موقع الباحث الدكتور خليل جندي رشو

 

حوار مع مجلة نور لالش، العدد 11   

 

أجرى الحوار: خدر خلات

 

 

د. خليل جندي: على الكورد الايزيديين عدم التعلّق بالماضي و الانطلاق من الحاضر من اجل بناء المستقبل لأنهم يقفون على أعتاب عصر ذهبي.

 

أثناء انعقاد المؤتمر العام العاشر لانتخاب الهيئة العليا لمركز لالش في دهوك، سنحت لنا الفرصة بلقاء العديد من الشخصيات الايزيدية المقيمة داخل الوطن أو خارجه، ولعلّ الدكتور خليل جندي  هو واحد من بين ابرز الشخصيات التي لها باع طويل في مجال الكتابة والبحث والنشر فيما يتعلّق بالايزدياتي، وواحداَ من الروّاد أو من الرعيل الأول الذين مزقوا جدار العزلة التي كانت مفروضة على المجتمع الايزيدي ووضعوا أسس علمية وموضوعية في دراسة وتقييم الفكر الديني الايزيدي، وعلى هذا الأساس التقينا به من اجل إلقاء الضوء على بعض القضايا التي تهمنا جميعاَ..

 

نور لالش: بأسم منتسبي مركز لالش في بعشيقة وبحزاني وبأسم هيئة تحرير - نور لالش - نرحب أجمل ترحيب بالدكتور خليل جندي..

د. خليل جندي: أهلاً وسهلاً بكم..

نور لالش: كيف تنظرون الى المستقبل الايزدي في ظلّ المتغيرات المتلاحقة في عراق اليوم؟

د. خليل جندي: إن سقوط النظام البعثفاشي هو بحدّ ذاته مكسب عظيم للشعوب العراقية ولجميع الأقليّات الدينية والقوى التي تنشد الحرية والديمقراطية وحرية الرأي والتقدم.. واعتقد انه من منظور الإستراتجية الأمريكية فأن القضاء على النظام الديكتاتوري الشمولي في العراق هو المحطة الأولى والاهمّ لبناء مشروع الشرق الأوسط الكبير، والحدّ من التطرّف القومي والديني اللذان يولّدان العنف والإرهاب وتجاوز مفهوم العالم العربي، حيث إن هذا -العالم- لا يعترف بحقوق الشعوب والقوميات غير العربية و لا يعترف بحقوق الديانات غير الإسلامية فيها وتخرق معايير الإنسان، و لا تقبل أن تعيش بسلام مع الدولة الإسرائيلية، وليس غريباً أن نجد ما يجري في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين. فهي من مخلّفات تربية بعثية لمدّة 35 عاماً، غسلت أدمغة ثلاثة أجيال بالكامل، وشوّهت أخلاقيات المجتمع و أدّت الى تدمير الاقتصاد ونشر العنف والإرهاب والجريمة في كل مكان.. إن ما يجري هو من مخلّفات السياسات الطائشة لذلك النظام وهو يتحمّل مسؤوليتها.. وربما الشعوب العراقية ستقدّم المزيد من الضحايا خلال الشهور، بل خلال عدد من السنين القادمة، لكن في كل الأحوال لن يعود الوضع الى ما قبل 9 نيسان 2003 وسيصبح النظام الجديد في العراق رغم  كلّ العراقيل، نموذجاً لبناء نظام شرق أوسطي تراعى فيه المعايير العالمية للديمقراطية وحقوق الإنسان وتداول السلطة سلمياً وتطبيق قانون الاقتصاد الحر...الخ..

وفي خضم هذه التطورات والتوجهات الجارية في العراق والمنطقة ككل، ورغم جميع الصعوبات، فمن الطبيعي أن أنظر بتفاؤل الى مستقبل الكورد الايزيديين،ألا تتفق معي بأن ما تحقق للايزيديين من تعيين وزراء وأعضاء برلمان وقائمقامين ومدراء نواحي في مناطق كوردستان المحررة بعد انتفاضة آذار المجيدة عام 1991، أم بعد سقوط نظام البعث في 9 نيسان 2003 هي دلائل دامغة على طريق ذلك المستقبل المشرق..؟

نور لالش: حسناً يا دكتور بناءاً على هذا الكلام.. برأيكم ما هو المطلوب من الايزيديين في ظل كل ما يجري الآن..؟

د. خليل جندي: انه سؤال مفتوح ومتعدد الجوانب، لكنني سأحاول أن أركز في إجابتي على النقاط والاتجاهات التالية: على الكورد الايزيديين عدم التعلّق بالماضي، بل الانطلاق من الحاضر والعمل من اجل بناء المستقبل، حيث إن التعلّق بالماضي ليس إلاّ موتاً بطيئاً.. و إن أي شعب أو فئة أو مجموعة تمارس ذلك التعلّق بالماضي فهذا يدلّ على أن تفكيرها محدود وإنها لا تستوعب التطور وليس لديها برنامج عمل وبالتالي تبقى انعزالية وتسري الأفكار الأصولية والتعصّب في عروقها.. لذا فأن المطلوب من الكورد الايزيديين وخاصةً من شرائحها المثقفة والمتعلّمة اللجوء الى استخدام العقل، ويجب أن نعرف انه في حالات كثيرة، ليست العبرة في وجود العقل بحدّ ذاته، بل العبرة في طريقة استخدام وتوظيف ذلك العقل، فالعقل كالمظلّة ـ الباراشوت ـ حسب تفكير احد المفكرين العرب ـ لا يمكن استخدامه إلاّ عند فتحه. ويجب على الايزيديين أن يفكروا بعقولهم لا بقلوبهم أو عواطفهم، وعليهم الابتعاد عن لغة الكراهية والتعصّب واجترار الماضي القاسي ـ الفرمانات على سبيل المثال ـ وممارسة عملية جلد الذات والتقوّل - نحن مظلومين..- أو التأكيد دائماً كونهم الضحية، فمن يقول ويكرر ذلك، أعتبره إمّا ساذجاً أو لا يملك برنامجاً ولا يقبل التقدّم، أو إنه يحمل في داخله تربية 35 عاماً من الحقد على كل ما هو غير عربي ويقف بوجه العراق الجديد بمفاهيمه وتوجهاته الديمقراطية والفيدرالية والتعددية وحقوق الإنسان..الخ..

واعتقد إن الايزيديين بعد سقوط النظام الصدّامي يقفون على أعتاب عصر ذهبي وينتظرهم المزيد من المستقبل المشرق وعلى كافة الأصعدة، إلاّ إن ذلك يتطلّب وحدة الصف داخل المجتمع الايزيدي والعمل يداً بيد مع الأحزاب والقوى الكوردستانية وحكومته الشرعية، حيث إن هؤلاء هم عمقنا وأهلنا وحلفاؤنا وضمان تحقيق مطاليبنا، ومن هذا المنظور فانه يقع على عاتق الكورد الايزيديين المشاركة الفعّالة في الانتخابات القادمة والاستفتاء بصوت واحد في انضمام مناطقهم الى فيدرالية كوردستان والى حكومة إقليم كوردستان.

والمطلوب أيضاً من الايزيديين هو أن يعملوا جاهدين على تحريك الوضع الداخلي للمجتمع الايزيدي نفسه، ومحاربة الظواهر السلبية والإقدام على تقبّل إجراء بعض الإصلاحات وتحديد صلاحيات المسؤولين الايزيديين من قمّة الهرم الى بقية أعضاء المجلس الروحاني، ووضع حدّ لظاهرة بيع المقدسات الايزيدية من تأجير لالش والطاووس وغير ذلك من المسائل التي يخجل منها الإنسان وهو يعيش في الألفية الثالثة. لذا أدعو المراكز والمنظمات والشخصيات الخيّرة الايزيدية في داخل الوطن وخارجه للعمل من أجل عقد مؤتمر عالمي بالشأن الايزيدي وفي ظل المستجدات الجارية على ارض الوطن و كوردستان في المستقبل القريب..

نور لالش: عملتم في مجال الايزدياتي من خلال نشر البحوث وإلقاء الندوات الثقافية المتنوّعة منذ 34 عاماً سواء من داخل العراق أو من خارجه، برأيكم أيهما الأفضل.. الخدمة من داخل العراق أو من خارجه، وما هي سلبيات وايجابيات كل حالة؟؟

د. خليل جندي: من الطبيعي إن لكل مكان وزمان ظروفه الموضوعية والذاتية التي تتحكم في حركة الإنسان، إلاّ أنه في الجانب الآخر يتوجب على الذي يريد تقديم خدمة لأبناء شعبه أو قوميته أو أبناء جلدته، أن يضع في حسبانه مواجهة العديد من المشاكل والعراقيل لا بل المخاطر، وفي كل الأحوال يبقى وضوح الهدف ومدى قناعة الشخص المعني لانجاز تلك المهام وتقديم تلك الخدمات ملهماً للاستمرارية. واعتقد إننا في بدايات الطريق، و إن أي إسهام من هنا أو هناك، يعتبر جهداً مشكوراً ـ شريطة أن يصبّ في الصالح العام ويحرّك الأجواء الراكنة وينشر الوعي وينتقد المظاهر السلبية ويستوعب المتغيرات العالمية..الخ..

 ونظراً لميكانيزم المجتمع الايزيدي وطبيعة ديانته فأن العمل في مجال الايزدياتي من الوجهة العامة مترابطة, ولا ننكر إنه في الخارج إن مجال الحركة أكبر والإمكانيات العلمية ومجال الأبحاث أوسع والإمكانيات المادية أفضل بكثير, إلاّ إن كلّ هذا يكون ناقصاً إذا لم يتحلّى الباحث أو الكاتب أو أولئك الذين يقودون المنظمات الثقافية والاجتماعية بالجرأة ونكران الذات واستقامة الشخصية وقوّة التحمّل، وإلاّ سيكون تأثيرنا على تغيير المجتمع نحو الأفضل بطيئاً..

وفيما يخص سلبيات وايجابيات كلّ حالة ـ داخل العراق أو خارجه ـ فاعتقد إن الفارق لم يظهر بشكل بارز، كأن تضع عنواناً لعمل الخارج وآخر للداخل، ويعود السبب باعتقادي الى إن غالبية أفراد مجتمعنا ومن ضمنهم مثقفونا، ما زالوا تحت تأثير بعض عادات المجتمع الشرقي المعرقلة للتطور.

نور لالش: بصفتكم رئيساً لمركز الايزيدية خارج الوطن ومجلة روز الزاهرة والناطقة باسمه، ما الذي تمّ تقديمه للمجتمع الايزيدي في المهجر ولغير الايزيدية من خلالهما..؟

د. خليل جندي: أقول بكل قناعة وبكل تواضع إن تأسيس مركز الايزيدية خارج الوطن في عام 1995 و إصدار مجلة روز هو عملية دخول الى ساحة العمل الايزيدي من الناحية الفكرية والتوجهات والإستراتيجية كظاهرة جديدة لا كظاهرة تقليدية، واستطيع أن أشبهها كمن يرمي حجراً كبيراً في بركة ماء راكد، علماً إنني لا اقلل من أهمية المراكز والاتحادات الايزيدية الأخرى داخل الوطن وخارجه، وتجربة تأسيس مركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك عام 1993 كانت محطة مهمة جداً في العديد من المجالات التي لست بصدد تقييمها، إلاّ إن الذي يهمني التأكيد عليه هو إن مركز الايزيدية خارج الوطن ومن خلال مجلة روز وفعالياته وندواته وبياناته وجريدة -قنديل- لاحقاً ومن خلال خيرة مثقفيه دخل الميدان من مجالات عدّة، خارجية وداخلية.. فخارجياً حاول أن يعرّف الايزيدية بشكل علمي وحضاري وإنساني للشعوب الأخرى، وداخلياً شخّص مواقع الخلل في المجتمع وركّز على أهمية إجراء الإصلاحات في داخل المجتمع، والنظر الى الدين كهوية وخصوصية وحالة إنسانية وتراثية وليس كمجال لزرع التعصّب والكراهية والانعزالية والتخلّف، و إنتقد بشدّة ـ وما زال ينتقد ـ بيع المقدسات الدينية واستغلال المشاعر الدينية لبسطاء الناس. واحتوت مجلة روز بأعدادها ألاثني عشر الصادرة لحدّ الآن مواضيع وبحوثاً قيّمة، فتحت أذهان المثقف والشبيبة الايزيدية على حقول جديدة من تاريخهم وتراثهم ومنهج جديد في التحليل وتقصي بعض الحقائق.

نور لالش: علاقاتكم مع الجامعات الأوربية حسب علمنا هي وثيقة، هل سعيتم الى تسخير تلك العلاقة من اجل الايزدياتي؟ وكيف؟

د. خليل جندي: نعم لديّ علاقات مع جامعات عديدة سواء بشكل مباشر منذ عام 1986 عندما بدأت بالدراسات العليا في معهد الاستشراق وجامعة تشارلس في مدينة براغ، وزادت تلك العلاقات بعد إنتقالي كلاجئ الى ألمانيا الاتحادية عام 1992 حيث قدمت محاضرات في جامعات هانوفر، كوتنكن وهالة، ومن عام 1997 تمّ تعييني مدرساً للغة الكوردية في جامعة كوتنكن / القسم الإيراني وبعدها باحثاً في مجال الايزدياتي وأنجزنا مشروعاً مهماً مع البروفيسور د. فيليب كراينبورك أستاذ الديانات الإيرانية القديمة (الزرادشتية) وهنالك مشروع دراسة ميدانية علمية ثانية حول الايزيدية في طور الانتهاء.

ويعتبر القسم الإيراني في جامعة كوتنكن المعهد الأول تقريباً حول الايزيدية ليس في ألمانيا فحسب، بل في أوربا وحتى أمريكا وكندا، لذا يتوجّه طلاّب وطالبات الدراسات العليا حول الايزيدية الى القسم الإيراني في جامعة كوتنكن، حيث استقبلنا على سبيل المثال طالبة دكتوراه من هنغاريا وأخرى من أمريكا، و الآن لدينا طالبة من روسيا وهي من إيزيدية أرمينيا، كما نقدّم المشورة ونجيب على أسئلة طالب دكتوراه يدرس في لندن وهو إيراني الأصل. ولدي زملاء في جامعة همدان في إيران نشروا لي موضوعاً حول الايزيدية في إحدى دورياتهم العلمية، وكما تعلمون فإننا أقمنا وبأسم مركز الايزيدية خارج الوطن المؤتمر العالمي الأول حول الايزيدية عام 2000 مع إحدى المنظمات الألمانية، وإقامة يوم عالمي بمشاركة معهد الشرق في هامبورغ في خريف عام 2003.

نور لالش: باعتبارك واحداً من قلائل ممن قام بتفسير بعض السبقات الدينية بشكل فلسفي وعلمي  هل إن مناهج تدريس مادة الايزدياتي التي تدرّس في المناطق الايزيدية هي بمستوى ما هي عليه فلسفة الديانة الايزيدية نفسها؟

د. خليل جندي: إنها تجربة جديدة تماماً، تستحق منّا جميعاً كل التقدير والتثمين، إلاّ إن التجارب الجديدة وبشكل عام غالباً ما تتخللها نواقص و لا تكون متكاملة دائماً، وإنها بحاجة الى ملاحظات وإضافات المهتمين بالجانب التربوي لكي يعرضوها على الهيئة المشرفة على تلك المناهج كي تتم تعديلها في الطبعات اللاحقة، هذا من جانب، أما من جانب آخر أعتقد أن الايزيدية قد تخطوا مرحلة الخوف من ضياع تراثهم الديني والاجتماعي، فقد تم جمع وتدوين القسم الأعظم منه ونشر قسم كبير في الكتب والمجلات والجرائد والصحف المتنوعة، وينتظر القسم الآخر دوره للنشر. وقد أشرف الايزيديون على مرحلة أخرى هي مرحلة البحث والتحليل العلمي، ولو أن بعض المحاولات قد تمت هنا وهنالك، إلا أنها في كل الأحوال لا تلبي كل الطموحات.

نحن بحاجة الى قراءة جديدة، ليس للمنهج أو المناهج الدينية فحسب، بل قراءة الايزيدية كمنظومة متكاملة لنشخص فيها مواطن القوة والخلل، ولنجعل من المفاهيم والأفكار الدينية عاملاً مساهماً في تطوير النسيج الحضاري لجميع شعوب وأمم العالم كي تلاءم هذه الأفكار نفسها مع عصر النهضة والتقدم العلمي الهائل في زمننا هذا.

 وعليه فان ليس بالإمكان فهم ومناقشة المناهج الدينية وتلك المنظومة الكاملة دون الحديث عن الوعي الثقافي والاجتماعي  والديني لدى الايزيدية، ودون معرفة التغييرات التي جرت على تركيبة المجتمع الدينية وعلى النص والفكر الديني نفسه عبر تاريخ ما بعد مرحلة الشيخ حسن بن آدي الثاني وكيف استغل القائمون الجدد ورجالات الدين، الديانة الايزيدية لمصالحهم الذاتية، وكيف شوهوا الكثير من المراسيم وخلطوا المفاهيم الاجتماعية بالدينية، بحيث أصبح العرف الاجتماعي عرفاً ديناً والديني أصبح اجتماعياً، وكيف أغلق باب النقاش وتم قتل روح الاجتهاد ووقع كل شئ تقريباً ضمن دائرة - المقدسات-! وأصبحت الايزيدية حقلاً ملغوماً من ألـ- تابو- ممنوعات-، ومنظومة من - الخطوط الحمراء- لا يمكن مسّها أو الاقتراب منها!...فهذا حرام، وذاك لا يجوز لك القيام به، وليس من حقك أن تسأل هذا السؤال، ولا يجوز للآخرين معرفة أسرارنا،...الى غير ذلك من ألـ(لآئات) الذي أصبح سلاحاً بيد الطبقات والمؤسسات الدينية لجئوا إليها لتثبيت نفوذهم ودعم أركان سلطاتهم وسلطانهم، والوقوف أخيراً بوجه الأفكار الجديدة وموجات الإصلاح. ويريد أولئك النفر والمؤسسات التي تتحدث باسم الدين أن تلعب بعقول الناس البسطاء وحرمانهم من أدوات المعرفة. إذن مهمة الكاتب والباحث الحقيقي أن لا يخجل ولا يكون ذو وجهين. الخجل والأقنعة هما من علامات الخوف!

هل حقاً إن النص الديني شئ مقدس لا يمكن مناقشته وتحليله وإبداء الرأي بشأنه؟

إذا قلنا لا، لا يجوز لأحد التقرب من النص وإبداء الرأي بشأنه أو تحليله، حينها يصبح ذلك الدين شيئاً جامداً لا يتقدم ولا يقبل التطور وسيقلل من هيبته ومكانته لدى معتنقيه وسيبتعدون عنه رويداً رويداً.

الشك هو طريق البحث العلمي، ويجب على الكتاب والباحثين أن يتحلوا بالجرأة من أجل إظهار الحقائق ومن أجل أن تكون أبحاثهم رصينة. فالإيمان - بالمعنى الديني- والبحث العلمي شيئان متناقضان. فليس باستطاعة المؤمن أن يكون باحثاً حقيقياً. وكل من يريد أن يخلط الإيمان والبحث معاً، فلا شك أنه يضيّع المشيتين كما يقول الدكتور علي الوردي.

أنا شخصياً لا أريد أن أكون مزاجياً وأن أرضي ما تريده الجماهير الايزيدية حينما أعرف أنهم على خطأ، وأسكت مثلما يسكتون، أو أقول ما يقولونه، أردد ما يرددونه كي يرضوا عني. ككاتب وباحث لأكتب ضمن المنهج العلمي، وأقول ما يملي عليّ ضميري وما أراه يخدم الإستراتيجية ومصالح الايزيديين العامة. إلاّ أنه مع الأسف الشديد فأن ماضينا المثقل بالقيود يعيش في حاضرنا، فنرى الأشياء مقلوباً: نرى الظالم عادلاً، والمنافق حكيماً، والكاذب صادقاً، والكافر مؤمناً والمؤمن كافراً...الخ.

وفي الجانب الآخر مازلنا نرى رجال الدين يرددون نصوصاً وحكايات وقصصاً دون أن يعرفوا مغزاها. ويمجدون أشخاصاً هم سبب تخلفنا، ويؤدون طقوساً لم تكن كذلك في سابق الزمان....

إذن يفترض بنا،بل يجب، أن نفكّ أسر فكرنا ومنهجنا الديني من بعض القيود ونكسر - قدسية - بعض القائمين زوراً على شؤون الدين والدنيا، خاصة أولئك الذين يعطون الحق أن ينصبوا أنفسهم أولياء على العباد ووكلاء الله وطاووس ملك والشيخ آدي على الأرض، ويوزعوا صكوك الأخلاق على الناس دون أن يعرفوا هم شيئاً عن الدين أو أن يضحوا هم من أجل خدمة هذه الديانة.

مع إنني طرحت في مؤلفي الجديد: - صفحات من الأدب الديني الايزيدي = به رن ز ئه ده بى دينى ئيزديان- مطبعة سبيريز/ دهوك، منهجاً جديداً في التحليل وفتحت أبواباً عديدة للكتاب ومحبي العلم لدراسة وفهم ماهية الدين الايزيدي ونظرية جديدة في استيعاب فلسفة هذه الديانة، وبالأخص ضمن موضوعة: - الأسئلة الضائعة: أو كيفية فهم الأدب الديني الايزيدي - ص108-135. إضافة الى كل ذلك ها أنا أجد الايزيديون أنفسهم ليسألوا ماذا يعني:

1-  ألـ - حد و سد - الذي يرددونه يومياً تقريباً؟! هل أنه فعلاً يتعلق بطبقات الزواج لديهم، أم ليس له علاقة بذلك؟

2- الى ماذا يرمز ألـ - طاووس- السنجق - وهل كان مقدساً مثلما نعرفه اليوم، أم أنه كان راية أو علم الإمارة الايزيدية لتمييزها عن الإمارات الأخرى؟! وهل كان يطرح فعلاً في المزاد العلني ليتجول بين القرى والمناطق الايزيدية لجمع أكبر قدر من المال؟!...

السنجق باللغة التركية تعني الولاية أو المحافظة، فكان هذا ألـ - طاووس- السنجق - علماً وراية للإمارة مثلما كان لكل إقطاعية في الغرب ولكل عشيرة شرقية كبيرة في وقت الغزوات رايتها، ومثلما تمتلك اليوم كل دولة من دول العالم هذا العلم، لا بل ويملك كل حزب أو منظمة مهنية أو نقابية أو شركات محلية وعامية أعلاماً خاصة بها.

3-  دعنا نناقش مسألة أخرى في غاية الأهمية من الناحية المنطقية ألا وهو مركز ألـ- مير- أو الأمير. إذا أخذنا بنظر الاعتبار ألـ - سه ما- شكلاً يعكس التوافق بين سلالات المجتمع الايزيدي الدينية، فأين هو موقع -الأمير- في ألـ- سه ما- ومن يمثله فيها؟ قطعاً الشخص الذي يحمل ألـ - تاج و حللة لا يمثل الأمير، فهو سادن لالش ويجوز أن يكون من شيوخ الشيخ حسن أو بيراً من بير أو مرخالا أو مريدا وجميعهم يجب أن يكونوا من يلبس ألـ-خرقة-. فهل رأيت أميراً من أمراء الايزيدية يلبس ألـ-خرقة-؟ في كل الأحوال الذي يمثل الأمير في ألـ- سه ما- هو ألـ- مير حج- ويأتي في المرتبة الثانية أو الثالثة، لماذا إذن يحتكر الأمير اليوم السلطتين الدينية والدنيوية ولماذا يكون معصوماً من الخطأ وخارج دائرة النقد والمحاسبة؟!

ومن الجانب الآخر والمنطقي، فهل نحن بحاجة الى منصب الأمير؟ الأمير كلمة مرادفة للإمارة، فهل لدينا إمارة بحدود وصلاحيات وقوة عسكرية وأعلام- طواويس- سناجق-...الخ كي يكون لدينا أمير يحكمنا؟ نعم كان للايزيدية عدة إمارات في القرن الثاني عشر والثالث عشر وهي: إمارة الشيخان، إمارة الزوزان، إمارة حرير، إمارة شنكال وديار بكر، إمارة حلب وإمارة كليس في سهل سروج، إمارة العمادية، إمارة أربيل ورواندوز، حيث تم القضاء على كل تلك الإمارات بعد القبض على الشيخ حسن وسجنه من قبل بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل. فهل رأيت راعياً من دون قطيع غنم، أو فارساً بدون فرس، أو حارس مرمى بدون ساحة ولاعبين لكرة القدم؟!

ضمن منهجنا ونظامنا الديني، هل هناك من إيزيدي رأى في نفسه الشجاعة أن يسأل نفسه والآخرين عن مغزى وجود منصب الأمير بدون إمارة! وان أصّر البعض ودافع عن هذه الظاهرة، فعلينا إعطاء كل الحق لأبناء أمراء بير حسن ممان والأمير سجادين والأمير آمادين وناصر الدين والأمير شرف الدين وشيخ مند  ومحمد الكردي... ويشكلوا لهم مجلس الأمراء بدون إمارة طبعاً ويديروا الشؤون الدينية وليس الدينية!!

4- هل أجهد بعض رجال الدين أنفسهم وتجرءوا أن يفسروا لنا - سبقه- تقول ( خزينيت شيخادى د جه ب و راستن Xizînêt Shîxadî di chep u rastin)، أليس يتحدث عن الزواج المخالف في ذلك الوقت!

5- لو قرأنا أدبنا الديني بشكل دقيق سنواجه بعض التناقضات الفكرية، على سبيل المثال لا الحصر، يؤكد هذا الأدب على أن الروح أزلية خالدة (هيفينى سونه تى Hêvênê sunetê) وهي لا تموت ومحفوظة في ألـ - قنديل وعليه تؤمن الايزيدية بتناسخ الأرواح  (كراس كوهورين  kiras guhorîn ). فإذا كانت الروح أزلية وخالدة ومن خلق الله، فلماذا نلاحظ في الجانب الآخر من الأدب الديني التأكيد على مفهوم الجنة والجهنم والنار وعذاب الروح؟ أي من المفهومين هو الأقدم لدى الايزيدية : خلود الروح وتناسخ الأرواح أم وجود الجنة والجهنم والنار والعذاب؟!

6- هل يعتبر لالش مجرد مكان مقدس لدى الايزيدية أم له دلالات رمزية أخرى؟ بعد جولتي بين النصوص الدينية وربط بعض الاشارات والرموز هنا وهنالك تبين لي المعنى شبه العلمي الممزوج مع المفهوم السّراني لكلمة  لالش  حينما يقول:

لالش كو د نه زلى

شاخا موحبه تى هنكافته سه رى

عه رش ب ره نكا خه ملى.

لالش كو دهاته

ل عه ردى شين دبوو نه باته

بى زه ينى جيقاس كنياته.

- سه به قا 30-31 ز قه ولى زه بوونى مه كسور

عملية الانبات تحتاج الى توفر عدة عناصر من أهمها: الماء، الهواء، التربة والنور. بقدوم - لالش- من السماء نبتت النباتات واخضوضرت الأعشاب وزين الأرض بجميع الألوان، أليس - لالش- يعني - المطر- الماء- هنا بالاتحاد مع عنصر الهواء وعلاقة ذلك بالمنظور الفكري الذي يجمع بين سرّانية الشيخ آدي والشيخ سن في المثولوجيا الايزيدية.( للتفاصيل راجع حاشية رقم 2 ، ص 239-240 من كتابي الجديد: به رن ز ئه ده بى دينى ئيزديان، الجزء 1). وسوف تجدون في كتابي المذكور أعلاه العديد من الأبواب المثيرة والتي تفتح آفاقاً أمام حركة الفكر والتفكير.

نحن بحاجة الى رؤية جديدة وجهد كبير لدراسة ومراجعة مناهجنا الدينية ولمجمل ميكانيزم عمل المجتمع الايزيدي كي نضع أنفسنا على سكة الحياة الطبيعية ومواكبة التطور والإسهام في نتائج الحضارة الإنسانية الجميلة، وهي حتماً بحاجة الى فريق عمل جرئ ومقتدر يتحمل التضحية.

نور لالش: وهل من كلمة أخيرة للدكتور خليل جندي الى -نور لالش ؟؟

د. خليل جندي: أهنىء من كل قلبي كل كلمة طيبة وجريئة تنير درب هذا الجيل وأجيالنا القادمة من اجل الانعتاق والتقدّم والرفاهية والعيش بسلام مع معتنقي الأديان والمذاهب الأخرى. و أقف مع كل كلمة تدعو الى التسامح والمحبة والتقارب الثقافي بين المجتمعات المتباينة.. فقد ولّى زمن لغة السلاح والإرهاب والخوف، و حلّ زمن العلم والمعرفة والإنسانية، فأرجو وأتمنّى من كتّابنا وباحثينا وصحفيينا أن يتحلّوا بالجرأة في طرح أفكارهم وانتقاد الظواهر السلبية في المجتمع.. وتحياتي الى المشرفين على مجلّة -نور لالش- وأمنياتي لهم بالصحة والنجاح. وشكراً لكم..

 

نبذة مختصرة:

ـ خليل جندي رشو/ من مواليد 15/11/1952 ـ قضاء الشيخان. تخرّج من مدرسة مام رشان الابتدائية عام 1963ـ تخرّج من ثانوية عين سفني (قضاء الشيخان) 1969. حصل على شهادة البكالوريوس في الأدب الكوردي من جامعة بغداد/ كلية الآداب في 1974.يجيد اللغات: العربية، الانكليزية، الألمانية، الفارسية، التشيكية، مع إمكانية التفاهم ببعض اللغات السلافية، بالإضافة الى الكوردية. حامل للجنسية الألمانية. تسرّح من الخدمة  العسكرية الإلزامية في 1976. للفترة من 1976 ـ 1980 قضاها مدرّساً في (تل عبطة) و (كلكجى). 1980 ـ 1984 الالتحاق بصفوف البيشمركة. 1985 ـ 1991 المغادرة الى (تشيكوسلوفاكيا) وتوّلي مهمة رئيس جمعية الطلبة الأكراد في أوربا ـ مركز براغ. في 1/10/1991 الحصول على شهادة الدكتوراه في التاريخ الكوردي الحديث من معهد الاستشراق وجامعة تشارلس في براغ. 1992 اللجوء الى ألمانيا، والحصول على اللجوء السياسي منذ عام 1993.منذ عام 1997 ولحدّ الآن يعمل بصفة باحث ومدرّس ( دوتسينت) في جامعة غيورغ ـ آوغست كوتنكن / القسم الإيراني. منذ عام 1995 ولحدّ الآن يشغل منصب رئيس مركز الايزيدية خارج الوطن، وصاحب امتياز مجلّة روز الناطقة باسم المركز. للفترة من عام 1985ـ 1991 المشاركة في العديد من المؤتمرات والفعاليات العالمية للطلبة والشبيبة ونقل صوت الطلبة الكورد والشعب الكوردستاني في تلك الفعاليات. منذ عام 1970ولحدّ ألآن قام بنشر العشرات من الدراسات والمقالات حول الكورد عامةً والديانة الايزيدية خاصةً داخل العراق وخارجه، في الصحف والمجلات الكوردية والعربية والألمانية وغيرها.

 

الكتب المطبوعة:

ـ ئيزدياتى لبةر روشنايا هندةك تيكستيت ئايينى ئيزديان = الايزيدية في ضوء بعض نصوصها الدينية / بغداد 1979 بالاشتراك مع الأستاذ خدر سليمان.

ـ (حركة التحرر الوطني الكردستاني في كردستان الجنوبية1939  ـ 1968 .. آراء ومعالجات) ستوكهولم 1994.

ـ نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية، مطبعة رابوون 1998.

ـ أدعية الايزيدية، كراسين 1997 كوتنكن / ألمانيا.

ـ بةرن ز ئه ده بىَ دينىَ ئيَزديان ـ أوراق من الأدب الديني الايزيدي، مطبعة سبيريز / دهوك 2004.

ـ الأدب ألشفاهي الايزيدي، باللغة الانكليزية، بالاشتراك مع البروفيسور فيليب كراينبورغ / برلين، ألمانيا.*

 

البريد الالكتروني للدكتور خليل جندي:

krashow@gwdg.de            

khalilrashow@yahoo.com

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة:

 تم اجراء هذا اللقاء في مدينة دهوك على هامش المؤتمر الانتخابي العاشر لمركز لالش في دهوك..وبعد دراسة الموضوع من قبل هيئة التحرير تم الاتصال بالدكتور خليل جندي بواسطة شبكة الانترنت في المانيا لغرض الاجابة على اسئلة اخرى لغرض ان تكون الصورة واضحة للقراء او للمهتمين فيما طرحناه من اسئلة، واذ نعبر للدكتور خليل جندي عن شكرنا وتقديرنا لاستجابته نامل ان نكون قد تمكنا من ارضاء العديد من القراء ممن يطالبوننا باجراء حوارات مع ابرز الكتاب الايزيدية في المهجر.. 

 

عودة الى المقالات

 

                   E-mail.: info@khaliljindy.com                  www.khaliljindy.com                      webmaster@khaliljindy.com