كتب
العديد من الكتاب العرب حول بعض عادات وطقوس الأيزيدية ومن
ضمنها أعيادهم،وصفوها
وثبتوا تواريخها وربط بعضهم-ما عدا جورج حبيب-تلك الطقوس
بممارسات اسلامية.وفي العقود الأخيرة كتب العديد من الكتاب
الأيزيديون عن أعيادهم وأجمعوا تقريبا على أن تلك
الأعياد-وبالأخص عيد رأس السنة- قديمة وربطوها بتلك الطقوس
التي كانت تقام عند السومريين والبابليين.
ومن أجل القاء الضوء على الخبايا المخفية للديانة الأيزيدية
فاننا بحاجة الى أدوات البحث والتنقيب والتحليل من خلال
المدون والمكتشف من تأريخ وأساطير الشعوب القديمة في وادي
الرافدين بشكل خاص، وشعوب العالم القديم التي احتكت بحضارة
وادي الرافدين مثل الشعب
المصري،الكنعاني،الهندي،اليوناني،الفينيقى،السوري...الخ
ومقارنة ذلك مع الأثار المتبقية من طقوس وعادات وأعياد.
لمن يبغي معرفة جذور الديانة الأيزيدية عن حق،عليه التوقف
عند معرفة وتحليل الظواهر الرئيسية التالية :
أولاَ: ظاهرة طاوؤس ملك.ماهو الوجه السراني لتلك الظاهرة
وماهي امتداداتها في التأريخ؟
ثانياَ:الأعياد الأيزيدية.مفهومها،دلالاتها،أسسها الفكرية
والروحية.
ثالثاَ:ومن أجل توثيق الظاهرتين الرئيسيتين أعلاه لابد من
الاستعانة بتلك الرموز والاشارات المبعثرة هنا وهنالك في
ثنايا الأساطير والحكايات والأدب الديني الشفاهي الأيزيدي.
في بحثنا المقتضب هذا نتبع المنهجية الظاهراتية وذلك بوصف
طقوس الأعياد،تواريخها،وما يتم فيها من مراسيم ومقارنة ذلك
مع دين الانسان القديم وعبادته لمظاهر الطبيعة وتجلياتها في
ديانة الأم الكبرى(عشتار-انانا) بمرحلتيها؛مرحلة العصر
الحجري(العصر الباليوليتي) وعصر اكتشاف الزراعة(العصر
النيوليتي).
نحن مدينون الى المفكر السوري الكبير(فراس السواح) في
الاستفادة من المعلومات والتحليلات وأسماء الآله والالهات
الواردة في كتبه(مغامرة العقل الأولى، لغز عشتار، ودين
الانسان).
من أجل الاستيعاب الأشمل لمغزى الطقوس والأعياد من الضروري
جداَ الالمام ولو بشكل موجز بمعنى الدين والاسطورة.اذا كان
النظر للدين في العصر التكنولوجي الحديث كعامل معرقل للتطور،
فانه لم يكن كذلك في قديم الزمان.فقد كان الدين دافعاَ
وملهماَ لعمل الانسان،وبسبب ايمانه بقوى الطبيعة ووضع آلهة
لها،بدأ يصنع لها التماثيل ويبنى لها المعابد والبيوت والمدن
ويقيم لها الاحتفالات والطقوس؛أي أن بذور الحضارة بمعناها
الاستيطاني-العمراني والروحي كان أساسه الدافع الديني الذي
أعتبر وعاءاَ اجتمعت عنده أفكار الانسان عبر التاريخ ومرآةَ
لتطور تلك الافكار، فهو الذي عكس نشاط الانسان الروحي
والفكري والفلسفي وكذلك القيم الأخلاقية والتصورات البدائية
حول كيفية خلق الكون والبشر والأشياء.
وما دام يؤمن الدين بالكائنات الروحية الماورائية،الغير
منظورة،فان الحس الشخصي،أو التجربة الانفعالية
الغير عقلية دخلت في أساس الدين،وبمرور الزمن تحول ذلك الحس
الى معتقد وترسخ عند الانسان وظهر منه الطقس
المنظم الذي هو أقوى أشكال التعبير عن الخبرة الدينية
عند الفرد والجماعة على حد سواء من خلال تقديم القرابين
والرقص والحركات الدرامية.
ومن المعتقد نفسه ظهرت الاسطورة التي تعمل بدورها على
توضيح الاعتقاد بقوة كامنة في شيء ما ومحاولة تجذيرها.
أي أنه ليس بالامكان فهم مغزى الأعياد -الطقوس-من دون معرفة
البناء التأريخي،المعرفي،الرمزي والروحي للاسطورة نفسها.
ومهما كان التباين عند تعريف الاسطورة، فانه يوجد اتفاق شبه
تام لدى دارسي الاسطورة على أنها نتاج الخيال البشري
الخلاق.وهي نمط من أنماط التعبير التي تستند الى لغةالطبيعة
ونظام رمزي معبر عن مشاغل البشر الفردي منها والجماعي
لاتصالها بجانب الوعي منهم على اختلاف أشكاله(من دين وتاريخ
وفلسفة وفن...الخ). أو بما لايقع منهم تحت دائرة الوعي
والادراك،ولاتصالها أيضاً بالفعل والنشاط ومختلف أشكال
التأثير في الكون والمجتمع(من طقوس وشعائر وسحر وأدب...الخ)
فالاسطورة قبل كل شيء ظاهرة تأريخية ظهرت من خلال صراع
الانسان مع العالم المحيط به،ووعى الانسان بتلك العلاقة
وتألفه مع الطبيعة.لذا من الضروري بمكان البحث عن حقيقة
الاسطورة عبر التاريخ وفي خضم صراع الانسان مع
الطبيعة.
ومن جانب آخر فان الاسطورة انسجام وتناغم بين الانسان
والكون، وهي لدى الشعوب قصة مقدسة تروي واقعة حدثت في غابر
الزمان وتهدف الى تأسيس أعمال البشر الطقوسية حاضراً،وتأسيس
جميع أشكال الفعل والفكر التي بواستطها يحدد الانسان موقعه
في العالم.
فالاسطورة تثبت الأعمال الطقوسية ذات الدلالة وتخبرنا عندما
يتلاشى بعدها التفسيري بمالها من مغزى استكشاف وتتجلى من
خلالها وظيفتها الرمزية أي في مالها من قدرة على الكشف عن
صلة الانسان بمقدساته.
اذن الحديث عن طاوؤس ملك والأعياد الأيزيدية يعني الانطلاق
من الجانب السراني للظاهرة وتجلياتها عبر التاريخ وفي ثقافات
الشعوب القديمة،ومنها الثقافة الدينية الايزيدية.ومن أجل
التوثيق نستهل بحثنا بتثبيت بعض المقاطع من نصوص دينية
أيزيدية:
الأول/ مقاطع من (قول طاوؤس ملك) :
Ya
rebî tu melekê melkê kerîmî
يا
رب! أنت ملك الملك الكريم
Tu
melekê ershê ezîmî
وأنت ملك العرش العظيم
Ya
rebî ji enzelda her tuyî qedîmî
يا رب! أنت أزلي قديم.
*
Ya
rebî tu melekê ins ü cisî
* يارب! أنت ملك الإنس والجن
Ya
rebî tu melekê ersh ü kürsî
أنت ملك العرش والكرسي
Ya
rebî tü melekê gayî ü masî
يا
رب! أنت ملك الثور والسمك.
Ya rebî tü melekê alem üqudsî
يا رب! أنت ملك العالم والقدس.
*
Ya rebî ji isma tuyî bilindî
* يا رب!
اسمك فوق كل الأسماء
Te
nav li çunne, tuyî çendî
لا شبيه باسمك، كم عظيم أنت
Mizê zayî du zendî
,,...............................،،
Miqa destê (muqedesê) dupayî
أنت المقدس العالي الشأن
Tuyî layiqî medh ü senayî
يليق بك المدح والثناء
*Ya
rebî te ne xafe,te ne xürde
* يا رب! لا تأكل ولا تنام
Xüdan
malî, xüdan perde
أنت صاحب المال والحياء
Ya
rebî ciyê te wê li hemu erda.
يا رب مكانك في كل بقعة.
*Ya
rebî te ne lewne, te ne renge
* يا رب! لا لون لك،
Te
ne awaze, te ne denge
لا حس لك ول صوت
Te
ne indame, te ne cenge
أنت الغوث وأنت المدد
Ya
rebî kes nizanit tuyî küsayî.
يا
رب لا يدري أحد كيف أنت!
*
Ya rebî tu hakimê cimletî alem
يا رب أنت حاكم جميع العالم
Ya rebî te
tobe danabu ser Adem!
أنت الذي وضعت التوبة على آدم
*********
ثانياً/ بعض المقاطع من ,,قه ولى
مه ها-قول الشهور،،:
*
Pedshayê min ev dinya sewirand
خلق الهي هذه الدنيا
Di
pîva ü di qedirand
أخذ قياسها وقدرها
Hijde hezar xülqet di nêvda di debirand
وخلق عليها ثمانية عشر مخلوقاً
*
Pedshê min dürr mekane
*الدرة مسكن الهي
Li
ba wî we eyane
هكذا معلوم لديه
Wî
xülqand erd ü ezmane
وهو الذي خلق الأرض والسماء.
*
Ew
bu cara ji mêje
* كان ذلك منذ الأزل
Pedshê min qüntar kir shev ü roje
حينما خلق الهي الليل والنهار
Li
navda dana behist ü doje
ووضع فيهما الجنة والجهنم.
*
Li
navda dana roj ü heyve
*وضع فيهما الشمس والقمر
Da ji xafila
biçin tîfe.
لتخرج (....)من الغافلين
Ewan ne di zanî Tawsî melek ev dinya
لم يعلموا بأن طاوؤس ملك قاس
bi
bosta di pîva.(8)
هذه الدنيا شبرا شبراً!(8)
*********
ثالثاً/مقطع من,,قه ولى هه زارو
ئيك ناف- قول ألف اسم واسم،،
*
Pedshayê min hezar ü êk nave
*الهي يملك ألف اسم واسم
Li
ba wî ev dinya seat ü gave
هذه الدنيا لديه ساعة وخطوة
Siltan
تzî di zane li behrê çend keshkul ave/
يعلم ايزيد كم رجفة ماء في البحر
Li
besta çend kevir li nave
وكم حجر في قاع الوديان
Siltan
تzî Hawa kire buk, Adem zava
وأيزيد جعل حواء عروسة وأدم عريساً
رابعاً/ مقاطع من ,,قه ولى كانيا مارا-أي نبع
الأفاعي،،أو,,كه نيا مارا-أي ضحكة الأفاعي،، :
*
melek ü تzî êkin
Sîxadî ü Tawsî
الشيخ آدي وطاوؤس ملك وايزيدشيءواحد
Hun menîya ji êk ne kin
لا تفرقوا بين معانيهم
Ew
zu miraza hasil di kin.
هم الذين يحققون المراد.
*
Ewan hasil kirbu miraze
*هم الذين حققوا المراد
Pedshayê min xaliqê hezar ü êk nave
الهي خالق ألف اسم واسم
Xafila dît ne kir nase.(10)
شاهده المغفلون ولم يعرفوه.
************
خامساً/مقاطع من ,,قه ولى ئيمانى-
أي قول الايمان،،:
*
îmane çî nîshane
* ماهو علامة الأيمان ؟
Wekî
ne erd hebu, ne ezmane
حينما لم يكن هنالك أرض ولا سماء
Ne
behran hebu, ne binyane
لا بحر ،ولا بنيان
Ne
çiya hebu, ne sikane
لا جبال ،ولا أسس,,مساكن؟،،
Rê
hebu terîqete
كانت توجد هنالك الطريقة
Erkan
hebu mehrifete
وكانت توجد أركان المعرفة
Ewê
rojê siltan تzî Kaniya spî
في ذلك اليوم جعل السلطان ايزيد
bo
mêra kir qüblete.
العين البيضاء قبلة الرجال.
*
Berî erd ü ezmane
*قبل خلق الأرض والسماء
Berî
behr ü binyane
قبل خلق البحار والبنيان
Berî
çiya ü sikane
قبل خلق الجبال والأسس
Ya
siltan تzî çendî ji te didem
ايه يا سلطان ايزيد كثيراً ما أمدحك
medh ü nîshane.
وأذكر صفاتك.
*
Ya
siltan تzî çendî medha ji te dideme
*ايه
يا سلطان ايزيد كثيراً ما أمدحك
Berî loh ü qeleme
قبل ظهور اللوح والقلم
Berî
Hawe ü Ademe
قبل ظهور حواء وآدم
Berî
Isa ü Miryeme
قبل ظهور عيسى
ابن مريم
Ya
siltan تzî berî not hezar salî ez li
قبل تسعون ألف سنة كنت موجوداً
ba
teme.
عندك يا سلطان ايزيد!.
*
Ya
siltan تzî berî hingî not hezar
*يا سلطان ايزيد قبل تسعون ألف سنة
sal
ez
li wê bum
كنت هنالك
Ne
ji bab bum, ne ji dê bum
لم أخلق من أب ولا من
أم
Li
ber xilmeta mewlê bum.
كنت في خدمة المولى
*
Di
birme ber kerameta wî mewlayî
*وضعوني أمام كرامة ذلك المولى
Didame
destê wî hostayî
وسلموني بيد ذلك الخبير
Ji
mera çê dikir xoshî ü shayî.
فصنعوا لنا الأفراح والمسرات.
*Xoshî
ü shayî ji mera çê di kirî
*أقاموا لنا الأفراح والمسرات
Di
birme ser terîqeta melkê faxirî
أرشدوني الى طريقة الملك الفاخر
Xidiro bin Xidirî
خدر ابن خدر.
*Xidiro
bin Xidir
*خدر ابن الخدر
Kasek
da min bükir
أعطاني كأساً أصيلاً
Min vexuwar bi nav ü dikir
شربتها بكل عشق
Di
birme ser ilmekî faxir.
لذا أخذوني الى علم فاخر
كان الهدف من وراء تثبيت مقاطع هذه النصوص الدينية:
1-حينما يبحث الانسان عن الدين فانه غالباً ما يلجاُ أو
يصطدم بالجانب العرفاني-الباطني والسراني:
Wekî ne erd hebu, ne ezmane
حينما لم يكن هنالك أرض ولا سماء
Ne
behran hebu,ne binyane
لا بحر ولا بنيان
Ne
çiya hebu, ne sikane
لا جبال ولا أسس
Rê
hebu terîqete
كانت توجد هنالك الطريقة
Erkan hebu merîfete.
وكانت توجد أركان المعرفة.
هنا,,مه عريفه ت=المعرفة والعرفان،، هو الجانب
الباطني،الانفعال الحسي لدى الفرد.
2-ترد (ايزي،شيخ آدي،طاوؤس ملك،خدر من تجليات أسماء الله
ال(1001)اسماً.
3-التوقف عند ذكر ,,قبل 90000تسعون ألف سنة كنت هنالك في
خدمة الخالق ولم أخلق من أب أو أم...،،لماذا يرد في النص
الديني ذكر هذه السنة لاغيرها؟!:
*
Berî loh ü qelema
قبل خلق اللوح والقلم
Berî
Hawe ü Ademe
قبل خلق حواؤ وآدم
Berî Isa ü Miryeme
قبل خلق عيسى ابن مريم
Ya
تzî berî not hezar salî ez li ba teme!
أيزيد!
قبل تسعون ألف سنة كنت عندك
Ya Êzî
berî hingî not hezar sal ez li wê bum
أيزيد!قبلها بتسعون ألف سنة كنت هناك
Ne ji bab bum, ne ji dê bum
لم أخلق من أب ولا من أم
Li ber
xilmeta mewlê bum.
وكنت في خدمة المولى.
هذه الدلائل لا يحتريها الشّك على قدم وعراقة الأفكار
الدينية الأيزيدية.وفي فترات التاريخ اللاحقة عندما سيطر
الاسلام الديني-السياسي على منطقة الشرق الأوسط وتحت
تأثيرموجات قمعها لكل من يخالفهاتراجعت الديانات القديمة في
ممارسة العديد من طقوسها علانية والخوف من أن تبوح عن
أفكارها ومعتقداتها :
*
Az ne wêrim bikelimim
Heke
ez bêjim berî Ademim
Ez
dê bi sirha recimim.
اذن ,,لا أتجرأعلى الكلام.وان أقول انني كنت موجوداً قبل آدم
سوف أقتل رجماً بالحجارة!،،.
أما القول:,, انني كنت هنالك قبل90000تسعون ألف عام
خلت..،لذو دلالة،حيث تشير الاكتشافات الاركيولوجية في منطقة
الشرق أن الفترة الممتدة من عام 100000-ق.م-10000ق.م الذي
سمي بالعصر البليستوسيتي الأعلى هي الفترة التي أحس بها
الانسان انفصاله الفعلي عن عالم الحيوان وأخذ يدرك امكانيات
بيئته الطبيعية وتكييف نفسه تجاهها
وتنظيم جهوده من أجل استغلالها وتوجيهها لمضلحته. وقد
أصطلح على تسمية جملة التغيرات التي حدثت خلال هذه الفترة
الممتدة عبر(90000)تسعون ألف سنة بالثقافة الباليوليتية
Palaeolithic
أي ثقافة العصر الحجري القديم.
الأيزيدية قبل أن تكون ديانة الوعود والتبشير بالجنة وبجهنم
وما اليهما،وبدل أن تكون دين التقتيل والتعذيب والتوسع ،وبدل
أن تكون دين الدولة وتمثيل مصالح الطبقات الرجعية
الظالمة...الخ، فانها ديانة نشأت أول الأمر في مجتمع
المساواة،نابعاً من بين الناس،قريباً من أفكارهم
وطموحاتهم؛بمعنى أن الناس في تلك الحقبة الزمنية كانوا
يفسرون ظواهر الطبيعة وما يجري عليها من تغيرات بواسطة
الدين.
فكانت الأرض من بين أولى الظواهر والأشياء التي شغلت
بال الانسان حينما كان يعتمد عليها كلياً في جني خيراته من
ثمار وأعشاب وخضراوات وأشجار...الخ، الخيرات التي كانت
تساعد الانسان على العيش وديمومة الحياة. كالطفل الرضيع كانت
الارض للانسان الأول،الأم الحنونة،الأم الكبرى والالهة،خالقة
الاكوان وحاملة جميع الاسرار؛أي أن المرأة,,الأرض،، بالنسبة
للانسان كانت تقف وراء كل سر من أسرار الكون.
ومن الظواهر المثيرة التي جلبت انتباه الانسان وحيرته أكثر
من غيرها كانت حركة القمر،ظهوره كهلال وتزايده
الى اليوم الرابع عشر,,اكتمال البدر،، وبدء حده التناقصي الى
أن يغيب لمدة ثلاثة أيام. ماهي سبب هذه الظاهرة، وأين يغيب
القمر؟!
وأتت ظاهرة الموت كاظاهرة رئيسية ثالثة حيرت
الانسان.لماذا يولد الانسان ،وماهو سبب موته؟!والى أين يذهب
بعد الممات؟...أصبحت هذه النقطة مادة في البناء
الفكري-الروحي والفلسفي لجميع الأديان،وما زال الجدل بشأنها
لم يحسم لحد الأن.
بين الظواهر الرئيسية أعلاه وحولها بدأ الانسان ينسج أفكاره
عن التكوين والخليقة،الآلهة،الأرض والسماء،الليل
والنهار،حركة الفصول،الماء والنار،وكل ما يحيط به من ظواهر
وكائنات وأشياء...وبما أن المرأة هي التي تنجب
الأطفال وتخصهم بالتربية والرعاية من جهة، وهي التي تنظم
حياة الجماعة من جهة ثانية، فقد ربط الانسان القديم بينها
وبين طبيعة الأرض المعطاة،وبينها وبين طبيعة القمر
وحياة الخصب وأصل الكون. وأصبحت المرأة بالنسبة لانسان
العصر الحجري القديم(العصر الباليوليتي) ,,موضع حب
ورغبة،وموضع خوف ورهبة في آن معاً.فمن جسدها تنشأ حياة جديدة
ومن صدرها ينبع حليب الحياة.ودورتها الشهرية المنتظمة في
ثمانية أو تسعة وعشرين يوماً تتبع دورة القمر،
وخصبها وما تفيض بها على أطفالها هو خصب الطبيعة التي تهب
العشب معاشاً لقطعان الصيد، وثمار الشجر غذاءً للبشر، وعندما
تعلم الانسان الزراعة وجد في الأرض صنواً للمرأة، فهي تحمل
بالبذور وتطلق من رحمها الزرع الجديد،،.(14)
اذا كانت الأم في ديانة انسان العصر الحجري الى أواخر القرن
العاشر قبل الميلاد هي القوة الالهية الوحيدة المتربعة على
عرش الكون، وهي الأم الكبرى لا ينازعها منازع، فانه في أواخر
القرن التاسع قبل الميلاد وبسبب استقرار الانسان في الأرض
واكتشافه الزراعة وتدجينه للحيوانات وبالتالي تزايد الدور
الاجتماعي للرجل شيئاً فشيئاً تظهر الى جانب الالهة الكبرى
،سيدة الطبيعة،ابنها؛الذي دعته عصور الكتابة-تموز أو
أدونيس-. سمي هذا العصر بالعصر النيوليتي واعتبر ديانته
،اعتقاده،طقوسه وأساطيره الأولى جميعها زراعية تتمحور حول
الهة واحدة في شكلها الوحشي والمدجن والى جانبها ابنها
تموز.ويرتبط مفهوم ديانة الأم(ماترشال) بتلك الحقبة التي كان
اعتماد الانسان الكلي على الطبيعة وعبداً لها، وهذا ما يفسر
العلاقة الوطيدة بين الطفل وأمه. ألا أنه عندما تمكن الانسان
من السيطرة على الطبيعة بعض الشيء والاعتماد على نفسه
باكتشافه بعض الأدوات لاستغلال الطبيعة لصالحه،فقد ظهر مفهوم
الديانة الذكرية(باترشال).
وبناء على هذا التصور فقد كانت الأم المياه البدئية
الأولى(البحار)، ومن سرها -حسب اسطورة الخلق الأولى- ظهر
الكون والمخلوقات. ولا غرابة أن نجد اسطورة الخلق ودورة
الحياة هذه في النصوص الدينية الأيزيدية(قولى سه ره مه ركى،
ئافه رينا دنيايى، مسكينو زارو...)ولا غرابة أن يشبه الأدب
الديني الأيزيدي رحم الأم بالبحر الذي يمكث فيه الجنين لمدة
تسعة أشهر وينفصل بعدها من ذاك البحر الى الوجود :
,,.Ji
bana nazil bu ew sure
نزل ذاك السر من العلى
nesîbek efrandibu bi minra
وخلق لي نصيباً
em di razîne heke hindeke heke pire
نحن راضون به ان كان قليلاً أوكثيراً .
******
Behra heq wetinî
استوطن في بحر الحق
neh meha tê sekinî
وبقي فيه تسعة أشهر
ji qudretê mekinî
بالقدرة الالهية!
******
Ji qudretê kirbu temame
واكتملت بالقدرة الالهية
çî behreke bi xemame
أي بحر مغيم؟
ben êqsîrê te, ez bum xûlame
البشر أسيرك، وأنا عبدك!
******
أو هذه المقاطع من ,,قول زه بوونى مه كسور،، :
Zebunekî minî dil meksure
فقير زاهد مكسور الفؤاد
heke ji ba ezîz melik Fexredîn bêt desture/اذا
جاء السماح من العزير ملك فخرالدين
em dê medha deyîn ji behrêt kure
سوف نحكي عن مدح البحار العميقة
*******
********
Zebunekî minî kêm taqete
فقيري الزاهد لا حول له
heke ji ba ezîz melik Fexredîn bêt îcazete
/ لو جائتنا الرقصة من الملك فخرالدين
em dê ji behrêd kur deyîn usfete
سوف نروي أوصاف البحار العميقة
*******
********
Li min cema dibun babzere
التفوا حولي(البابزر)
dê ji wê behrê deyîn xebere
سوف نروي أخبار ذلك البحر
Tê heyne dûrêt cewahire
الذي يحتوي على جواهر الدرر(16)
*******
********
من البحر ، العماء المائي البدئي،من السكون وما يشبه العدم
انبثق الكون، ومن قلب الفوضى وصميم الهيولي بدأ النظام وظهرت
الأشكال.
واذا نظرنا الى اساطير التكوين والخلق وأصول الأشياء عند
الشعوب القديمة وخاصة السومريين والبابليين،نجد أن ساعة
الخلق هو صراع كوني شامل بين قوى الهية خالقة،نشطة، فعالة
ومنظمة مع قوى العماء والسكون والفوضى وليس ظهور الكون
والحياة والانسان الا تجلياً لتلك الطاقة الحركية
الخلاقة.ولن يتأتى ظهور العالم الا باراقة الدماء، وانتصار
آلهة ودمار أخرى،ولن تتوطد أسس الكون الا على أشلاء الضحايا
المغلوبة.وفي كل سنة يخلق العالم من جديد ويجري تجديده ليعود
نضراً كما كان بمعونة البشر ومشاركتهم فيه عن طريق الطقوس
التي من شأنها شد أزر الآلهة ومعاضدتها ضد قوى العدمية التي
تتصدى لحركة الكون بغية استعادته الى حالته السكونية. وهنا
تتكشف لنا المعاني السرانية والعميقة الدلالة للاحتفالات
الدينية في رأس السنة والتي بدأت في بابل ومازالت
قائمة الى يومنا هذا
لم يكن الموت عند الانسان القديم مرحلة نهائية من شأنها وضع
حد لوجوده بجميع صوره،بل أعتبر دوماً بمثابة عملية تؤمن عبور
الانسان لحالة أخرى من الوجود تختلف في كليتها عن الحالة
التي ألفهافي حياته على الارض. وعلى هذا الاساس فان فكرة
الخوف من الموت لم تكن أبداً خوفاً من العدم عند الانسان
القديم بل كان خوفاً من المجهول،من مغادرة وضع يعرفه
ويدركه(أي الحياة على الارض) الى وضع آخر يجهله
تماماً(العالم الاسفل).
في الديانات القديمة وخاصة ديانات الخصب كان ينظر الى الموت
على مستويين : الموت على المستوى الكوني وفكرته الاساسية
تقوم على موت الطبيعة وبعثها المتكرر والذي هو انعكاس لموت
الاله وانبعاثه من جديد.
أما الموت على المستوى الثاني: فيتعلق بموت الانسان الفرد ،
فهو ليس كالطبيعة المتجددة التي تكرر حياتها وبعثها كل
عام.والانسان ليس كآلهة الخصب يموت ويحيا في دورة أزلية، بل
تنتظره حياتان: قبل الموت وبعد الموت.
فالموت على المستوى الكوني وبشكله المكتوب الذي وصل الينا
،يبدأ من أساطير السومريين وخاصة أسطورة العالم الاسفل
وهبوط(انانا)
سيدة السماء والهة النور والحب من كرسيها السماوي لتنزل الى
عالم الاموات ,,كورGOR،،التي
تسيطر عليها أختها الكبرى(اريشكيجال)الهة الظلام والموت في
زيارة مؤقتة لتعود بعدها للحياة ثانية.
أما لماذا تنزل انانا عن كرسيها وتترك مهامها وتهبط الى
العالم الاسفل، عالم الاموات؟!..
ان التحولات الاقتصادية في حياة الفرد والمجتمع كانت تقود
حتماً لديهم الى تحولات فكرية واجتماعية؛ فمثلاً اعتماد
الانسان الكلي على ثمار الأرض وخيراتها الى حياة الرعي ومنها
الى حياة الاستقرار والزراعة ولدت لديه أفكاراً متباينة.كما
أن التغييرات الدورية في الطبيعة من خصب وقحط،أمطار
وجفاف،خضرة ويابس،أي تعاقب فصول السنة أثارت هي الاخرى تفكير
الانسان واعتبرها انعكاساً لأفعال الآلهة وترجمة لأحداث
وتغيرات تقع في الطبيعة وما ورائها.
واذا كانت (انانا) قوة الاخصاب الكونية ومسوؤلة بشكل رئيسي
عن الانبات والحياة الزراعية فما الذي حدى بها للتخلي عن
مهامها هذه وترك الطبيعة لقوى الجفاف؟...نعم أنها تغيب عن
العالم العلوي الى العالم السفلي لكنها تجاهد من أجل الرجوع
مرة أخرى.,,وعملية الغياب والعودة هذه هي النموذج للمسار
الدوري الأزلي الذي دخلت فيه حياة الطبيعة(...)الجفاف
،الرطوبة،الحرارة،المطر وبرودة الشتاء جميعها ضرورية للحياة
الزراعية ولحبة القمح الذي اكتشفها الانسان واعتمد عليها في
غذائه...فالمطر يروي الحبة والربيع تجعلها خضراء.أما حرارة
الصيف فتساعد على انضاجها، لذا فالموت هو الوجه الآخر للحياة
وهو رغم الفاجعة والألم نقيض لا غنى عنه،،
الى الأرض التي لا عودة منها،الى أرض (اريشكيجال)
اتجهت عشتار ابنة ,,سن،،بأفكارها
نعم، ابنة سن اتجهت بأفكارها
الى دار الظلام ومسكن ,,اركالا،،
وموت الطبيعة استعداد لانبعاثها، وتجددها لن يحصل الا بموت
اله وتضحيته بنفسه من أجل استمرار حياة الانسان.ولهذا السبب
ضحت (انانا)-حسب الاسطورة-بنفسها وهبطت من عليائها وذاقت طعم
الموت.وحسب الاساطير القديمة نفسها،بالأخص السومرية
والبابلية منها، أن الانسان لم يخلق ويأتي الى هذه الحياة
الا عن طريق التضحية ببعض الآلهة واستعمال دمها ممزوجاً
بالتراب لصنعه(مثلاً اسطورة قتل -كنغو-زوج تعامة وفصد دمه ثم
مزجه بالتراب لصنع الانسان).
ومع اكتشاف القمح طور الانسان فكرته من خلال الاسطورة مصوراً
بان ,,انانا-عشتار،،وابنيهما ,,دوموزي،تموز،، هم روح القمح
والسنبلة جسدهم، وما عملية هبوط(انانا) الى العالم الاسفل
وعودتها فيما بعد الا تمثيلاً لدورة الطبيعة :
(..من ,,الأعلى العظيم،، تاقت الى ,,الأسفل العظيم،،
من ,,الأعلى العظيم،،تاقت الربة الى,,الأسفل العظيم،،
من ,,الأعلى العظيم،،تاقت انانا الى ,,الأسفل العظيم،،
هجرت سيدتي السماء وتركت الأرض
انانا هجرت السماء وتركت الأرض
الى العالم الأسفل قد هبطت
تركت الملك والسلطان
الى العالم الأسفل قد هبطت
شدت الى وسطها لوحات الأقدار القدس السبع
.......................................
.......................................
,,أيها ا