرايا بالتآمر على فيدرالية كوردستان وعقد اجتماعاتهم في دول الجوار مثل تركيا والاردن وسوريا ومصر، ويشترك مع هذا المخطط الخبيث العدواني بعض حثالات الايزيديين ممن كانوا عملاء وخدمة النظام البعثي الصدامي المقبور؛

-     كل ذلك من أجل خلق خلاف وصراع بين الكورد الايزيديين والكورد المسلمين كما جرى في حادثة الشيخان وبعشيقة/بحزاني والذي راح ضحيته 26 شخصاً بريئاً، وترك أكثر من 830 طالباً جامعياً دراستهم في جامعة الموصل، كما أدى ذلك الى ترك آلاف العمال الايزيديين خوفاً من الانتقام أعمالهم من زاخو الى السليمانية؛

-     ولم يكتف الارهابيون وأعداء الكورد بقتل الأبرياء وتفريع مدينة الموصل من الايزيديين والمسيحيين، بل فرضوا حصاراً إقتصادياً على منطقة شنكال ولم يسمح إيصال المواد التموينية والمحروقات والخدمات الطبية اللازمة لأهالي المنطقة؛

-     وكانت نتيجة جملة هذه الأوضاع الشاذة سفر أكثر من 50000 خمسين ألف ايزيدي من العراق الى دمشق للتسجيل في دائرة اللجوء ، التي قيل أنها تابعة للأمم المتحدة وتريد سحب عدة آلاف الى أمريكا! أغلب الظن أنها كانت من ضمن خطط التشويه لإثارة بسطاء الايزيديين وخلق نوع من البلبلة قبل الاستفتاء، وكما صدر بعد ذلك من تقرير في أحدى الصحف الكوردية أن تلك المؤامرة كان بطلها أحد شيوخ الشمر الذي لديه مصاهرة مع ملك السعودية، جاء التمويل المالي من النظام السعودي والتنفيذ من الجهات السورية وعلى أراضيها!؛

 

ما العمل إذن، وماهي سبل المعالجة؟

 

نستطيع أن نلخص ذلك في نقاط معددة بالشكل التالي:

1-   يفترض بالايزيديين أن ينتقدوا أنفسهم قبل توجيه أصابع الاتهام للغير، وأن يلتفتوا الى أنفسهم ويقوموا بترميم وضعهم الداخلي حيث أن بيتهم خراب في خراب ليس بامكانه مواكبة العصر والمستجدات على هذه الشاكلة؛

2-   إيجاد لغة تفاهم مع المسلمين وبقية الأديان بدل المواجهة. إذا كانت الولات المتحدة الأمريكية بكل جبروتها حائرة في كيفية مواجهة المدّ الاصولي، فكيف بديانة صغيرة مثل الايزيدية لا تصل تعدادها في العالم كله المليون نسمة من مواجهة أكثر من مليار مسلم!

3-   عمق الايزيدية الاستراتيجي هو الشعب الكوردي بقواه الوطنية وأحزابه العلمانية، وليست أوربا وأمريكا والغرب رغم أهمية منظمات حقوق الانسان والرأي العام في تلك الدول؛

4-   لا بديل لتحسين وضع الايزيدية ورفع الغبن عنهم غير النظام العلماني، ويتجسد ذلك في فيدرالية أقليم كوردستان وكذلك لدى أغلبية الأحزاب الكوردستانية القومية؛

5-   سن قانون من برلمان كوردستان يعترف بجميع الاديان بشكل رسمي ويحترم حريتها جميعها على قدم المساواة ويحرم بموجبه إهانة الأديان؛

6-   وسن قانون آخر من البرلمان أيضاً يجيز للفرد/المواطن من أي دين كان يغير ويختار دينه بدون إكراه ودون أن يقع تحت طائلة الملاحقة والتهديد والقتل؛

7-   التأكيد على التعايش بين جميع الأديان والقوميات صغيرها وكبيرها في كوردستان وعموم العراق وتوعية المواطن الكوردستاني بثقافة التعايش والتسامح وقبول الآخر؛

8-   التأكيد على الرسالة السلمية لجميع الأديان ، وأن يكون الانسان هو مركز الاهتمام؛

9-   أن لا تأخذ ديانة بأكملها، أو مجماميع من معتنقي ديانة ما بذنب بعض المجرمين؛

10-أن يلعب القانون دوره، ويكون السلطان الأول لا يعلو عليه سلطان، ينظر للجميع بميزان

 الحق والعدالة؛

11- إدانة كل جريمة ضد الانسان، خاصة المرأة، والتأكيد على حق المواطنة الكاملة والمساواة

 بين جميع مكونات المجتمع القومية والدينية والمذهبية؛

    12-المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وأن المرأة تملك أمر نفسها كما هو حال الرجل، ولا

يحق لرجل الدين أن يتدخل ويفرض عليها كيفما يشاء؛

    13- تفعيل دور الأعلام وخاصة الفضائيات كي تؤدي دورها الانساني في التوعية ونشر قيم   العدالة والمجتمع المدني وإعتبار الانسان القيمة الأغلى في الكون وتخصيص برامج خاصة

للايزيديين بلهجتهم الكوردية وتطويرها؛

    14- مراعاة خصوصية الأديان الصغيرة، منها الايزيدية، ومحاولة الحفاظ على ديمغرافية مناطقهم     خاصة في منطقتي الشيخان وشنكال؛

    15-دعوة الحزبين الحاكمين في أقليم كوردستان وضع المصلحة الكوردايتية فوق المصلحة    الحزبية في تعاملهم مع شرائح المجتمع المختلفة؛

    16-النظر الى هكذا جرائم، كجرائم ضد الانسانية وعدم حصرها ضمن نطاق دين أو مذهب

 بمفرده؛

    17-تشكيل لجان دائمة من وجهاء ورجال الدين (المسلمين-الايزيديين-المسيحيين-الكاكائيين-

الشبك- المندائيين) للحوار والتباحث باستمرار حول المسائل والخلافات التي تبرز وايجاد حلول لها قبل أن تتعقد؛

 

نقدر عالياً موقف كل كوردي/كردية مسلم (مسلمة) وكذلك من الأخوة والأخوات العرب وغيرهم الذين وقفوا الى جانب أخوانهم الايزيديين في محنتهم ، وإنتبهوا الى خطة الارهابيين في ما يسمى بدولة العراق الاسلامية في بيان صادر لهم يوم 28/نيسان/ 2007 نشره الصحفي (عبدالواحد طعمة الحياة) يعترفون ويتباهون بقتل الايزيديين ال 24+2 شخصاً من أهالي بعشيقة/بحزاني والشيخان ويهددوا ما تبقوا في الموصل بترك المدينة أو إعلان اسلامهم!. حقاً، ورغم الجريمة والمآساة، قدم الارهابيون خدمة كبيرة للكورد ولعملية الاستفتاء، وأعطوا قناعة لأؤلئك الايزيديين "القلقين" والمشبوهين أن لا حياة ولا مكان لهم مع "دولة العراق الاسلامية" ومع الارهابيين من أنصار القاعدة وبقايا حزب البعث البائد.

 

إستنتاج وتوقع:

 

 ماذا كانت فترة الشهرين وسبعة أيام (15/2- 22/4/2007) ، أو ربما من تاريخ 5/آب من عام 2006، تخفيه للايزيدية من مفاجآة لم تكن في البال، وكان وقع تلك الأحداث من القوة لا تقل عن إعصار تسونامي، لأن تلك الأحداث هزّ كيان المجتمع الايزيدي من جذوره!..إذن ماذا يمكن للمرء أن يستنتجه من سير تلك الأحداث الدراماتيكية المأساوية من خلال العرض البسيط أعلاه؟

إذا تركنا أفعال وجرائم الارهابيين بحق الايزيديين عموماً، وبعد مقتل " دعاء" خصوصاً، كون اسلوبهم التكفيري لكل من يخالفهم الرأي والمعتقد معروف للجميع، كما أن نمط حياتهم ودينهم وحتى الاههم يختلف عن الآخرين! نحن لا نناقش ما يتعلق بهم، لكننا نحاول أن نشخص ولو بشكل بسيط الخلل الفكري في نسيجنا الاجتماعي الديني وفي البناء الفوقي الذي تعتبر السياسة والقانون كأحدى إنعكاساته وتجلاياته. هل فعلاً الدين وتعالميه بريئة نظيفة مائة بالمائة مما يحدث من صراعات دموية وغير دموية داخل الدين الواحد وبين الأديان المختلفة؟

كلا طبعاً، حيث أن تعاليم كل دين يحمل بين طياته الكثير من المتناقضات الحادة والصارخة أحياناً، والخفية أحياناً أخرى. فالى جانب الدعوة الى الأخلاق الحميدة والمحبة والتسامح، فان كل دين يحتكر الحقيقة المطلقة ويعتبر ما سواه باطل وربما اعتبار الآخر المخالف كافراً يحلل قتله! ويفرق بين الجنسين، وتكون المرأة هي الضحية الأولى...الخ. ويجعل المجتمع المرأة وعاءاً لجميع مفاهيم العفة والشرف والضحية في نفس الوقت دون الرجل. وتعتبر تلك القيم والاعراف من مخلفات العصبية القبلية البدوية قبل أن تكون لها علاقة بالدين، رغم قناعتي أن الدين مؤسس في جوانب عدة على الكثير من العادات والتقاليد القبلية العشائرية. والرجل في مجتمعاتنا " سوبرمان" لا تتلطخ سمعته إذا أقدم على المنكرات والرذائل، ولا يقتل إذا مارس اللواط مثلاً، ويبقى جسمه طاهراً لأن الله خلقه على صورته!!. وفوق كل ذلك يأتي القانون المستند على الشريعة الدينية يقنن ويبرر تلك الممارسات الشاذة لصالح الرجل وضد المرأة فقط! كل ذلك لأن المجتمعات الشرقية، ومنه مجتمعنا، مجتمع ذكوري مركب على التفكير الجنسي، لا يقبل بالقوانين الوضعية وحينها ستبقى المرأة الضحية الدائمة بين سلطان الدين والمجتمع والسياسة والقانون. فلنعمل جميعاً في القرن الحادي والعشرون من أجل المساواة التامة بين المرأة والرجل ، وأن نصون كرامتها اسوة بكرامة الرجل.ولا ندع "المقدس " الذي يتكأ عليه بعض المفلسين والضعفاء ورجال الدين، أن يلغي عقلنا، وبالغاء العقل سوف تنحدر القيم الانسانية الى الهاوية ويحل الخراب الدنيا!.

 

·     كما صارت مآساة قصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي منعطفاً تاريخاً جديدا دخلت فيه القضية الكوردية بوابة العالم الواسعة ، وصارت بداية نحو إنشاء (الكيان الكوردي) الذي نتلمس آثاره اليوم في فيدرالية كوردستان ، إنه بنفس الشعور أتوقع أن يكون مقتل الفتاتين المعروفتين وما لحقت بذلك من إفرازات وتفاعلات، نقطة فاصلة في تاريخ الديانة الايزيدية، ومن دمائهما ودماء مجزرة بعشيقة/بحزاني سوف تتجدد الايزيدية في المستقبل غير البعيد!!

 

* هذا فصل من كتاب سيصدر في المستقبل 

 


1  هذا المقال ملخص وزبدة  ما يلي: مقابلة  صحفية  معي من قبل الصحفي خدر دوملي يوم 9/ آذار في عين سفني،  لقاء إذاعي من قبل راديو صوت أمريكا الحرة  المتواجدة في  براغ  يوم  21/3 في قصبة عين سفني أيضاً، وآخر لقاء في كان في دهوك يوم 22/ آذار من قبل المؤسسة الاعلامية الجديدة لنوشيروان مصطفى في السليمانية (لا أتذكر اسمها بالضبط)، محاضرتين في غرفة ايزيدخانا كوردستان / لالش يومي السبت 5/5 و 17/5 ، ومحاضرة في غرفة " كوردستانا روزئافاي= غرفة كوردستان الغربية " وأخيراً ً سمينار عام  نظمته لجنة محلية هولندا للحزب الديمقراطي  في مدينة ألميرا يوم 27/5/2007. إضافة الى محتوى المقالين المنشورين لنا، أحدهما تحت عنوان " من من أفغلنستان الى ايزيدخان، تنتقل عدوى طالبان " والآخر " الأررواح البريئة لمجزرة بعشيقة وبحزاني تنادينا لمن نشتكي".

 

 

عودة الى المقالات

 

                   E-mail.: info@khaliljindy.com                  www.khaliljindy.com                      webmaster@khaliljindy.com