موقع الباحث الدكتور خليل جندي رشو

 

  الأيزيدية والوضع الراهن 

 

الدكتور خليل جندي/ جامعة كوتنكن

 

 تعريف

  الأيزيدية هم من بين بقايا مجموعات بشرية قديمة سكنت بلاد ما بين النهرين، أو ما يسمى بميزوبوتاميا وكذلك سكنوا في القسم الإيراني والهندو إيراني، بمعنى أنهم من بين أقدم الديانات الكردية في منطقة الحضارات الكبرى في منطقة الشرق.

يؤمن الأيزيديون بالإله الأوحد وهو ما يؤكده أدبهم الديني، ويؤمنون الى جانب ذلك أشد الإيمان ب’’ طاؤوس ملك’’ ويعتبرونه رئيساً للملائكة ورمزا للخير ومسئولا عن الكون، عكس ما يعتقد به الأديان الأخرى. ويؤمن الأيزيديون أيضاً بتجلي القوة الإلهية( السّر الألهي)  وإنتقال جزء منها الى الأنبياء وأناس صالحين، ولهذا تظهر عندهم أسماء العديد من الأرباب (خودان=xudan أو khudan) المناطة بهم شأن من شئون الدنيا؛ ومن بين أبرز هؤلاء: الشيخ آديScheikh Adi، الملك شيخ سنMelek Scheikh Sin، الملك فخرالدينMelek Scheikh Fekhredin، شيخ شمسScheikh Schams، بير هسن ممانPier Hasan Maman، الملك ناصرالدين Melik Nasirdin ...الخ.

الأيزيدية ليست بديانة تبشيرية وتوسعيه؛ بمعنى يولد الأيزيدي من أبوين أيزيديين ولا تقبل في صفوفها من كان على دين آخر. ويصبح مطروداً من الديانة الأيزيدية- رجلا كان أم إمرأة- من تزوج من دين غير الأيزيدية. حتى أن الأيزيديون أنفسهم لا يتزاوجون جميعهم فيما بينهم، بل توجد خمس مجموعات زواجية متباينة تتزاوج كل منها فيما بينها. وهذه المجموعات الزواجية هي:

1- المجموعة الآدانية: وهم من شيوخ الشيخ حسن( ملك شيخ سن) والشيخ شرف الدين وشيخ موس وإبراهيم الختمي..

2- المجموعة الشمسانية: وتضم جميع شيوخ الشيخ شمس والشيخ فخرالدين، سجادين، ناصرالدين، بابادين، شيخ مند، شيخ بابك،...الخ.

3- المجموعة القاتانية: وتضم شيوخ الشيخ عبدالقادر، شيخ اسماعيل العنزلي، الشيخ أبو بكر،...الخ

4- المجموعة البيرانية: وتضم ذرية 40 أربعين عائلة عريقة يأتي على رأسهم البير حسن ممان.

5- مجموعة المريدين :وهي الطبقة العامة وأكبرها.

كيف حافظت هذه المجموعة الأثنية الصغيرة على هويتها وإجتازت عصور تاريخية كاملة من صراع الشعوب المتباينة وغزوات الدين الإسلامي وعنفه تجاه ما كان يسمى بالديانات غير الكتابية؟! ..هذا ما يقف المرء مندهشاً منه ومعجباً به في نفس الوقت.

إنني لا أنوي كتابة تاريخ الدين الأيزيدي وما حل بهم على أيدي تلك الأقوام التي اتخذت من الاسلام ديناً لها، بل أريد هنا تقييم وضع الأيزيديين بشكل موجز في أماكن تواجدهم وآفاق مستقبلهم.

أماكن تواجد الأيزيديين وتعدادهم:  

يعتبر الموطن الأصلي للأيزيديين كل من كردستان العراق،سوريا وتركيا.كما يتواجدون في كل من أرمينيا وجورجيا ومجموعة قليلة في إيران،ولايعرف بالضبط إن كانوا موجودين في الهند أم لا.

مع أنه لايوجد إحصاء رسمي ودقيق حول الأيزيديين، ألا أنه يمكن إعطاء عدد نفوسهم التقريبي، علماً أن ثقلهم يتركز حالياً في كردستان العراق ويقدرون بأكثر من (500)خمسمائة ألف موزعين على أقضية سنجار والشيخان وزاخو ومحافظة دهوك. أما تعدادهم في كردستان سوريا يصل الى حوالي(30)ثلاثين ألفاً؛ (12) إثنا عشر ألفا منهم يسكنون في منطقة كورداغ بمحافظة حلب[1]. أما في كردستان تركيا فكان تعداد الأيزيديين أكثر بكثير من أيزيدية سوريا(40-50)ألف[2].وفي تبليسي عاصمة جورجيا يعيش(30)ثلاثون ألف أيزيدي[3]. ويربو تعداد الأيزيديين في جمهورية أرمينيا عدة أضعاف عدد الأيزيديين في جمهورية جورجيا في كل الأحوال.

وتأكد لنا أخيراً من وجود أكثر من (6)ستة قرى أيزيدية في منطقة كرمنشاه بجنوب إيران ومركزهم الرئيسي هو قرية كرمين Germien جنوب كرمنشاه.

الأيزيديون في أوربا، أمريكا وكندا وأوستراليا

منذ بداية السبعينات وطبقاً للإتفاقيات المبرمة بين الحكومة الألمانية والتركية وحاجة الأولى الى الأيدي العاملة، بدأ قدوم وجبات من العمال الأيزيديين من كردستان الى ألمانيا.أما في الثمانيات والتسعينات فقد خرجت تلك الهجرة من نطاق البحث عن العمل لتأخذ شكلاً آخراً وتتحول الى هجرة شبه منظمة تحت ظروف إزدياد الإضطهاد الديني-القومي-السياسي، وتتوجه هذه الأعداد الغفيرة طلباً للجوء السياسي والإنساني بحيث أخليت اليوم أكثر من 98% من القرى والمناطق الأيزيدية في كوردستان تركيا ويعيش أغلبهم في ألمانيا ويقدر عددهم ما يقارب (50) ألف نسمة غالبيتهم من أيزيديي تركيا.

كما يتواجد الأيزيديون اليوم، ولكن بأعداد أقل من ألمانيا، في دول أوربية عدة مثل: بلجيكا، هولندا، الدانمارك،السويد، سويسرا، فرنسا، النرويج، النمسا، بريطانيا، كندا، أمريكا ،إضافة الى وجود عدة عوائل في أستراليا.

أوضاع الأيزيديين في موطنهم

 شئ عن الوضع الإجتماعي-الإقتصادي

كان غالبية الأيزيديين في كردستان العراق حتى عام 1975 يعيشون في قرى خاصة بهم وأحياناً مع المسيحيين، ويمارسون مهنة الفلاحة إضافة الى تربية الحيوانات وخاصة الغنم والأبقار، حيث كان مستوى المعيشة دون المتوسط ويتوقف بدرجة أساسية على هطول الأمطار.

وبعد عام 1975 رحلت الحكومة العراقية الأيزيديين عن قراهم بشكل إجباري وأسكنهم في مجمعات ووزعت أراضيهم على العشائر العربية وأسكنوهم في قرى الأيزيدية القديمة. وبذلك فقد الأيزيديون مصدر رزقهم وقبل أن كانوا فلاحين صاروا يؤجرون أراضيهم من العرب ويعملون كعمال زراعين، والقسم الآخر تحولوا الى عمال وبدأوا يبحثون عن عمل في المدن العراقية الكبرى كالموصل وبغداد.

بالرغم من الأوضاع الإقتصادية الصعبة فقد كان الإقبال على المدارس وخاصة الذكور وفي سنوات السبعينات كبيراً، ويوجد حاليا نسبة لابأس بها من خريجي الجامعات والمعاهد ومن ذوي الشهادات العليا لكلا الجنسين، أما الأمية فأنها تنتشر بين كبار السن والأناث.

تعتبر العائلة الوحدة الأساسية والقوية في المجتمع الأيزيدي، وتلعب علاقات القرابة والعلاقات الدينية دوراً متميزاً ويرأس الأب هذه العائلة الى جانب إعطاء دور كبير للمرأة، إضافة الى ذلك فان للعلاقات العشائرية وقربى الدم ثأثير على المجتمع الأيزيدي ويتلمس ذلك بشكل أكثر وضوحاً في مناطق سنجار ودهوك وزاخو وبشكل أقل حدة في مناطق الشيخان وبعشيقة وبحزاني.

الملبس: يتميز الأيزيديون بلباسهم الخاص والذي يميزهم عن لبس القوميات الأخرى. وحتى بالنسبة للأيزيدية أنفسهم فأن لبسهم يتغير من منطقة الى أخرى سواء للرجال أم النساء؛ ففي منطقة سنجار يلبس الرجال اللبس الأبيض وعمة مصنوعة من الصوف يلف حولها خطرة حمراء أو قماش أسود ويلبس البعض الأخر خطرة بيضاء مع عقال( ما يشبة العرب). أما النساء فيلبسن الملابس البيضاء مع لف قطعة قماش بيضاء كبيرة وبشكل دائري حول الرأس والأخريات يضعن فقط قطعة من القماش الأبيض على رأسها.

أما بالنسبة لرجال منطقة الشيخان فانهم يلبسون على الأغلب الملابس البيضاء إضافة الى السروال وما يسمى ب(الدمير) ويضعون على رأسهم الجراوية( الجمداني) الحمراء. وتلبس النساء الفساتين الملونة مع وضع عمامة مدورة وملفوفة ببوشية سوداء، وهذه هي نفس الملابس التي تلبسها المرأة في مناطة دهوك، أما رجالهم فيلبسون (الشال والشبك) الزي الذي يلبسه أغلبية عشائر بهدينان المسلمة.

فيما يخص النساء الأيزيديات في كل من تركيا وجورجيا وأرمينيا، فأن لبسهم لا يختلف كثيراً عن لبس النساء المسيحيات، ولبس النساء الأيزيديات في سوريا يشبه الى حد كبير لبس النساء العربيات وكذلك الحال بالنسبة الى رجالهم فأن لبسهم يشبه اللبس الذي يلبسه الرجال العرب.

ويحتفل الأيزيديون بعدد من الأعياد والطقوس الدينية موزعة على فصول السنة، وأهم هذه الأعياد هو عيد رأس السنة الذي يصادف أول أربعاء من النيسان الشرقي. وعيد خدر ألياس في شهر كانون القاني، وعيد أربعانية الصيف في شهر اوغسطوس/آب، وعيد الجماعية في شهر أيلول وأعياد صوم أيزيد والشيخ شمس وعيد بيلندا-الانبعاث وعيد الباتزمية في شهر كانون الأول والثاني.

 

كردستان العراق/       الأيزيدية ضحايا الصراع العربي- الكردي والأصولية الاسلامية

صحيح كان الأيزيديون خلال العقود الماضية يضطهدون دينيا وقومياً في العراق، ألا أنهم رغم ذلك كانوا يسكنون قراهم ويعملون في أراضيهم وبساتينعم ويمارسون شعائرهم الدينية عند مزاراتهم المقدسة، أما بعد سيطرة حزب البعث على الحكم في العراق عام 1968 فقد وضع في سياسته على أن الأيزيديين يرجعون الى الأصل العربي وأنهم فرقة منشقة عن الاسلام، وعلى ضوء تلك السياسة وضع خططه وبرامجه لتشويه ديموغرافية مناطق سكنى الأيزيدية. ففي 9/5/1975 أصدرت الحكومة العراقية أمرا بترحيل جميع القرى الأيزيدية في منطقة سنجار والبالغ عددها (160)مائة وستون قرية وجمعها بشكل قسري في (12)اثنى عشر مجمعاً؛ (7) سبعة منها في شمال جبل سنجار والخمسة الباقيات في جنوب جبل سنجار هذا إضافة الى ترحيل أيزيدية قضاء سنجار نفسها قسراً الى شمال الجبل وجنوبه وهدموا قراهم وسدوا عيون الماء وصادروا الأراضي الزراعية للعشائر القيرانية ومنحوها للعشائر العربية. وضمن سياسة التعريب غيرت الحكومة العراقية أسماء القرى الأيزيدية الى أسماء عربية.

وبما أن سنجار تعتبر منطقة حساسة تفصل بين العراق وسوريا فقد اعتبرتها الحكومة العراقية منطقة أمنية وعسكرية محظورة، وفي نفس سنة 1975 قامت تلك الحكومة بتجريد الأيزيديين من كل أنواع الأسلحة وسلحت بالمقابل العشائر العربية من جيرانهم. وبنوا في تلك المجتمعات مقرات للحزب الحاكم واجهزة الأمن والشرطة، وفي عام 1982 حاولوا بناء الجوامع الاسلامية، ألا أن الأهالي رفضوا ذلك.

ومن أجل تقليل نفوذ الأيزيدية في سنجار وتقليل الكثافة السكانية قامت الحكومة بضم ثلاث مجمعات سكنية للأيزيديين إدارياً بقضاء البعاج العربية في الجنوب.

وأخيرا أصدر " مجلس قيادة الثورة العراقية" في كانون الثاني/1995 أمراً سرياً بترحيل أهالي سنجار الى قضاء الحضر التي تبعد حوالي 100 كيلومتر الى الجنوب الشرقي من سنجار وتوزيع الأيزيدية بين القرى العربية بغرض القضاء على هويتهم، ألا أن غالبية الأيزيدية هددوا الحكومة باللجوء الى كوردستان أو الى سوريا في حال تطبيق القرار مما جعلت الحكومة تتراجع مؤقتا عن قرارها. وأمام هذا الوضع المزري اضطر الأيزيديون الذهاب الى الموصل وبغداد ومدن العراق الأخرى بحثاً عن لقمة العيش، وهذا ما أدى بالتالي الى تشويه البنية الاجتماعية وزيادة المشاكل والتدهور النفسي.

 

منطقة الشيخان/ ولات شيخ

تعتبر مناطق سكنى الأيزيدية من قضاء الشيخان شرقاً والى دهوك وزاخو في الشمال الغربي، مناطق حساسة واستراتيجية في سياسة النظام العراقي، فهي تقع في نقطة التماس مع جبال كردستان في شمال العراق ملجأ الحركة الكردية المسلحة ونقطة عملها وانطلاقتها ولهذا لجأت السلطة العراقية الى ترحيل الأيزيديين من قراهم وطردهم عن أراضيهم وإحلال العشائر العربية مكانهم وأصدر " مجلس قيادة الثورة" العراقي قراراً برقم 358 في 16/آذار/1978 يقضي بالإستيلاء على جميع الأراضي الأيزيدية وتوزيعها على العرب في منطقة الشيخان، ومارست سياستها هذه منذ منتصف عام 1975 وجمعت الأيزيدية في (9)تسع مجمعات قسرية مع الإبقاء على سبع قرى من غير ترحيل.

تركت هذه السياسة تأثيراً كبيراً على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لدى الأيزيديين وجعلهم يبحثون عن عمل في مدن العراق الكبيرة لاعالة عوائلهم.

 

الأيديون في كوردستان تركيا وسوريا، وفي أرمينيا وجورجيا:

يعيش الأيزيديون في سوريا في منطقتين رئيسيتين الأولى المناطق الشمالية والشمالية الشرقية وفي (44)أربعة وأربعين قرية من محافظة الحسكة ورأس العين وعامودا وتربه سبي(القحطانية)، أما القسم الآخر يعيش في (20) قرية من قرى جبل كورداغ (عفرين) بمحافظة حلب، ويقدر عدد الأيزيديين في سوريا حوالي (30)ثلاثون ألفاً.

ويحاول النظام السوري ومن منظوره القومي العربي أن ينسب هو الآخر الأيزيدية قومياً الى العرب، أما من الناحية الدينية فيعتبرهم فرقة اسلامية ضالة!... ومن الناحية الفعلية، فأن الحكومة السورية تنظر الى الأيزيدية كونهم من الكرد؛ ويعد الكردي هنالك إما مواطناً من الدرجة الثانية( فيما إذا حصل على الجنسية السورية) أو أجنبياً، إذ ليس بامكانه الحصول على الجنسية السورية. وبما أنهم لايملكون الوثائق السورية فليس بامكانهم تبؤ الوظائف المهمة والحساسة في الدولة. ويعد غالبية الأيزيدية من الأجانب وقلة منهم يحملون الجنسية السورية. أما دينياً فان الذي يحالفه الحظ ويدخل أبنائه المدرسة، فأنهم يجبرون على دراسة وتعلم مادة الدين الاسلامي في المدارس.

الظلم الديني على أيزيدية تركيا كان أكثر وضوحاً وشدة من بقية الدول، وهذا ما أجبرهم الى ترك ديارهم وموطنهم واللجوء الى ألمانيا وبقية دول أوربا، ولم يبقى اليوم في تركيا أكثر من (100) مائة شخص أيزيدي أغلبهم من كبار السن، وأخليت مناطق سكناهم في مدياد، نصيبين التابعة لولاية ماردين، وكذلك قرى ويران شهر ومناطق الخالتية في آمد- دياربكر، بحيث يزيد عدد الأيزيديين اليوم في المانيا وحدها على (50) خمسون ألفاً.

وفيما يخص أيزيدية أرمينيا وجورجيا فقد كان وضعهم ومعيشتهم وممارستهم للغتهم وتراثهم الديني أفضل بكثير في عهد النظام السوفيتي السابق، حيث كانت الأقليات القومية والدينية تمارس بعضاً من حقوقها دون هيمنة القوميات الكبيرة، لا حباً من تلك القوميات الكبيرة لحقوق الأقليات وإنما خوفاً من النظام السوفيتي. فقد كان للأيزيدية في كل من ايريفان/ عاصمة أرمينيا وتبليسي/ عاصمة جورجيا إذاعة يبثون من خلالها برامجهم لعدة ساعات. وكانت تصدر لهم مجلة (رييا تازه= الطريق الجديد) إضافة الى فرص العمل وتبؤ المناصب الرفيعة في الدولة والمؤسسات العلمية، وقلت حينها نسبة الأمية بين الأيزيدية وزالت الى حد كبير الفوارق بين الناس بشكل عام وبين الرجال والنساء بشكل خاص ومنع تعدد الزوجات وأصبح حقوق المرأة طبقاً للدستور مصانة...ألا أن إنهيار النظام السوفيتي ألحق ضرراً بحقوق الأقليات القومية والدينية، وإزدادت وتيرة شوفينية القومية الكبيرة واستعلائها. وتنظر هذه القوميات ( الأرمن والكورجيون) اليوم الى الأيزيدية مثلا، على أنهم كانوا حلفاءاً للنظام السابق ولذلك جردوهم من إمتيازاتهم السابقة ووظائفهم الإدارية. أما من الجهة الثانية فأن تنامي الشعور القومي الكردي بين الأيزيدية أنفسهم وخاصة في أرمينيا وظهور بعض تنظيمات الأحزاب الكردية بينهم، دفع قسم من الأرمن المتعصبين بأن ينظروا الى ( الأكراد) بعين الريبة وعلى أنهم شاركوا الأتراك أيضاً في مذابح الأرمن عام 1915.

وبهذه المناسبة أود أن أشير الى بعض الحقائق التاريخية والموقف الانساني الذي وقفه الأيزيديون تجاه الأرمن الناجين من حملة الابادة للنظام العثماني-التركي عام 1915. فقد فرّ حوالي (2000)الفين عائلة أرمنية وسريانية من الدولة العثمانية الى مناطق سوريا وسنجار بين الأيزيدية ووجدوا لهم ملجأ آمنأ عند (حمو شرو) رئيس عشائر سنجار، ومازالت 20عشرون عائلة من تلك العوائل الناجية من الآبادة تعيش في قرى سنجار (ملك- جدالة- خانه سور) ويوجد لهم كنيسة باسم (مار كوركيس) في قضاء سنجار نفسها. أما القسم الآخر من الأرمن والسريان فقد هاجرت تسعة عوائل الى سوريا ومن العوائل المعروفة منها عائلة ( مرشو سبهانMarsho Siphan) وفي فترات أخرى هاجر قسم منهم الى أرمينيا والى أوربا .

وبسبب موقف (حمو شرو) تجاه الأرمن وإيوائه لهم فقد جهز (حجي إبراهيم باشا) والي الدولة العثمانية عام 1917 حملة على (حمو شرو) فدافع عنهم بقوة. وعندما وقع العراق تحت حكم الانتداب البريطاني في نفس عام 1917 التقى السيد (لجمان) مع (حمو شرو) وكرمه لحمايته للأرمن وأعطاه رتبة الباشوية( باشا) وعينه حاكماً على منطقة سنجار وتلعفر.

أن الأوضاع التي ذكرناها بصدد أيزيدية أرمينيا وجورجيا دفعتهم أن يتركوا مناطق سكناهم وينتشروا في جمهوريات بيلوروسيا، أوكرانيا، روسيا،وخاصة في كراسندار وموسكو ولينينغراد، والى كازاخستان وقيرغيزيا ، وأن يهاجر القسم الآخر الى المانيا، فرنسا، بلجيكا واوستراليا...الخ.

أمام صورة وضع الأيزيديين في جميع الدول التي يعيشون فيه يقف المرء أمام حقيقتين ألا وهما:

الأولى/ هو أن هذه الأقلية الدينية والأثنية تغتصب حقوقها من قبل القوميات السائدة وتنتهك حقوقها الدينية ليس من قبل شوفينية القوميات المسيطرة (العرب، الترك، الأرمن والكرج) بل هذه المرة بشكل أكثر ضراوة من قبل أصوليي المسلمين الكرد، وهنا تقف الأقلية الدينية أمام مخاوف جدية في إنقراض تراثها الديني، لابل حتى إنقراضها كأقلية أثنية، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار الوضع القلق الذي تعيشه كردستان بشكل عام وكردستان العراق بشكل خاص. وتكمن مواقف قلق الأيزيدية في الاستفسارات التالية: ماهو الموقف الدولي وموقف أمريكا من كردستان العراق( المنطقة الآمنة)، هل تبقى على هذه الحالة- حالة اللاسلم واللاحرب- أم ستلحق مرة ثانية بالدولة العراقية؟...أم سيعطى لها نوع من الاستقلال؟...وماهو الضمان المقدم للأيزيديين ضمن ذلك الاستقلال؟...

هذا الوضع غير المستقر والمبهم أدى بدوره الى صراع دموي بين الآحزاب الكردية في كردستان العراق( بين الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP والاتحاد الوطني الكردستانيPUK) أو بين KDP وحزب العمال الكردستانيPKK، أو بين الأحزاب العلمانية الكردية والأحزاب الاسلامية الأصولية...وأدى هذا الوضع بالتالي الى نمو وتزايد نفوذ التيار الأصولي الاسلامي الذي بدأ يشهر علناً ومن على المنابر ومن المحافل وخطب الجمعة بالأيزيدية والدعوة الى محاربتهم باعتبارهم ( كفرة لا يعبدون الله ولايعترفون بمحمد) والدعوة الى مقاطعتهم ومنع التعامل معهم.

الحقيقة الثانية/ يعيش الآيزيديون في أوربا في وضع لايعرف نتائجها في المستقبل حيث يتصارع ثقافتان مختلفتان، الثقافة الشرقية بما تحمله من عادات وتقاليد عشائرية وأمراض اجتماعية كالجهل والثأر وتعدد الزوجات والتدين وعدم تقبل الآخر..وبين ثقافة غربية أوربية تختلف تماما عن الثقافة الشرقية، فأي من الثقافتين تسيطر على الآخرى؟!..هذا إضافة الى وجود عامل سياسي وخاصة دور PKK السلبي على الأيزيدية في أوربا والذي يدفع باتجاه تحطيم أواصرالعائلة وتشويه المخزون التراثي الديني الأيزيدي وبالتالي بث التفرقة بين بين أيزيدية تركيا من جهة وأيزيدية كل من العراق، سوريا، أرمينيا وجورجيا وعرقلة عوامل وحدتهم.

وفي عصر العولمة وعصر الديمقراطقية هذه وحقوق الانسان التي تنادي بها دول أوربا وأمريكا وهيئة الأمم المتحدة ومنظمات عالمية كثيرة فأن الأقليات القومية-الأثنية والأقليات الدينية بحاجة ماسة الى المزيد من التكاتف والدعم العالمي لها وتكتسب مثل هذه المؤتمرات أهمية فائقة لتعريف هذه الأقليات بالعالم وتسليط الآضواء عليها.

 

Khalil J. RASHOW

Uni. Gottingen, Seminar fur Iranistik


 

[1]Priess Gisela, An das Verwaltungsgericht Braunschweig, Herrn Richter am VG Kurbjuhn, in 10.2.1997

[2]  Bestandsaufnahme der Restbevolkerung der Volksgruppen, der Kurden Ezidi, jesiden& der Christlischen Assyrer in der Sud ost-Turkei( Kurdistan- Turkei) im Marz 1993

[3]  انظر رسالة مركز ’’ رازيبون’’ الى السفارة الألمانية في تبليسي بتاريخ 18/4/1996.

 

عودة الى المقالات

 

                   E-mail.: info@khaliljindy.com                  www.khaliljindy.com                      webmaster@khaliljindy.com