موقع الباحث الدكتور خليل جندي رشو

 

 الديانة الأيزيدية ومستقبل الأيزيديين في حوار مفتوح مع الدكتور خليل جندي رشو والدكتور ممو عثمان[1]

 

أجرت الحوار ايزيدا شنكالى

 

 

يشكل السؤال عن مستقبل الأيزيديين؛ أولاءك الذين مرت عليهم آلاف السنين ضمن حلقة دينية وفلسفة تحارب، ومحيط متضاد مع فكرهم المسالم فصاروا يقاومون ويحاولون بشتى الوسائل مقاومة تقبل الشوائب بحيث تبقى العقيدة على صفائها، يشكل السؤال عن مستقبلهم اليوم، السؤال الأكثر حساسية والسؤال الحي الذي يفرض نفسه في كل لحظة أو جلسة أو حتى إستفسار عن هذه العقيدة.

وبطبيعة الحال فأنه أمر متوقع بكل تأكيد، خاصة والأيزيديون لم يعودوا منغلقين على أنفسهم، إذ باتوا يؤثرون في الغير ويتأثرون بهم ويتوجب عليهم أن يجدوا موقعهم على الرسم البياني، بل ومحاولة ترجيحه لصالحهم. ومركز الأيزيدية خارج الوطن يولي هذا الأمر أهمية بالغة كمحاولة منه لإستقطاب كافة الآراء الدينية - الفلسفية- العلمية حول هذا الموضوع، وبهذا الخصوص نظم المركز عدة محاضرات ونقاشات وتكفلت مجلة روز ROJ بأن تترك حوارا مفتوحا مدونا وقابلا للتدوين على صفحاتها.

ولهذا الأمر أسبابه، فإذا أمعنا النظر نجد أن الديانة الأيزيدية تنظر الى المستقبل نظرة تفاؤل مستمرة، فهي من الديانات التي تبشر بالمحبة، الخير، السلام...والمستقبل المشرق، حتى في نظرتها الى العالم الآخر تنظر اليها نظرة تفاؤل وتحتم شروطا بسيطة، على ما يبدو، لكي يحصل الفرد على الخلود، فكل الذنوب لها أن تعفى- أي ممكن أن تعفى- إذا ما إلتزم الفرد الأيزيدي بثلاثة أخلاقيات وهي : المعرفة، الصدق، والحياء، وهذا ما تظهره المقاطع الدينية التالية:

Feqîrî not û neh erkanî miqerime

Ji not û neha bo xo sêya bielime

 Bab wekî dê li dîwana Mîr kelime

            *          *          *

Erkanek jê nasîne        

Pedsê xo divêne                     

            Pedsê li dila girt bu êqîne

            *          *          *

Erkanek jê rastî           

                   Pedsê ji xo vegûhastî

             Pês miqabilî xo vegûhastî

            *          *          *

                           Erkanek jê heyaye

        Pedsayî ji nik xo kir peydaye

       Ev meclis bi navê wîye avaye

ما معناه:

للتزهد تسعة وتسعون ركنا اساسيا

تعلم منها ثلاثة

سيتمكن الاب كالام التحدث في مجلس الاله

المعرفة هي الاركان

ربنا  ندعوه|يريدها

فيدخل الاله اليقين الى القلب

….

الصدق هو الركن الاخر

فقد جزأه الاله من ذاته

ارسله الرب من قبله

…..

والحياء هو احد الاركان

خلقه الله من عنده

هذا المجلس معمر باسمه

 

( سه به قا 33-34-35-36 ز قه ولى ئاخره تى= المقاطع 33-34-35-36 من قول الآخرة)

 

لكن من جانب آخر، تثبت الإحصائيات والدراسات وجود خطر ما يهدد هذه الديانة وهذا المجتمع بالإنقراض، ان نسبة زيادة السكان ليس متكافئا- كما يقال- حيث قد تكون نسبة الإناث أكبر من الذكور بفارق كبير، رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة بهذا الشأن، لكن الشئ الأكثر أهمية هو أنه مع كل جيل جديد تظهر تساؤلات أكثر حول هذه الديانة في حين تقل المعلومات العلمية.

هل ستستطيع الديانة الأيزيدية أن تصمد عصورا أخرى؟..ماهو رأي الأيزيدية حول موضوع مستقبل ديانتهم؟..ماهو موقفهم من تساؤلات الزمن، الناس، الأصدقاء، الأعداء عن هذا المستقبل، هل هي نظرة تشاؤم أم تفاؤل أم مزيج منهما..؟!

هذه الأسئلة ومجموعة أخرى وضعناها على طاولة الأستاذين د. خليل جندي رئيس مركز الأيزيدية خارج الوطن( ZiAÊ ) و د. ممو عثمان رئيس تحرير مجلة روز في حوار مفتوح...

  * فتوجهت أولا الى الدكتور خليل بسؤالي : هل الديانة الأيزيدية ديانة من تلك الأديان التي تعارض وتحارب التقدم؟!  

فأجابني :  إذا كان المقصود بالتقدم هنا كل ما يصنعه العلم من أجل خدمة وراحة البشرية، من راديو وتلفزيون،أدوات طبية، وسائل النقل البرية والجوية، وأجهزة الإتصالات العالمية من تلفون وكومبيوتر، علم الجينات وعلوم الفيزياء...الخ، فليس من المعقول أن يعارض أي دين هذا التقدم ويحارب تلك المكاسب. أما إذا جرى فهم الدين على أنه تعبير عن وعي الإنسان قبل عدة آلاف من السنين، يؤمن بالقوى الغيبية، وبين العلم(التقدم) الذي يقوم على القوانين والحقائق التي لا تدحض، فهنا وبكل تأكيد نواجه مشكلة أن القديم ليس بإمكانه أن يستوعب الجديد دفعة واحدة.    على العموم لن يستطيع الدين الأيزيدي الوقوف بوجه التقدم وبوجه تكنولوجيا العصر.

وإسمح لي هنا أن أقول أن الدين الذي نريد التحدث عنه هو دين المحبة والالفة، الدين الذي يطلب معتنقوه الخير والبركة لغيرهم قبل أن يطلبوه لأنفسهم، دين يرفض التبشير ولا يعتمد على قوة السيف لنشر مبادئه، ولا يضع نفسه وصيا على الآخرين ويفرض إلهه ومعتقداته الأيمانية على الناس بالإكراه. دين المساواة والعدالة الإجتماعية، لا يريد أن يستغل الغير ويحتلهم فكريا وجغرافيا، دين يضع الإنسان المؤمن به في موقع الصدارة والمسؤول الأول والأخير عن أعماله الصالحة والطالحة، وهو الذي يقوم بتهذيب نفسه من الشوائب في رياضة نفسية بينه وبين فكرته الأسمى وكائنه الأعلى دون رقيب إجتماعي صارم... نحن نتحدث عن دين يحمل معنى الهوية، التراث، العادات والتقاليد، وعن الرادع الأخلاقي البعيد عن الخرافات والتعصب الأعمى. ان دينا يرتكز في نظرته على ,, براءة،، السماء وعطاء الطبيعة لا يمكنه أن يعارض التقدم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان جانبا كبيرا من عادات وطقوس وأعياد الأيزيدية مرتبطة بالطبيعة والتغيرات المناخية والتضاريسية وبحركة فصول السنة وما يجري من تغيرات فلكية...فاليوم وعندما نراجع تلك الطقوس وخاصة الأعياد منها نجد أنها مبنية على أسس التغيرات الفلكية وبدورة الزراعة عندما تعلمها الإنسان في مراحلها الأولى بحيث ألبسها ثوبا  دينيا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عيد الجماعية الذي نحتفل به من ( 23أيلول- 1 تشرين الأول الشرقي) ففي هذا الوقت من السنة تدخل الشمس برج الثور ويبدأ الإعتدال الخريفي، ولهذا السبب كان أسلافنا يقدمون الثور قربانا للشمس لسببين- حسب معتقدهم- الأول : كي تقبل الشمس هذا القربان ويحل عليهم شتاءا قليل البرودة والقسوة، والسبب الثاني: أنه من دم الثور تنبت الحشائش والمزروعات...وكل ذلك يعني إحلال الخير والبركة والسلام للبشرية جمعاء. هنالك العديد من الأمثلة على هذا المنوال. فكيف يصبح الدين الأيزيدي في تعارض مع التقدم إذ أنه، كان وما يزال دين الطبيعة التي تنضج دوما.

 

  *فالتفت الى الدكتور ممو حيث وجهت اليه سؤالي الثاني : هل يعني هذا بقاء الديانة الأيزيدية بهذه الصورة مع مرور الزمن ولعصور قادمة ؟!

فأجابني: إجماليا نعم، ولكن لأجل الإجابة الدقيقة على هذا السؤال يتحتم علينا التعرف على ماهية حقيقة الديانة الأيزيدية ومبادئ فلسفتها، فمن الناحية الجدلية إنعطفت مبادئ ديانتنا خلال( 800-900 سنة) المنصرمة الى مبدأ الفعل ورد الفعل، وقياسا بالمسيحية لم تجر على الأيزيدية حالة تشبه بالفترة التي مرت بها المسيحية عند ظهور اللوثرية.

لتطوير أية فكرة نحتاج مبدئيا الى مبدأ الفعل ورد الفعل، ولهذا أرى أن الوقت مؤاتي لتوضيح بعض النقاط المبهمة في ديانتنا وإرجاع ميزان القوى الى مبادئ توازنها. لا يكفي أن نردد كآبائنا، بأننا نفتخر بديانتنا فقط بكوننا أيزيديين، أن مواجهة أسئلة القرن الحادي والعشرين ورفع مستوى ديانتنا الى مصاف المبادئ العصرية، خاصة ونحن نعلم بأن ديانتنا قد سبقت الديانات الكتابية المسيطرة على العالم باحترامها وعبادتها لعناصر الطبيعة، كما سبقني أخي د. خليل الى ذكر مثال عيد الجماعية والذي يرجع تاريخه الى عصور ما قبل اليهودية والمسيحية.

إن ديانة القرن الحادي والعشرين ربما ستقتصر على إهتمامات العصر بما يناسبها من تكنولوجيا، فمثلا يبدو لنا بأن الانترنيت والتقنية الفضائية قد تكون احدى بؤر الإرتكاز؛يجتمع حولها أناس قد يربو عددهم على عدد معتنقي الكثير من الديانات العصرية.

فبغية استمرارية وحيوية الديانة الأيزيدية وتدوين مبادئ فلسفتها بشكل تتقبلها الأجيال المقبلة ويجمع حولها معتنقوها، ينبغي دمج مبادئ عقيدتها القديمة، بعد تفسيرها وتدوينها، مع تكنولوجيا العلم الحديثة. لقد كان التطور، وسيبقى دائما، مبنيا على آفاق حديثة مستلهمة من روح التراث.

 

*وعدت، طرحت سؤالا آخرا : كيف يمكنني يا د. خليل أن أعرف، ماهو الدور الذي ستلعبوه أنتم المثقفون الأيزيديون، أو يتوجب عليكم أن تلعبوه : هل هو دور تثبيت الديانة الأيزيدية على أسسها القديمة، أم محاولة التأثير على الحلقة المغلقة؟!

 

فأجابني: أعتقد جازما بأن التطور في كل شئ ومنها الطبيعة يأخذ مجراه دون أن يستطيع أحد الوقوف بوجهه، ربما يستطيع الإنسان لفترة زمنية معينة أن يقف عائقا في وجه بعض المسائل الإجتماعية ألا أن صيرورة التاريخ مسألة حتمية، والدين كظاهرة إجتماعية - تاريخية- إيمانية ظهر في فترة محددة وتطور في ظروف ومراحل تاريخية لاحقة بما يتناسب ومستوى التطور الإجتماعي- الإقتصادي - الفكري في كل مرحلة. والديانة الأيزيدية ليست إستثناء من ذلك، ولكن الأيزيدية و مع الأسف أن تكاد تفتقر الى حد الآن الى مسألة الإجتهاد، وفي هذا العصر، عصر التكنولوجيا والتقدم الحضاري الجبار يجب أن نهيئ أنفسنا الى العديد من التساؤلات التي تطرح نفسها، سواء الموجودة بين الديانة الأيزيدية أصلا والتي أصبحت معرقلة لتطور وتقدم الأيزيدية، لا بل تضع مصير الديانة نفسها أمام مخاوف الإضمحلال التدريجي إن لم تعالج بتعقل وفي الوقت المناسب، وهنا أسوق بعض الأمثلة: لا ضير، لا بل من الفخر، التأكيد على أركان الديانة الأيزيدية المتمثلة في إعتقاد الأيزيدية في طاؤوس ملك وعبادته. الإحتفال بالأعياد الأيزيدية وإحياء الطوافات، تجوال الطاؤوس، مراسيم الدفن، التعميد...الخ، تفوح من هذه الطقوس والمعتقدات عبق التاريخ وتعطي للديانة خصوصية و..و..الخ، ألا أنه يلاحظ وجود بعض المسائل التي ألصقت بالدين في ظروف معينة ولأسباب خاصة بحيث أصبحت الكثير منها عوامل معرقلة لتطور الأيزيدية، على سبيل المثال لا الحصر، منصب الأمير الذي يفترض أن يكون رمزا لنكران الذات ، يضع مصلحة الأيزيدية فوق كل إعتبار، يوحد كلمتهم ويدافع عنهم في السراء والضراء، وأن لا يتعاطى السياسة وينظر الى كافة الأيزيديين، بغض النظر الى إنتماءاتهم السياسية والفكرية ومستواهم الإجتماعي كأبناء وبنات له، ولا يستغل سلطته الدينية والدنيوية من أجل إستغلال أبناء جلدته، ولا يستغل النوايا الطيبة لدى الأيزيديين في عمل الخير ودفع النذور والقرابين ، من أجل تأمين المصالح الخاصة أو من أجل الإثراء وتأجير الأشياء والأماكن المقدسة وفي مقدمتهم لالش. ويفترض أيضا أن لا يقف المير بوجه أي نفس إصلاحي يخدم هذه الأقلية الدينية... كما أن العديد من الوظائف الدينية التي تنتقل بالوراثة من الأباء الى الأبناء تدفع بالنتيجة - وفي أحيان كثيرة-أناسا غير أكفاء لا يعرفون من مبادئ دينهم الكثير الى الواجهة. أفلا يحق لنا التفكير بأن يكون شيخ المستقبل ( وهكذا بالنسبة للبير،الفقير، الأمير ، البابا شيخ، البيشيمام...الخ) عالما ومتبحرا بعلوم دينه، مدافعا عنه ومطورا له ؟! وأن يكون على أقل تقدير متخرجا من مدرسة دينية تنشأ لهذا الغرض في لالش المقدس أو قصبة بحزاني أو قرية أخرى.

أما التساؤلات المطروحة على المستوى العلمي العالمي فهي كثيرة جدا تدفعنا نحن الأيزيديين أيضا الى إتخاذ موقف منه أسوة بالديانات الأخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر: ماهو موقفنا من قضية إستنساخ البشر المطروحة اليوم بقوة على الساحة العلمية - الدينية؟!..وبما أن الأيزيديين يعتبرون أن دمهم نقي صاف، فإن إحتاج أحدهم الى عملية نقل دم إنسان غير أيزيدي، ماذا سيكون موقف الدين منه؟!

أمام هذه اللوحة المعقدة والصعبة، وأمام تحديات العصر، يجد المثقف الأيزيدي نفسه أمام مهمة شاقة، حيث يطلب منه أن يتحلى بالشجاعة والدفاع عن الحق والحقيقة أينما وجدت، وأن يشارك في الصحوة الفكرية التي تهدف للحفاظ على الأيزيدية ....

 

*وألهمني الحديث الى طرح سؤال هام على د. ممو : كيف يتحتم على المنابر الثقافية الأيزيدية، كمجلة روز، أن تتفاعل مع فلسفة الأيزيدية، ومع المجتمع الأيزيدي بذاته؟    

 

فأجاب : في الماضي القريب كنا في موقف حرج من أن نواجه سؤالا كهذا، ولكنني الآن أستطيع أن أقول بكل فخر وإعتزاز أن الديانة الأيزيدية لم تقع في أخطاء، التي وقعت فيها بعض الفلسفات الدينية الأخرى. وبالتالي لا أجد حرجا من أن تتفاعل روز مع فلسفة الديانة الأيزيدية تفاعلا علميا، أن الوقت مناسب جدا لنا في تبيان أسس فلسفة الأيزيدية بشكل علمي مبني على جذورديانتنا التي تمتد ألفي سنة على الأقل قبل الميلاد، أن أدعيتنا وطقوسنا الدينية مليئة بالإضاءات والدلائل التي تساعدنا على أن نضع هذه الأسس لفلسفتنا الدينية، ونحن بكل تأكيد نحتاج الى هذا. فديانتنا لا تؤمن بكل وضوح بالغيبيات والوعود التي تعدها الديانات الأخرى، لكن مبدأ تناسخ الأرواح الذي بات موضوعا وجدالا لا يمكن التراجع عنه يضع أسس مبادئ نفسية الفرد الأيزيدي ونظرته الى الحاضر والمستقبل. فالفرد هنا لا يطمح الى الجنة ولا يخاف الجهنم، لكن همه أن يجابه ( طاؤوس ملك) بعد مماته بأعماله الخيرة كي ترجع روحه الصالحة ثانية وثالثة...حتى يتم إرجاع الجزء الى الكل. إن تأثير الديانات الكتابية على المبادئ التي كان الفرد الأيزيدي يؤمن بهان يتجسد في قصة الخليقة( الله والملائكة السبعة= الروح)، لكن العالم المادي المتمثل بالأرض وكواكبها ثم الإنسان الذي هو مزيج من المادة والروح إضافة الى مبدأ تناسخ الأرواح، كلها تتناقض مع ما أتت به الديانات الكتابية من تأثيرات على الديانة الأيزيدية. فالإعتقاد بالجانب الأول ( قصة الخليقة، الملائكة، الإنسان) يعني الإيمان بيوم القيامة أي مفهوم مبدأ البداية والنهاية، حيث تكون الدنيا كما هي الروح بدون نهاية، وهنا تفترق الديانة الأيزيدية عن الزرادشتية التي تعتقد بأن الدنيا تشبه الروح، بدأت من نقطة وتنتهي في أفق لا منتهي.

الديانة الأيزيدية ، برأي، ديانة عملية وعلمية، مبنية على فكرة جمالية لا يراها إلا من يؤمن بها أو يستطيع أن يستوعبها ، والفكرة هذه يجب أن لا تقتصر على فئة، بل أنها بإعتقادي، تنبع من روح طاؤوس ملك الى أجساد تأتي الى الأرض قد لا يكون المؤمنين بها أفراد نفس العقيدة المتواجدة على الأرض، ولنا أمثلة تثبت كل ذلك.

ويضيف الدكتور خليل  : ما دام الحديث يدور حول الفلسفة، فاسمحوا لي بأن أقول : أن الفلسفة كمفهوم تتكون من منظومة كاملة ورؤية شمولية الى الله والى الخليقة والكون، كما أن للفلسفة موقفا من بقية العلوم الأخرى. فهل نمتلك نحن الأيزيديون فلسفة بهذه الشمولية؟!... سؤال يحتاج الى توقف وتمعن، والى المزيد من الأبحاث والمناقشات، ألا أنه يمكن القول، إذا ما رجعنا الى أدبنا الديني وأساطير وقصص الأيزيدية، نلاحظ وجود رؤية وفكر أيزيدي، ربما هي رؤية وفكر أصيلين،الى كيفية تكوين الآلهة والملائكة والخليقة ...الخ وكذلك فكر ومعتقد الأيزيدية الى الموت والحياة...تتجسد كل هذه الأشياء في طقوس وعادات يمارسها الأيزيديون على مر فصول السنة، لا يسعنا ذكرها الان. ما أود قوله هنا أن حضارات الشعوب قد بنيت على أفكار عقدية لإنسان ذلك العصر تجاه قضايا محددة، فعلى سبيل المثال بنيت الحضارة الفرعونية المصرية على فلسفة ما بعد الموت، فنشاهد أنهم قد بنوا الأهرامات قمة في العظمة كقبور لملوكهم ومسكنا لراحتهم الأبدية. أما الحضارة الإسلامية فقد بنيت على مفهوم النص( القرآن) وبالتالي نجد آلاف الكتب والأبحاث تكتب وتنشر على ضوء هذا النص، وبهذا تقدم الفن المعماري الإسلامي وغيره من الفنون المتعلقة (بالنص)...الخ. أما فيما يخص الحضارة اليونانية فقد بنيت على العقل والحكمة. أما حضارة وادي الرافدين_أخص بالذكر منها- السومرية والبابلية والآشورية، فقد نشأت على فلسفة تكوين الآلهة والكون وكيف أن البشر قد خلقوا  لخدمة الآلهة. لقد سقت هذه المقدمة لأصل الى نتيجتين أولهما: أن أولى بذور الحضارة وإنشاء القرى والمدن تبلورت حول الأفكار الدينية البدائية. فكل مدينة سومرية نشأت حول معبد أحد الآلهة التي يرعاها.-واليوم لا تخلو قرية أو قصبة أيزيدية من مزار أو أكثر لأولياءهم الصالحين-.

النتيجة الثانية: أن الديانة الأيزيدية تعتبر بحق الوريث الشرعي لمعتقدات الشرق القديم، وأخص بالذكر المعتقدات القديمة لحضارات ميزوبوتاميا وبلاد ما بين النهرين مع بعض تأثيرات معتقدات شعوب الأناضول وإيران وبلاد الشام ومصر الفرعونية....أمام هذا الزخم الفكري - الإيماني القوي لمعتقدات ما بين النهرين، لا أنفي أو أستبعد وجود تأثيرات متبادلة بين الديانة الأيزيدية والمعتقدات الهندية، ألا أنني أستبعد كليا أن تكون الديانة الأيزيدية قادمة من الهند.

وإذا جاز لنا التحدث عن فلسفة أيزيدية ، يتوجب علينا الجمع بين ما يقوله رجال الدين من تفسيرات وشروحات لأدبنا الديني وقصصنا وأساطيرنا وربط ذلك بالتفسير الواقعي الذي نعيشه يوميا، وهذا ما يدفعنا جديا الى التفكير في إنشاء معاهد تخصصية في المستقبل.

 

*ويضيف الدكتور ممو  : لي رأي آخر في هذا الموضوع، عند التحدث عن أية ديانة، وأخص هنا الأيزيدية، فهناك وجهان للتقارب في هذا الموضوع، أحدهما تاريخي والآخر ميثولوجي. أعتقد بأن فلسفة الديانة الأيزيدية هي أكثر تأثرا بفلسفة الديانة الهندية. فقد ذكر مؤرخون، وأذكر هنا المؤرخ الألماني الشهير ( ماري بويس) المختص في الديانات الشرقية وخاصة الميترائية والهندية بأن أصل هذه الديانة يرجع الى الهند. لقد بدأ الأكراد بوضع أسس فلسفتهم الدينية عندما دفنوا موتاهم، إذ إعتقدوا بأن هذا هو بيت الروح، أما مالدينا من أقوال دينية متداولة، فيعود غالبيتها الى القرن الحادي والثاني عشر. وهناك تأثير متبادل بين فلسفات أديان منطقة الشرق الأوسط، وأخص بالذكر الأديان الأربعة. بإعتقادي، أن نظرتنا الى الله- الملائكة السبعة- الجنة والجهنم- قصة الخليقة، قد تكونت في هذه الفترة، تقربا من مبادئ تلك المنطقة وحفاظا على ديانة آبائنا وأجدادنا، لا أنكر مدى أهمية هذا الغطاء في تلك الفترة، لكنني أؤكد ثانية بأن مبدأ تناسخ الأرواح مرجعه صوفي من أصل هندي، بدا كظاهرة دينية- فلسفية بعد ظهور الخوارج ومدرسة الواسط بن عطاء، إبتداءا بحسن البصري، جنيد البغدادي وحسين الحلاج وحتى وصول الشيخ عادي الذي رسخ مبادئ صوفيته ما بين الأيزيديين.

 

*حاولت مرة أخرى أن أبلور رؤية مستقبلية علمية حول الأيزيديين، فواجهت الدكتور خليل بسؤالي : في عودة أخرى الى واقع الأيزيدية الذين تجزأوا وبانت أشباح الهجرة تدق كل الأبواب حتى تكونت جالية أيزيدية في خارج الوطن- أوربا بالأخص- فهل يمكننا أن نقيس الأيزيديين في داخل أوطانهم وخارجها بنفس الميزان، وإذا قلت بأن هذه الهجرة هي هجرة غير طبيعية نتيجة عوامل الضغط الديني- السياسي- الإقتصادي، فهل يمكن أن يبقى هؤلاء المهاجرين كغيرهم داخل أوطانهم عرضة لنفس الظروف وبالتالي ينتظرون نفس المستقبل؟!

 

فرد د. خليل على سؤالي: قبل الإجابة على هذا السؤال الحساس، يتحتم علينا الإتفاق على مفهوم الدين نفسه، بمعنى هل ننظر الى الدين من ناحية المظهر أم أن الدين هو رياضة نفسية بين الإنسان وخالقه، وأن التقرب الى الله هو ,, الطريق بين إثنين وليس مع الله أحد،، على حد قول حسين الحلاج ؟..هل يفترض على الدين أن يكون قاسيا، متشددا، إرهابيا، ...أم أن يكون متسامحا، غفورا، مسالما،... وإذا كان هناك من جنة وجهنم وآخرة ويوم للحساب، فان الإنسان يتحمل نتيجة أعماله...هذا وجه من المسألة، أما وجهه الثاني- إذا أردنا الدقة- يفترض أن تنطبق شروط ومبادئ وواجبات الدين على الجميع بدون إستثناء، ربما من الصعب التحدث عن دين للداخل وآخر للخارج، ولكن مع ذلك لكل قضية أحكامها. بإعتقادي ان الكثير من المسائل التي ذكرتها بشأن الدين لم تحسم على مر التاريخ بالنسبة لكافة الأديان- باستثناء بعض المخارج التي أوجدها الدين المسيحي والإسلامي لتجاوزات معتنقيهم- حيث ينظر الى الدين لحد الآن من حيث المظاهر الخارجية.

أضرب بعض الأمثلة من الواقع، لقد كانت بعض العلامات المميزة للأيزيديين هي: الشوارب، الطوق( كريفان)، الإمتناع عن أكل بعض الخضر واللحوم...الخ فإذا طبقنا هذه النقاط الثلاثة فقط على أيزيدية خارج الوطن فإننا لن نستثني أكثر من (1%) ممن يقترف ,, هذا الخطأ،، .السؤال إذن: هل نحرم أكثر من ( 60000)ستون ألف أيزيدي يعيشون في ألمانيا وبقية البلدان الأوربية إضافة الى أضعاف هذا العدد من الأيزيديين الذين يعيشون في جمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق. ثم هناك أشياء أكثر خطورة : هل نستطيع أن نعتبر قتل الأيزيدي لبني جلدته بدون حق حلالا ؟!!... ماهو الموقف من ,,أيزيدي،، يحمل علامات الأيزيدي من شوارب ولحى والطوق...الخ لكنه يمارس في الخفاء والعلن شتى المحرمات والمحظورات الأخلاقية؟!! وماهو الموقف من أحدهم قد أسلم قبل أكثر من (30) عاما ورجع ,,نادما،، وتزوج من بنت أيزيدية وبعض مسؤولوا الأيزيدية الدينين يزوره ويحترموه !!.. كل هذه الأسئلة وعشرات غيرها تضعنا أمام مفهوم الدين. إذا تم حسم هذه المسائل وتبلورت نظرة وموقف موحد حقاني من شروط وممارسات الدين، حينها بالإمكان أن نقول أن لدينا ميزان لمعرفة من هو الأيزيدي الأحق القويم؟!!

ربما يكون ظهور هذه المسائل في الوطن أقل بروزا، بل ونادرة أحيانا لأسباب عدة منها سكنى الأيزيديين في قرى وتجمعات خاصة بهم بحيث يسودهم التلاحم الإجتماعي ويلعب القانون الأخلاقي الإجتماعي دوره.دون أن نسقط أيزيدية الداخل من ميزان أحكامنا ونكون قساة على أولئك الذين يخرقون بعض شروط الديانة الأيزيدية، ألا أننا - ونقول ذلك بصوت عال- في أوربا يجب أن نتعامل مع الأمر بمنظار أقل قسوة مما هو عليه في الوطن. نحن بالتأكيد لسنا راضين عن كل ما يحدث ولا نشجع ذلك على الإطلاق. ألا أن السؤال الصعب الذي يواجهنا : إذا طرحنا كل من يخطأ من حساب وقائمة الدين الأيزيدي، لربما، وبمرور الزمن ستضمحل هذه الديانة. وحينها :ماهو معنى وفائدة الدين بدون أتباع؟!!

 

* اسمح لي يا دكتور ممو- التفت اليه مستأنفا- اسمح لي بأن أوجه اليك  نفس سؤالي السابق، هل يمكن وضع أيزيدية الوطن وخارجه في نفس الميزان؟!

 

فاستدرك يقول : لو كان التحدث عن موقف سياسي، لأقترحت خلط الأوراق وتوزيعها أو تكوين كتلة ملتحمة ومبدئية، ولكن البحث هنا هو بحث ديني وأكثره فلسفي. أوافق مع رأي أخي د. خليل بأن الديانة الأيزيدية هنا أو في أية نقطة من العالم تملك المتناقضات، تلك التناقضات صغيرة جدا بالمقارنة مع المسيحية، الكاثوليكية بالأخص، والإسلام واليهودية.

إن ما يهمنا هو الجوهر. صحيح أن الأيزيديين خارج الوطن أكثر عرضة للتغيرات الإجتماعية، ولكن هناك أيضا عادات عشائرية لا نؤمن بها وهي ليست من صلب الدين، لكن الجرأة تنقصها الوقت.

لقد إتهمنا البعض بأن تأسيس (مركز الأيزيدية خارج الوطن تZiA) هو ظاهرة سياسية، وآخرون قالوا أنه إنقلاب ديني وتكوين طبقة رابعة و...و...و... ألا أننا بريئين من كل هذه الإتهامات، كل ما يهمنا هو زيادة وعي الفرد الأيزيدي لمجابهة مشاكل العصر وإدراك مبادئ ديانته، فلو أدركناها فأننا سنفتخر بأن حزبا ألمانيا وصل الى الحكم( حزب الخضر) قد إتخذ من مبادئ ديانتنا ،ألا وهو المحافظة على الطبيعة ، شعارات ودينا لأعضاء حزبه.

 

* وفي مجال العمل المستقبلي للمثقفين الأيزيديين وجهت الى د. خليل هذا السؤال : هل يحاول_ أو سيحاول- المثقفون الأيزيديون لعب دور سياسي في المجتمع المحيط - تأسيس لوبي في أوربا أو الوطن مثلا؟!

 

فاجابني : لنبدأ من أهداف مركز الأيزيدية خارج الوطن تZiA المذكورة في نظامه الداخلي والمنشورة على صفحات مجلته روز في عددها الأول، نؤكد وبدون لبس أن مركزنا هو مركز ثقافي- أبحاثي- إجتماعي- تنويري يعنى بالشؤون الأيزيدية يعمل على خلق صحوة في نفسية الفرد الأيزيدي وفي تفكيره وسايكولوجيته والقضاء على عقدة الشعور بالنقص والتبعية لديه وأن يلعب دوره في جميع القضايا العقدية التي تخص البيت الأيزيدي كديانة. فإذا فهمت هذه الأهداف وهذا العمل من قبل البعض بأنه يصب في خانة الإصلاحات والتجديد وهو نوع من السياسة فهم أحرار في تفكيرهم، أما نحن فلم يكن في تفكيرنا سابقا ولا اليوم أي مفهوم سياسي، بمعنى تكوين تنظيم حزبي سياسي خاص بالأيزيديين.

إن ما قيل يتعلق بالشأن الداخلي، أما ما يخص الشأن الخارجي ومفهوم اللوبي الأيزيدي فأنه يتجسد في المشروع المستقبلي للمركز وفي محاولاته الجادة لأن يصبح الدين الأيزيدي من الأديان المعترفة بها عالميا إسوة بالديانات الأخرى، وأن يكون للأيزيديين حقوق مدنية إسوة بغيرهم، ولأجل هذا فقد إلتقى ممثلوا المركز في (31/7/1998) بممثلية البابا( سفارة دولة الفاتيكان) في بون وكذلك مع رئاسة كنيسة إيفانكيلش في ألمانيا في (28/8/1998). وتلقى المركز رسالة جوابية من قنصلية دولة الفاتيكان في 2/اوكتوبر/1998 ردا على رسالتنا في 28/آب/1998 تؤكد على ترحيبهم بإجراء الحوار بين الأديان ومن ضمنه الدين الأيزيدي وأن الباب مفتوح لإستقبالنا عندهم في دولة الفاتيكان في روما.

كما إننا سنحاول مستقبلا، وهذا من حقنا، أن نمد جسور العلاقات مع منظمة الشعوب والأديان المهددة بالإنقراض في الأمم المتحدة( UNO)، والمنظمة العالمية لحقوق الإنسان، وهذه هي أهداف ورؤية شمولية مستقبلية،لأن الجالية الأيزيدية في أوربا في إزدياد مستمر ولأن الأيزيديين داخل الوطن يواجهون مدأ أصوليا إسلاميا وتعصبا قوميا في بلدان مثل أرمينيا وجورجيا...فنبحث عن من يدافع عنا،  أملنا في أن نجد دعما من خلال هذه المنظمات الإنسانية وكذلك من خلال تكاتف ووحدة الأيزيديين أنفسهم في أوربا إذا ما أحسنوا في إستخدام إمكانياتهم المادية والمعنوية لدعم أيزيدية الوطن .

 

* هنا يا دكتور ممو يفرض سؤال نفسه- واستأنفت قائلا- لماذا يحاول البعض طعن مجلة روز بأنها تهمل القضية الكردية؟ هل سيلعب هذا الإتهام دورا سلبيا في العلاقة المستقبلية بين الأيزيديين وأخوانهم الكرد المسلمين؟!

 

د. ممو : أن أية ظاهرة إجتماعية جديدة، وأي جديد هو خطر على القديم. ان الإتهامات التي وجهت وتوجه الينا لم تأت من شخص غريب، بل من المقربين الينا,( لغاية في نفس يعقوب ). ان عملنا في تZiA بصورة عامة وفي روز بصورة خاصة هو الرفع من شأن ديانتنا الى منزلة الديانات العالمية وإزالة الإتهامات الباطلة التي كانت موجهة ضدنا وذلك على أبواب صفحات مجلة روز ونشرها في شبكة الانترنيت العالمية ومن خلال نشاطاتنا الثقافية وهذا لا يتعارض مع القضية الكردية بأي شكل من الأشكال. إننا لا نريد أن نشكك بهويتنا الكردية،والتأكيد المستمر هو شك باطن. ولا نريد أن نخوض صراعا مع أي إتجاه سياسي في هذا المضمار، لأننا لم ولن نرفع لواءا سياسيا لأن هذا ليس في خدمة الديانة الأيزيدية، لكننا نقول أن السياسة شئ والدين شئ آخر.نحن نرفض أن يتم إستغلال الدين من قبل جهات سياسية كوسيلة لتحقيق أغراض معينة، أن هذا الإستغلال يعمل على فصل الإنسان داخليا مع نفسه وخارجيا مع جهات سياسية أخرى. أن فصل الإنسان داخليا مع نفسه يعني الإنفرادية والعزلة عن الإنسان الآخر. أما ما نقوم به نحن؛ فهو ربط الفكرة الدينية بالعقل والحقيقة، أي ربط الإنسان بالله.

أن الفرد الذي يؤمن بهذه النظرة الإستغلالية الضيقة يعتقد بأنه إنسان متميز عن باقي أفراد وأتباع ديانته وفوق مستواهم، أي أن له حقوق خاصة ومنزلة رفيعة يمكن تشبيهه بالفرد الأرستقراطي، وقد أدى هذا الوضع ببعض المتطرفين، وتحت تأثير حالات من الوهم واللاوعي، الى أن يبرروا لأنفسهم اسباغ اللعنات على بقية معتنقي ديانتهم الذين يرفضون هذا النوع من الإستغلال. وحسب المفهوم الساسي الضيق لأولئك الناس، أصبح الدين كشارع ذو إتجاه واحد.

 

ويردف الدكتور خليل هنا : حول نفس سؤالكم أود أن أضيف شيئا الى ما قاله أخي د. ممو، وهو إننا يجب أن نفرق بين إتجاهين من أولئك الذين يتهجمون على مركز الأيزيدية خارج الوطن وعلى بعض المواد التي تنشر في مجلة روز والعاملين فيها:

أولا: الهجوم من قبل بعض الأيزيديين، وهو كما قاله د. ممو، بل وأضيف أن بعض المسؤولين الأيزيديين يخشون من أن يكون المركز بديلا عن سلطتهم، نقول نحن لا نبحث عن الكراسي والمناصب بل نريد أن نخدم الأيزيدية أينما وكيفما كانوا، تبا لذلك المنصب الذي يضطهد الأيزيديين ويعرقل تطورهم! أما إذا قيل أننا نبحث عن البديل الفكري، فنقول نعم،نحن ومعنا كل الأيزيديين المخلصين نبحث عن بديل فكري لكل سلطة معرقلة لتطور الأيزيدية بحيث لا يمس هذا بشكل من الأشكال أصول وأركان الدين، وإنما نود بأفكارنا ومساعينا تقوية وتثبيت تلك الأسس بحيث يعطي للدين الأيزيدي مكانته المرموقة اللآئقة طبقا للصفات التي أشرت الى البعض منها من خلال الإجابة على السؤال الأول.

وتدخل ضمن خانة الإتجاه الأول التشويش الذي يطلقه بعض الأيزيديين هنا وهناك، أقل ما يقال عن أسباب ذلك التشويش أنه ينطلق من موقف ذاتي وعدم إستيعاب الجديد المطروح في حقل الدراسات والأبحاث عن الديانة الأيزيدية.نقول والألم يعصر قلوبنا : كان الله في عون أولئك الأصدقاء!

ثانيا : الهجوم من غير الأيزيديين.فإذا كان هذا الهجوم من حزب حاكم في دولة عربية، معروف في سياسته وأهدافه الشوفينية تجاه الأقليات القومية والدينية، ربما لن يكون أمرا غريبا ومثيرا للعجب. أما إذا كان ذلك الهجوم من بعض أخواننا الكرد، فأنه حقا أمر يثير الدهشة، وهنا أقول للأسف، لا يزال هؤلاء ينظرون نظرة ضيقة أحادية الجانب، فهم يحللون ويفهمون الوطنية والكردايتي فقط من خلال التلاعب بالكلمات والألفاظ ويفسرونها على ذلك الأساس. وكما ذكر د. ممو، أن التأكيد على ذكر عبارة( الكرد الأيزيديين أو الأيزيديين الكرد) كما يحلو للبعض أن نقوله في كتاباتنا، لهو في رأينا يحمل معنى تشكيكي مبطن بكردية الأيزيديين.نحن واثقون من كرديتنا ولسنا مجبرين على تكرارها في كل سطر، بمناسبة أو بدونها. نكرر أسفنا بأن هؤلاء الأخوة لا يدركون ذلك، ولا يدركون أن ما يقوم به المركز من تدوين الأدب الديني الأيزيدي والمنظم أغلبيته(98%) تقريبا باللغة الكردية الأدبية الراقية، إضافة الى جميع الطقوس والعادات التي يمارسها الأيزيديون؛ هي عادات وطقوس كردية أصيلة، ونحن بعملنا هذا لا نحافظ فقط على الأدب والتراث والتاريخ والفلسفة الكردية وحسب ، بل نضع أسس مدرسة جديدة لإعادة النظر في دراسة تاريخ الأدب الكردي والفلسفة الكردية. هل نفهم من هجوم هؤلاء الأخوة أنه لا يطيب لهم أن يدرسوا ويفهموا جزءا عريقا من تاريخ قوميتهم؟!

 

* كيف أستطيع إذن تفسير وجهة نظر مثقفي الأيزيدية حول مستقبلهم_ سألت الأستاذين مستأنفا- هل هي نظرة تشاؤمية أم تفاؤلية ؟!

 

فأجابني الدكتور خليل قائلا : تتوقف الإجابة على هذا السؤال على عاملين هامين وهما ، العامل الأيزيدي الداخلي، والعامل الخارجي المؤثر.

فيما يخص العامل الأول أؤكد بأنه تجري تفاعلات وتحولات في الكثير من طرق وتفكير الأيزيديين بشكل عام والشباب بشكل خاص وعلى أرض الواقع تبرز قضايا عديدة سواء كان في داخل الوطن أو خارجه. فإذا كان ذلك التفاعل داخل الوطن أقل حدة، ألا أنه يأخذ شكلا أكثر علانية في الخارج، وعلى العموم فأن الجيل الجديد في كلا الجانبين يستقبل التغيرات بتلهف.

ان الحديث عن مستقبل أقلية دينية كالأيزيدية في عصر الثورة العلمية الجبارة، وفي عالم غدا قرية صغيرة أمام شبكة الإتصالات الهائلة، يضعنا أمام إمتحان التاريخ العسير كي نجيب على الكثير من الأسئلة والإستفسارات ونجد الحلول اللائقة التي تساعد الأيزيدية على الديمومة والإستمرار. إنها ليست مهمة المثقفين بقدر ما أنها مهمة كل أيزيدي تعز في نفسه مصلحة الحفاظ على هويته والحيلولة دون إضمحلال هذه الديانة، وبهذا الخصوص فان التعويل على الأمنيات والعواطف لا يفي بالغرض، بل نحتاج الى الجرأة وقليل من التضحية وعدم الخوف من إجراء بعض الإصلاحات. أؤكد على كلمة التحلي بالجرأة، لأن كل جديد يولد من خلال عملية مخاض وصعوبات جمة ليحل محل القديم الذي لم يعد يقوى على الصمود والإستمرار. ومن بين القضايا الخطيرة التي تواجهنا في الداخل والخارج هي :

1-ما هو الموقف من شريحة واسعة من أيزيدية منطقة كورداغ؛ عفرين، حلب والقرى الأخرى وكذلك بعض أيزيدية الدول الأخرى الذين- ولظروف معينة - لم يلتزموا بقوانين الزواج الأيزيدي ال,, حد وسد،، وتزوجوا من غير طبقتهم.وهل يمكن أن يستمروا في هذا الإتجاه أم لا ؟... ماذا سيكون الموقف من أيزيدي تزوج ، أو يتزوج مستقبلا من غير أيزيدية، أو بالعكس أيزيدية تتزوج من غير أيزيدي ويرغبون في البقاء كأيزيديين؟

2- ماذا سيكون الموقف من الشباب ( كلا الجنسين ) في حالة خرقهم للتراتبية الطبقية الدينية ولم يلتزموا بأصول الأيزيدياتي؟

3- الموقف من معتنقي الأديان الأخرى الذين يريدون الدخول في الدين الأيزيدي، وكذلك الموقف من آلاف الناس والعشائر الأيزيدية التي (أسلمت) في ظروف قاسية وتحت وحشية حملات الإبادة.

4- الموقف من الزواج المدني.

ولكي نستطيع ان نواجه مثل هذه الاسئلة، ولكي نقف مواقف حدية تجاه هذه القضايا وغيرها من التي ستواجهنا في المستقبل نرى: 

1-الاهمية القصوى في تفعيل دور ,, المجلس الروحاني الأعلى ،، بدءا من الأمير وإنتهاءا الى آخر عضو فيه، من حيث مواصفات كل واحد منهم ودوره ومستواه الثقافي- الديني- والإجتماعي. وربما يكون اللجوء الى اسلوب إنتخاب المؤهلين من قبل الأيزيديين أنفسهم ،أو عبر مؤسسات تشكل لهذا الغرض، علاجا وضمانا لتقوية الدين الأيزيدي.

2- التاكيد على ما جاء في بيان المركز المؤرخ في 2/ تموز/1997 تحت عنوان,, برنامج جديد للحفاظ على أرث عريق،، .

هذه التساؤلات وعشرات غيرها أحملها نيابة عن عشرات الألاف الأيزيديين- الذين لم يتجرأوا على قولها خوفا من أن لا يتهموا بالكفر والخروج عن أصول الدين- على طاولة المجلس الروحاني الأعلى ورجال الدين والمثقفين وكل الأيزيديين للتوقف عندها بكل جدية وحكمة، وبفارغ الصبر وروح المسؤولية ...وإن إستطعنا فقط مناقشة هذه التساؤلات حينها بإمكاني أن أعبر عن تفاؤلي المشروع حول إمكانية مواكبة الديانة الأيزيدية لتطورات العصر .

وفيما يخص العامل الثاني، فأن العمل ليس سهلا، وهنا أستطيع القول وبصراحة أن بعض الجهات السياسية الكردية وغير الكردية(العربية) تلعب الدور المعرقل والمشوش على مجموعة ليست بالقليلة من الأيزيديين وتسخرهم لبعض أغراضهم الحزبية الضيقة أو لأهدافهم القومية الشوفينية، وهذا ما يخلق شرخا في العمل الأيزيدي الموحد، وسيكون عملنا الدؤوب لإفهام الأيزيديين وغيرهم بأننا لسنا ضد السياسة كمفهوم يخدم الإنعتاق من العبودية والإستغلال ويؤدي الى تحولات إجتماعية لصالح تقدم المجتمع، لكننا في نفس الوقت نرفض تلك السياسة التي تخلق جدار أيرلندا بين أيزيدية العراق، تركيا، سوريا، أرمينيا وجورجيا، أو بين أيزيدية البلد الواحد، نكافح ونقاوم أي مظهر من مظاهر المذهبية أو التحزبية الضيقة بين الأيزيديين. فالشئ الأيجابي لحد الآن هو وحدة الأيزيديين وعدم وجود ذلك الشرخ المذهبي بينهم. اذا استطعنا أن نتغلب على هذه الظاهرة، أو على الأقل الحد منها، فانني أنظر أيضا بتفاؤل الى المستقبل، بأن الشباب الأيزيدي سيصل الى قناعة بأهمية صيانة دينه وتراثه.على كل حال التفاؤل يشحذ الهمم ويحول الأحلام الى وقائع.

ويرد د. ممو على سؤالي ذاته : إنني أؤمن بأن الديانة الأيزيدية هي ديانة مسالمة، ليست بديانة عدوانية، وليس لها مطامح للسيطرة على سلطة دولة ما أو إخضاع شعب لإعتناق ديانتهم، لأن ذلك لا يرد في مبادئ هذه الديانة. فديننا ليس عسكريا أو تجاريا أو مبني على مبادئ سياسية. ولكي أعطي نظرتي التنبؤية أتفق مع أخي د.خليل في وجود عاملين، أولهما ضمني، وهو فلسفي مبني على علاقة الفرد الأيزيدي بفكرة خالقه الأوحد ( طاؤوس ملك). وأؤكد كما بينت ذلك في مقالاتي السابقة، بأن الديانة الأيزيدية هي ديانة قديمة تحدية، لأن الفرد وحده هو المسؤول عن قراراته ونتائجها أمام طاؤوس ملك. ففي هذا المنظار أرى أن الفكرة مشابهة لفكرة سياسية أتفاؤل بازدهارها مستقبلا لقوة فلسفتها وإزاحة الشخص الثالث الذي يربط ,, الإنسان الأيزيدي،، مع خالقه، فذلك يقوي معنوية الفرد بذاته، إذ لا يلقي بأخطائه على عاتق الآخرين/ الشخص الآخر  فهو المسؤول الوحيد عن أعماله. ولا أرى أي تعارض في المستقبل، لو آمن أناس أخرين به، بالرغم من أن ديانتنا غير تبشيرية، ولكن التبشير هنا بقوة الفلسفة وليس بقوة السيف. أما الجانب الآخر وهو ما يشمل العادات والتقاليد العريقة المستقبلية فهي برأي مرتبطة بهذه الفكرة، فأنت لا تستطيع أن تكون ملحدا ومصلحا دينيا في نفس الوقت والعكس صحيح، فالإيمان بمبادئ فلسفة ما، هي أقوى من المظاهر الخارجية، وأعترف بأننا- وأعني غالبية مثقفي الأيزيدية- لا نزال نفتقر الجرأة بإزاحة كثير من العادات التي ألصقت بنا ونحن منها براء.

كي تتمخض هذه الحالة عن وليد صحي وسليم يستطيع أن يواجه أسئلة ومتطلبات القرن الحادي والعشرين، فان النواة السليمة لا تكفي، بل يتطلب الأمر بيئة صالحة ومحيطا ممهدا ومسهلا لعملية الولادة هذه. فاذا كانت ديانة الأكراد القديمة قد مرت بقترات إصلاحية وثورات غيرت مسارها، فالديانة الأيزيدية العصرية بحاجة الى بعض الإصلاحات.

 

في النهاية شكرت الأستاذين على هذا الحوار الشيق الجاد وتمنينا بأن يكون هذا الحوار فاتحة حوارات صريحة قادمة حول قضايا وشؤون العقيدة الأيزيدية.


 

[1] نشر الحوار في مجلة روز، العدد 6، كانون الثاني 1998، ص86-105

 

عودة الى المقالات

 

                   E-mail.: info@khaliljindy.com                  www.khaliljindy.com                      webmaster@khaliljindy.com