حينما يراجع
الباحث الاجتماعي والمحلل لسياسي لماضي حركة التحرر الكوردية
وعدم نيل الشعب الكوردي لحقوقه رغم التضحيات الجسام، لا
يحتاج الى عناء بحث في كشف أن العامل الخارجي (الاستعمار
ومصالح الدول الشرقية والغربية) كان العائق الأكبر أمام
عرقلة تطور تلك الحركة وعدم ممارسة شعب كوردستان لحقه في
تقرير المصير وتكوين دولته القومية المستقلة. هذا لا يعني أن
العامل الذاتي المتمثل بقادة الحركة الكوردية وطلائعها
السياسية كان متكاملاً وخالياً من النواقص والأخطاء؛ إلاّ أن
حركات تحررية لشعوب أخرىوفي مستوى تطور إجتماعي اقتصادي
أدنى، وقيادة أضعف من قيادة الحركة الكوردية نالت مبتغاها
ووصلت الى أهدافها في التحرر والاستقلال وتكوين دولها
القومية.
جاءت نشوة
إنتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية في الحرب
العالمية الثانية لتؤثر بجانبيها الايجابي والسلبي على حركات
التحرر ومواقف الأحزاب الشيوعية الحاكمة وغير الحاكمة والتي
تبنت المواقف الستالينية- ومازالت تتبناها- بشأن وحدة ونضال
الطبقة العاملة من قوميات متعددة ومفهوم حق تقرير المصير
للشعوب المظلومة.
ونظرت تلك الأحزاب الى الجهات السياسية الاجتماعية التي
تخالفها في الرأي وكأنها أعداء الشيوعية والاشتراكية ووضعها
في معسكر الأعداء (مع الرأسمالية والامبريالية) ووصمها
بحركات رجعية انفصالية، بحيث أصبحت كلمة "الانفصالية" وكأنها
خطيئة بحق الرب والعباد!! وكان نصيب الحركة الكوردية لابأس
بها من تلك الاتهامات حينما كانت تنادي بالاستقلال وحق تقرير
المصير. ويمكن القول بأن الاحزاب الشيوعية في البلدان التي
تغتصب كوردستان وتحت يافطة الوطن والوطنية ووحدة
التراب،إتخذت وجهتين خاطئتين تجاه حركة شعب كوردستان؛
أولهما: النظر
الى حدود تلك الدول (والتي يعترفون بأنها حدود استعمارية
مصطنعة) كحدود أزلية مقدسة لا يجوز المساس بها والدفاع عنها
مهما كثر وكبُر مآسي شعب كوردستان ولاقوا من مذابح وتنكيل
على يد حكام القومية السائدة ومن يدعمهم؛
ثانيهما: أن
تتبنى الحركة التحررية الكوردية برامجاً وأهدافاً وشعارات
سياسية تنسجم وتوجهات الأحزاب الشيوعية، بمعنى أن تكون ذيلاً
لها، وإلاّ أنها لاتخدم –حسب تفكيرهم- مصالح الطبقة العاملة
والشعب والاشتراكية والسلم في العالم!! أو أنها حركات رجعية
وانفصالية!!.
وكان أمام
حركات الشعوب التحررية إما النضال الى أمام بما تمليها مصلحة
شعوبها وتحمُّل ما تُقال لها من عبارات محفوظة سلفاً، أو
ترضية الأحزاب الشيوعية والنضال تحت شعارات غير واقعية؛
فوصفت أهداف حزب هيوا، حزب رزكاري، حزب شورش وثورة
أيلول/1961 في بداياتها، ومطاليب الأعضاء الشيوعيين في أقليم
كوردستان للحزب الشيوعي العراقي عام 1957 في تكوين منظمة
كوردية خاصة، بالانفصالية والرجعية والسير في مخططات
الامبريالية، وحتى بالخيانة.
كل هذه
العوامل الضاغطة دفعت قادة الحركة الكوردية والبارزاني أن
يبتعدوا بعض الشئ عن مفهوم حركة التحرر الوطني الكوردية التي
تعني بالأساس النضال من أجل طرد المستعمر، سواء أكان ذلك
الاستعمار قادماً من وراء البحار ( البريطاني، الفرنسي،
الأميريكي...الخ) أو " الاستعمار الفقير لجاره" –على حد
تعبير الدكتور عصمت شريف وانلي- وهو إستعمار أنظمة القوميات
السائدة (العربية، التركية، الفارسية) للشعب الكوردي
واحتلاله لوطنه كوردستان والاستيلاء على خيراته وثرواته.
ويعتبر هذا الاستعمار بحق أبشع أنواع الاستعمار وأكثر همجية
ووحشية –قياساً الى الاستعمار "المتحضر" أو " الحضاري"
القادم من طرف العالم الآخر.
شعار الحكم
الذاتي
موت بطئ
لحركة التحرر الوطني الكوردية :
لقد ربطت
الأحزاب الشيوعية في البلدان التي تغتصب كوردستان خطأً
وقسراً بين حق تقرير المصير للشعب الكوردي وانتصار
الديمقراطية في كل من العراق، ايران، تركيا وسوريا. أعتقد
جازماً بأن الديمقراطية هي ممارسة حضارية، وهي كمفهوم سياسي
اجتماعي وحضاري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور مستوى الحياة
الاقتصادية والثقافية والروحية وبتطور مستوى الحياة المادية
والتكنولوجيا في البلد المعني، ويرتبط بالأرث الحضاري لدى
تلك الأمم. أي أنه يرتبط بأسس مادية وليس بالآيديولوجية. كما
أعتقد أن الحديث عن الديمقراطية وإنتصارها في الوقت الحاضر
في بلدان العالم الثالث " البلدان النامية" وَهْمٌ، بل أقرب
الى الخيال بدون وجود الأسس المار ذكره وفي ظل الأنظمة
الاستبدادية والدينية.
وإذا سلمنا
بتحليل الشيوعيين واليساريين، فمن المفترض أن يكون الاتحاد
السوفيتي ذلك النظام "الديمقراطي" الذي دافعنا عنه بحماس
منقطع النظير، أن يكون أول من يعترف بحقوق الأكراد في بلاده
ويمنحه الحكم الذاتي على أقل تقدير، إلاّ أنه اطلعنا على
حقيقة حرمان حوالي مليون كوردي في الاتحاد السوفيتي من ذلك
الحق!!.
مع اعترافنا
وتقديرنا بتعقيد الوضع العالمي والشرق أوسطي وتقسيم كوردستان
بين الدول المارة ذكرها، إلاّ أن نضال الشعب الكوردي ليس من
أجل الحكم الذاتي، بل من أجل إخراج المحتل من أرضه، أي أن
حركة الشعب الكوردي هي حركة تحرر وطنية وليس تحرر قومية،
وأرى أن رفع شعار " إسقاط الأنظمة التي تغتصب كوردستان" –
رغم أهميته- من قبل الأحزاب الكوردية خطأ، بل مضيعة للوقت،
مع التأكيد على عدم التقاطع مع القوى الوطنية والديمقراطية
في تلك البلدان على تحقيق الديمقراطية.
في ضوء هذه
النظرة، فان شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي
لكوردستان" الذي رفعه ويرفعه الحزب الشيوعي وتتبناه معظم
الأحزاب الكوردستانية خجلاً، وللآسباب المار ذكره، هو شعار
خاطئ نظرياً وعملياً. وليست هذه الطروحات "نتيجة الظروف
الصعبة التي يعيشها شعبنا الكوردي في العراق، بل والمنطقة
ككل والارهاب الدموي الذي بلغ في العراق مديات يصعب تصديقها"
أو تنطلق من " منطق قومي انعزالي" كما يعلو للبعض أن يروج له
ويبرره بنفس الأدوات ونفس الجمل، وبنفس العقلية القديمة، بل
أن أحد أسباب هذه الطروحات وهذا السجال حول القضية الكوردية،
حاضرها ومستقبلها، هو نتيجة للتغيرات الجارية في العالم ككل
وتطور الوعي الاجتماعي- السياسي داخل الحركة الكوردية، ووعي
أبنائها والعديد من طلائعها السياسية على أن تأخذ قضيتها
بنفسها بعيداً عن الوصاية. وعلى خطأ شعار " الديمقراطية
للعراق والحكم الذاتي لكوردستان" يمكنني أن أسوق الحجج
التالية:
1-
أثبت تاريخ نضال الشعب الكوردي أن الأنظمة القومية الشوفينية
الغاصبة لكوردستان لا ولن تتنازل طواعية لحقوق الشعب
الكوردي، الحق يؤخذ بالقوة أي الثورة المنظمة، ولا يمكن أن
يعطى هذا الحق هبة في يوم من الأيام، حتى أن دخول بعض
الأنظمة العراقية في مفاوضات مع قادة الحركة الكوردية و
"اعترافهم" ببعض حقوق الكورد في فترات متباينة لم تكن إلاّ
مناورة بسبب ضعفهم أولاً، ولكسب الوقت ثانياً، ليعودوا الى
ضرب الحركة الكوردية مرة أخرى وحالما يقوى مركزهم ويثبت
أقدامهم في الحكم.
2-
القوميون العرب، الترك، الفرس الشوفينيون لا يعترفون أصلاً
بكوردستان كوطن للشعب الكوردي. فالشوفينيون العرب يعتبرون
كوردستان جزءاً من "الوطن العربي" ويشّكون في أصل الأكراد
كشعب متميز، وأفضلهم يعتبرهم أقلية قومية هامشية في أطراف
الوطن العربي الممتد من المحيط الى الخليج. أما الشوفينيون
الترك فلا يعترفون أصلاً بوجود شعب اسمه الشعب الكوردي.
وحكام الفرس يعتبرون الأكراد أحد أحفاد عائلتهم، فلماذا إذن
التمييز!.
3-
يمنح الحكم الذاتي للأفراد "الجماعات" وليس للأرض. لنَقُل
يمنح للمجوعات العرقية التي تركت أوطانها الأصلية وتعيش في
أرض ووطن شعب آخر، مثل الأرمن في منطقة كره باخ وعشرات
الأمثلة الأخرى في جمهوريات الاتحاد السوفيتي. أما كوردستان
هو وطن الكورد يعيش عليه منذ آلاف السنين وهو ليس بأقلية
نازحة على هذه الأرض، بل العرب والترك جاءوا على شكل موجات
غازية بعد الفتح الاسلامي! الكورد لا يعيشون على أرض عربية
وتركية وفارسية كي يطلب الرحمة وارأفة منهم.
4-
ان
مفهوم الحكم الذاتي هو اصلاح اجتماعي داخلي بحت، وان ربط
القضية الكوردية بشعار الحكم الذاتي يفقده البُعد والتأيي
العالمي باعتباره قضية داخلية بين تلك الدول "أنظمتها" وبين
الشعب الكوردي.
5-
اذا
كانت حجة وتبريرات البعض تقول بأن شعار حف تقرير المصير
والمطالبة بتأسيس دولة كوردية تثير الدول المحتلة لكوردستان
والدول المحيطة بها، نقول: ومتى قصرت هذه الدول في ضرب
الحركة الكوردية، هل عندما أسست حلف بغداد "السينتو" عام
1955، أم اثناء التخطيط ل" عملية دجلة" عام 1963، وعملية "
توكلت على الله" عام 1966، أم في عقد اتفاقية الجزائر عام
1975...؟!. وهل ان تلك الانظمة ترعبها شعار الاستقلال أم قوة
الكورد وجبروت ثورتهم؟!...حينما كانت قوات البارزاني الخالد
تصل الى أكثر من مائة ألف مسلح بين بيشمركه وقوات الدفاع
المدني، حينها لم يطالب البارزاني الى استقلال كوردستان، بل
كان يطالب بالحكم الذاتي! ومع ذلك كان ما كان في اتفاقية
الجزائر الخيانية.
6-
ان
شعار الحكم الذاتي المتبني من قبل معظم الأحزاب الكوردية خلق
ويخلق التشويش وعدم الانسجام داخل الحركة نفسها؛ بمعنى ان
بعض قادة الحركة الكوردية ليس لديهم وضوح في مطاليبهم
وشعاراتهم ويخلطون بين الشعارات الستراتيجية والتكتيكية.
واني على قناعة كافية بأنهم غير مؤمنين في قرارة أنفسهم مع
شعار الحكم الذاتي، بل يطلقونها لاعتبارات خاصة. وهذا ما
يخلق ارباكاً في نضالهم السياسي- الجماهيري التعبوي ويفقدون
احترامهم أمام القوى السياسية والاجتماعية ودول العالم.
القوة كانت وستبقى سيدة المواقف، وهي التي تكسب الأصدقاء
وترعب الأعداء!. اخلق قوة تنظيمية، جماهيرية هائلة وهدد
مصالح الدول العظمى في البلدان التي تغتصب كوردستان، سترى
كيف يحسبون لك ألف حساب ويهتمون بقضيتك ويحاولون ايجاد حل
لها!.
7-
اذا
كان الحزب الشيوعي العراقي- كمثال- يقف:
أ-
ضد
اعتبار كوردستان مستعمرة ومحتلة؛
ب-
ضد
تأسيس حزب شيوعي كوردستاني بحجة الأممية البروليتارية ووحدة
الطبقة العاملة العراقية؛
ت-
يعتبر كوردستان الجنوبية/ كوردستان العراق "أقليماً" أو "
منطقة" ؛
ث-
ويربط حل القضية الكوردية بانتصار الديمقراطية في العراق (
مع العلم كان يربط حل هذه القضية سابقاً في خدمة الاشتراكية
والسلام العالمي) وكأن على أكتاف الشعب الكوردي تقف مسألة
انتصار الاشتراكية واستتباب الأمن والسلام في العالم.
ان هذه
الطروحات وغيرها والتي غطت في أغلب الأحيان بغطاء "الأممية"
كان ورائها خلفيات فكرية- سياسية، وهو في الحقيقة عدم
الاعتراف بكوردستان كوطن للأكراد واعتباره جزء من العراق
والعالم العربي! وهذا ما يقودنا الى أن العديد من قادة
وكوادر وأعضاء الحزب الشيوعي لم يتخلصوا بعد من شوفينية
القومية السائدة "العربية". حتى أن القادة الشيوعيون من
الكورد في الحزب الشيوعي يصفون كوردستان ب" المنطقة" أو
"الأقليم" القومي للكورد وليس وطن الشعب الكوردي! وان
اعترافهم بعض الأحيان بحق تقرير المصير، لكن المقيد بعدة
شروط، ليس إلاّ غطاء باسم المبدأ الماركسي- اللينيني،
والحقيقة أن تفكيرهم لا يتحدى شعار الحكم الذاتي.
الى جانب هذه
المآخذ على سياسة الحزب الشيوعي العراقي، فان إهتمامه
ومواقفه ومتابعته للقضية الكوردية هي أفضل وأحسن بعشرات
المرات من سياسة ومواقف الأحزاب الشيوعية في كل من ايران،
سوريا وتركيا، علماً أن الحزب الشيوعي في تركيا بدأ يهتم
بالقضية الكوردية خلال السنوات الأخيرة
حركة
التحرر الوطني
مفهومه... جدليته ... آفاق
يرتبط مفهوم
حركة التحرر الوطني بظرف تاريخي معين. وحركة التحرر الوطني
ليس بتنظيم واحد أو حزب سياسي وحيد على ساحة النضال، بل
يتألف من تيارات متعددة وواسعة لها مهمات وأهداف تناضل من
أجل تحقيقها، وتلتقي تلك التيارات والأحزاب في اطار الحركة
موضوعياً، بل وتعمل داخل تلك التيارات والأحزاب طبقات وشرائح
اجتماعية مختلفة وقوى سياسية وتنظيمية متباينة. وبهذا المعنى
فان حركة التحرر الوطني عليها أن تضم الى جانب الكورد، كل من
الآثوريين، الكلدانيين، التركمان، الأرمن الذين يعيشون على
أرض كوردستان.
وتعني حركة
التحرر الوطني من بين ما تعنيه، أن هنالك وطن مغتصب ومحتل
وشعب يهين كرامته ويشوه تاريخه وتفنى معالمه، وليس مهماً نوع
المحتل/ المغتصب ومكان قدومه ومستوى امكانياته العسكرية
والاقتصادية. اذن المهمة الأولى هي اخراج هذا المستعمر!.
وفي مرحلة
حركة التحرر الوطني، أعتقد ليس من باب الأولويات تضخيم "
الصراع" الطبقي. نعم هنالك تناقض بين مصالح الطبقات، إلاّ
أنها لا تبرز بتلك الدرجة الحادة بل والدموية في هذه
المرحلة. السؤال: كيف نتمكن من جمع شرائح المجتمع المختلفة
حول برنامج موضوعي وواقعي، وعدم القفز فوق الواقع؟ وهل يمكن
القول أن مصالح طبقة معددة هي المسيطرة، أو أن مصالح الطبقة
العاملة تُعبّر عن مصالح كل الشعب وعلى الآخرين
تبنيها؟...أعتقد كلا. وعلينا تعلم فنّ التعامل مع هذه
الأسئلة وغيرها لأن الحياة تطرح الجديد دائماً.
بهذا فان أحد
أسباب فشل الثورات الكوردية وعدم نيل الشعب الكوردي لحقوقه
القومية يكمن في تبنيها ستراتيجاً خاطئاً وقبوله بشعار الحكم
الذاتي، أي حصر قضيته في اطار داخلي مميت. وكان معاداة
الشيوعيين الكورد- انسجاماً مع سياسة الأحزاب الشيوعية-
للبرجوازية الكوردية التي كانت في رَحْم المجتمع بعد، معاداة
مبالغ فيها، بحيث خلق ذلك تشويشاً لشكل النضال في المجتمع
الكوردستاني، لم تستفد منها غير القوى الرجعية والاقطاعية
وأعداء الشعب الكوردي.
في عصرنا
الحالي، عصر التقدم العلمي الجبار،والتفكير والعالم المترابط
وحرية التجارة وقبر سياسة الحرب الباردة...الخ، علينا
استيعاب هذا الجديد في العالم والعلاقات بين الدول والقوى
السياسية ودور المنظمات العالمية وإعادة النظر في الكثير من
المفاهيم والمصطلحات الفلسفية والسياسية والتعامل مع الواقع.
وعلى الطلائع السياسية الكوردية والموردستانية إعادة النظر
في تحليلاتها السياسية والفكرية السابقة، مثلاً تقسيم العالم
الى معسكرين؛ اشتراكي ورأسمالي، الامبريالية، ديكتاتورية
الطبقة العاملة التي جرى على تركيبتها تغيير كبير، الصراع
الطبقي، روافد الثورة العالمية، أصدقاء الحركة الكوردية
وأعدائها، مفهوم الصراع التناحري والتناقض...الخ. ان الحديث
عن أصدقاء ثابتين للحركة الكوردية هو باعتقادي تبسيط وقصر
نظر سياسي. هل يمكننا أن نتصور استقلال بلدنا دون موافقة
أمريكا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا...وما دمنا بصدد (أصدقاء
وأعداء) الحركة الكوردستانية ، من حقنا أن نتسائل: هل مات
آلاف الكورد أطفالاً ونساء وشيوخا وشابات في حلبجه وقرى
كوردستان باسلحة تلك الدول (العدوة) أم كان للاتحاد السوفيتي
ودول اوربا "الاشتراكية الصديقة" نفس النصيب لتزويد النظام
العراقي باسلحة الدمار المتناثر على رؤوس الأبرياء. هذا
ونستطيع أن نسوق عشرات الأمثلة المماثلة! ألم تكن للدول
العربية (الاسلامية) وباسم جامعة الدول العربية وقفت هي
الأخرى مع الوحش "الكيمياوي" ضد أبرياء كوردستان، وأصدر
بياناً تضامنياً أواخر عام 1988 مع النظام العراقي بوجه
الدعاية الامبريالية ضد الشقيقة العراق على حد قولهم، والشعب
الذي يناضل من أجل حقوقه القومية المشروعة.
ألم تكن أجهزة
أعلام النظام السوفيتي الذي وقف مع الجلاد ضد الضحية واعتبر
الادانات التي ظهرت في بلدان الغرب "الامبريالي" ضد النظام
العراق باستخدامه السلاح الكيمياوي في حلبجة واعتبر دعاية
"امبريالية" ضد العراق. وشكك من (150) ألف لاجئ هربوا من
حجيم الكيمياوي ووصفهم (بما يسمى بلاجئين الأكراد في تركيا).
ألا تتفقون معنا أن المعادلة صعبة في تحديد الأصدقاء
والأعداء، المؤمنين والكفار، الحق والباطل...إلاّ أنني
استغرب كثيراً من ذلك، وأقول أن قوة الحركة الكوردية تحدد
أصدقائها، هنالك مصالح الطبقات الحاكمة والدول وخاصة
الصناعية العظمى هي التي تُحكم في مصير العالم والبشرية
وتلوي عنق السياسة والمبادئ والقوانين لتخدم تلك المصالح
وتدفع الكثير من الشعوب، ومنها شعبنا، ضرائب باهضة ومآسي
كثيرة جراء تلك المصالح. وعندما أقول مصالح، فاني لا أضع
تمايزاً كبيراً بين مصالح الدول الغربية والشرقية. بين
أمريكا والاتحاد السوفيتي، ولدي الشكّ على مصطلح ومفهوم "
الأممية" نفسها! فاذا إستفادت بعض حركات التحرر منها، فان
البعض الآخر التي عولت على الاتحاد السوفيتي والتضامن
"الأممي" باعتبارها نصيراً وداعماً للشعوب المظلومة، كان
مصيرها قاتماً كالحركة الكوردية. فبسبب مصالح الاتحاد
السوفيتي مع الدول العربية وتركيا وايران، أهملت القضية
الكوردية، بل وساومت عليها بعض الأحيان، بالطائرات السوفيتية
أخمدت ثورة آرارات عام 1937، وساوم ستالين نفسه على جمهورية
كوردستان "مهاباد" عام 1946 مع السلطات الايرانية لقاء
براميل النفط التي يحصل عليها رغم المساومة؟!...عندما أقول
هذا لا أبرئ أنظمة الدول الرأسمالية الغربية والامبريالية
التي قسمت وطننا كوردستان ووقفت ضد مصالح شعبنا- بطبيعة
الحال العدو لا يرحم- وبذلك يوجه العتاب للأصدقاء وليس
للأعداء!
إذن الجانب
الأهم من نضال الشعب الكوردي تكمن في إعتماده على قواه
الذاتية أولاً، قوى الجماهير بشرائحهم الاجتماعية المتباينة.
ويأخذ المثقفون الديمقراطيون والثوريون دوراً بارزاً في
الوقت الحاضر داخل حركة التحرر الكوردية. وما يبرز الى مكان
الصدارة هو تحديد استراتيجية الحركة في حق تقرير المصير
وتكوين دولة كوردستان والذي يعتقد أنه سيتغلب على التشتت
داخل الحركة وتُجمع الأحزاب والتيارات السياسية الكوردية حول
برنامج نضالي ولخلق الأداة السياسية-التنظيمية-
الاعلامية-الجماهيرية الموحدة. ربما يعتبر البعض هذا من بناة
الخيال وتطرف، بل ركض الى أمام...ليس لديّ وَهْمٌ بأن الطريق
ليس سهلاً ومعبداً، بل المهم أن نخطو خطوات بالاتجاه الصحيح
دون خجل من هذا الطرف أو ذاك. وهل أن مصير شعب يبلغ تعداده
أكثر من ثلاثين مليون نسمة بأقل التقديرات بحاجة الى
مجاملة؟!. تبقى مسألة الأخوة الكوردية-الكوردية ذو أهمية
حاسمة قبل الصداقة الكوردية-العربية، أو الكوردية- التركية
والفارسية (مع كل الاحترام والتقدير للصداقة بين الشعوب). ان
الصداقة الحقيقية والنضال بين القوميات المختلفة ستتعزز عبر
المساواة الحقة والاحترام المتبادل بين الشعوب وليس عبر
الشعارات أو عن طريق اضطهاد الشعب الكوردي من قبل القوميات
السائدة المذكورة أعلاه، أو عبر الاندماج الاجباري معهم.
وستتوثق عرى الصداقة عندما يتم تحرير كوردستان وتتوحد الأمة
الكوردية. وترتبط حرية الأكراد بالضبط في تحرير أرضهم ووطنهم
من براثن الاحتلال. إذ أن أحد أسباب عدم التوازن والاستقرار
في منطقة الشرق الأوسط ناتجة عن تشكيلة خارطتها وتقسيم
كوردستان بين الدول المار ذكرها. وما لم يتم تحرير كوردستان
فلن يكون الشعب الكوردي حراً وسعيداً وكذلك الشعوب المتعايشة
معه، ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية في تلك البلدان وسيكون
الاستقرار والسلام هشاً في هذه المنطقة الحيوية.
إذا كانت
التفسيرات النظرية السابقة للأحزاب الشيوعية تربط بين قضية
الاستقلال القومي ومصالح الطبقة العاملة، فان ذلك خطأ
باعتقادي للأسباب التالية:
أولاً: القضية
الكوردية، أو لنقل حركة التحرر الوطني الكوردستانية، وكما
جرت الاشارة الى مفهومها وتركيبتها، ليس أساسه الصراعي
الطبقي البحت، بل وجود تناقض بين مصالح
الطبقات
والشرائح الاجتماعية بداخله. وليست الطبقة العاملة جيش
الثورة الحاسم وليس بامكانها التعبير عن مصالح كل الشعب.
ثانياً: ان
الكثير من التبريرات التي تسوقها الأحزاب الشيوعية بشأن
القضية الكوردية وتحت واجهة الظروف الموضوعية والتعقيدات
العالمية والعربية..الخ، ماهي إلاّ إنعكاس للحساسية القومية
لدى غالبيتهم وللأسباب المارة ذكرها سابقاً.
ومن أجل ان
تحافظ الأحزاب الكوردية على قرارها السياسي المستقل، فلا أرى
من جدوى ان تربط نفسها في تحالفات مع الأحزاب العمومية لتلك
البلدان، لأن تلك الأحزاب باعتبارها أحزاباً لعموم البلد،
تحاول فرض أفكارها السياسية على الأحزاب الكوردية واقناعهم
بشاعاراتها. الأفضل تكوين علاقات تنسيق وأعمال مشتركة بين
الطرفين دون أن تفقد قيادة الحركة الكوردية استراتيجيتها في
حق تقرير المصير والاستقلال الناجز.
وتكمن قوة
وصواب أية حركة أو ثورة في استراتيجيتها وسياستها المرسومة
على ضوء مصالح أمتها في الاستقلال والتقدم الاجتماعي. يعني
ذلك وحدة قوة الحركة الكوردية واستقلالية أحزابها وتسليحها
بالنظرية العلمية الثورية التي بامكانها انتشال الحركة من
الضعف وتجنبها الانتكاسات الداخلية ودفع الحركة الى واجهة
القضايا الأقليمية والعالمية وخاصة طرحها في لوائح هيئة
الأمم المتحدة والمؤتمرات الخاصة التي تعقد لحل قضايا الشرق
الأوسط.
التحليلات
ووجهات النظر المطروحة تقودني بالتالي أن أتوقف عند قضية
هامة: هل أن هنالك بالفعل "حركة تحرر وطني كوردية أو
كوردستانية" بالمفاهيم والاستراتيجية التي بينت جوانب منها؟
إذا كانت لبعض
الأحزاب الكوردستانية وفي أجزاء من كوردستان تناضل من أجل
(الحكم الذاتي) أو تتجه بعض الرموز الكوردية بالحديث عن
انتصار الديمقراطية فقط في العراق مثلاً، وكأنه الدواء
الشافي لحل القضية الكوردية، أو أن البعض يتحدث عن (الاخوة)
التاريخية بين الكورد والقوميات الأخرى ووجود الروابط
الدينية ووحدة التراب الوطني، لا بل يذهب البعض الآخر الى أن
الشعب الكوردي ليس بمقدوره الآن ممارسة حق تقرير المصير
لوحده نتيجة تخلفه، الى غير ذلك من التفسيرات...نقول إذا كان
هذا الاتجاه هو الغالب سواء في كوردستان العراق أو ايران أو
سوريا، فان مفهوم ( حركة التحرر الوطني الكوردية) تفقد
محتواها وتصبح القضية الكوردية حينها جزءاً من مشاكل ذلك
البلد الذي ينتظر الحل، جزءاً من العملية
الديمقراطية-الاجتماعية التي يجرى النضال من أجل تحقيقها.
وحينها بالذات لا داعي لإراقة تلك الدماء الزكية ولا الكفاح
المسلح وحتى هذا العدد الكبير من وجود أحزاب كوردية
وكوردستانية، بامكانهم حينذاك العمل داخل الأحزاب
العراقية-الايرانية-السورية. لم أذكر هنا كوردستان تركيا لأن
معظم أحزابها رافعة شعار حق تقرير المصير والاستقلال.
على الأطراف والأحزاب الكوردية في جميع الأجزاء التوقف عند
هذه القضية. وإذا التزموا بشعار ( الحكم الذاتي) فحينها
يفترض أن يكتبوا في برامجهم ( الحركة الديمقراطية والتقدم
الاجتماعي الكوردية) بدل " حركة التحرر الوطني
الكوردية-الكوردستانية".