موقع الباحث الدكتور خليل جندي رشو

 

ما العمل؟ نظرة سريعة للمرحلة التي تمر بها الايزيدية" كوردستان العراق نموذجا "ً

 

الدكتور خليل جندي/ جامعة كوتنكن

 

 

 

" ليس من أغراك بالعسل حبيباً، بل من نصحك بالصدق عزيزاً"

 

وأنا أطالع مرة أحد الصفحات الالكترونية على الانترنيت، وقع نظري على هذه المقولة، وبعد تأمل عجبت بها أيما إعجاب وقلت في (مع) نفسي وأنا أتابع يومياً تقريباً ما ينشر عن الايزيدية في الصحافة- خاصة الالكترونية منها- وأقرأ المقالات والردود التي تكتب هنا وهنالك، والمناقشات التي تدور في المجالس وغرف البالتولك paltalk ، أن أقوم بتهيئة نفسي لكتابة مقالة أخرى تعبّر  عن رؤيتي ودراستي للواقع الذي يمر به المجتمع الايزيدي أكثر شمولية من سابقاتها من خلال التغييرات الجارية في العراق والعملية الديمقراطية ومحاولة كل قومية ودين ومذهب وشريحة إجتماعية تثبيت حقوقها في الدستور الدائم المزمع طرحه للاستفتاء أواسط شهر اوغسطس/آب من هذا العام.

فبعد تحرير العراق من النظام الشمولي وإلغاء جميع المؤسسات الارهابية- القمعية، من الطبيعي أن يتنفس الناس الصعداء ويعبّروا عن آرائهم ويكتبوا بدون رقيب وو...ومن حق الايزيدية كديانة قائمة بذاتها ومغبونة على مرّ العصور الماضية، أن تلّم شملها وتكافح بكل الوسائل السلمية والديمقراطية من أجل الاعتراف بها إسوة بأديان العراق وتثبيت حقوقها في الدستور الدائم.

ان العمل من أجل الاعتراف بالديانة الايزيدية وتثبيت حقوقها في الدستور القادم حق مشروع ومسألة بديهية لا يختلف عليه إثنان، إلاّ أن السؤال: ماهي الآليات التي نستخدمها لنيل تلك الحقوق؟ وهنا نصطدم بالواقع وتأتي الآراء والطروحات والمناقشات متعددة وأحيانا متضاربة. إذن ما العمل ومن أين نبدأ؟

الحرية بنت الديمقراطية، كما يقال. والانسان حرّ ما لم يضر. والمثقف الايزيدي حرّ فيما يكتب ما لم يضر. والانسان الايزيدي حرّ في إبداء رأيه فيما لم يضر...وان الكتابة- خاصة في حقل الانسانيات- رسالة معرفية لها شروطها ومقوماتها؛ فانها إضافة الى تزويد المتلقي بالمعلومات، تحرك الوعي وبالتالي تساعد على تغيير وتطوير المجتمع نحو الأفضل، لذا ينبغي أن تعبّر الكتابة بكل وضوح ودقة عن رأي وفكر الكاتب وإلاّ فقدت مصداقيتها وتأثيرها، ولن تساهم في معالجة تلك المسائل العقدية والأحداث المستجدة.

لسنا اليوم بحاجة الى كتابة مقالات المجاملة وترضية هذا الطرف أو ذاك، بل تشخيص الداء والدواء، لأن مجتمعنا الايزيدي مريض حقاً، ومشلول حقاً، لا قيادة دينية ولا دنيوية بالمعنى العملي والفعلي. ومثقفونا مشتتون لم يتحرروا بعد من تركة الماضي الثقيل. وأن منظمات المجتمع المدني في بداياتها وضعيفة هي الأخرى لا تحمل استقلاليتها الكاملة...أنا شخصياً عندما أريد الكتابة، يجب أن أنطلق من هذا الواقع، أدرسه بشكل جيد وأعكسه للعالم كما أفهمه؛ لا أكتب وأتحدث حتى يرضى عني الجميع خاصة أصحاب السلطة والمتنفذين، بل أكتب بما أؤمن به وبما يملي عليّ ضميري. وأن أخاطب عقول الناس قبل قلوبهم، وأن أثير المسائل الواقعية بدل العاطفية، وأن أبحث عن " مفاتيح" مواطن الخلل في حياة المجتمع، وبالتالي تكوين جبهة فكرية- ثقافية غير مترددة تقود عملية الاصلاح والتغيير داخل المجتمع.

ضمن هذا السياق، أرى من الضروري والواجب أن نلبي في كتاباتنا ومحاضراتنا ومخاطبتنا للناس، ما يحتاجه أولئك الناس وليس ما يريدوه؛ أي أن نكتب وندافع عن العملي والممكن من حاجات الناس لا أن نخاطب عواطفهم. على الكاتب الواقعي أن لا يتحرك حسب أهواء ومزاج الآخرين ويكتب كما يشتهون كي يكونوا راضين عنه ويقولون: " أنه شخص طيب ولم يزعج أحداً يوماً ما!" فان وجد إنسان أو كاتب بهذه المواصفات فانه باعتقادي: إما إنسان ضعيف لا موقف له، أو متقلب همه إرضاء الآخرين فقط، أو مريض نفسياً يدعو للشفقة.

وهنا أريد الاشارة الى مسألة في غاية الأهمية ألا وهي: هل العقل يؤدي دوره في كل الأحيان؟. إذا قلنا نعم في مجال العلم البحت، طبعاً في المجالات الأخرى لا يؤدي هذا العقل دوره بل يعتبر أداة دفاعية يستعملها الانسان للدفاع عن نفسه وعن مصالحه. وكما يقول الدكتور علي الوردي في كتابه ( مهزلة العقل البشري) " أن العقل الانساني لا يعمل وفق قوانين المنطق والحكمة والمثاليات، بل هو عضو مثل ناب الأفعى، وساق النعامة، ودرع السلحفاة." ويرى الوردي أيضاً :" أن طبيعة البشر واحدة والاختلاف يرجع في الغالب الى إختلاف في تكوين المجتمع، والذي جعل من أهل العراق أهل فطنة ونظر وأهل شقاق ونفاق هو واحد لا يتجزأ." (نقلاً عن د. عبد الخالق حسين: هل للعقل دور في اختيار الحلول الصائبة؟، جريدة ايلاف الالكترونية، الاثنين 20/يونيو 2005)

اذن كل واحد ينظر ويعمل ويكتب حسب مصلحته، ويقول الوردي أيضاً: " عندما يتوصل الناس بعد انتكاسات وخسارات الى الحل الصحيح، فانهم لم يتوصلوا اليها بالعقل والحكمة، بل أنهم إستسلموا للحل الصحيح، وتوصلوا اليه بعد أن إنسدت في وجوههم كل الطرق الخاطئة فلم يبقى أمامهم سوى الحل العملي الممكن."

لقد سقت هذه المقدمة كي لا يفاجئ الأخوة القراء والأخوات القارئات من الايزيديين بأفكاري. وأدعوا من كل الأخوة والأخوات الذين يختلفون مع كل أفكاري أو مع البعض منها الى مناقشته بشكل منطقي وحضاري. والذين يتفقون معي ولا يتمكون التعبير عن آرائهم لأي سبب كان، فأنا أحترمهم. والذين يتفقون مع أفكاري ويعلنونها كتابة، فمرحباً بهم الى البحث عن حل عملي وممكن لتثبيت الديانة الايزيدية في الدستور الدائم في بغداد وأربيل قبل أن نسلك جميع المسالك الخاطئة، وندق جميع الأبواب الخاطئة، ونعود بعد الارهاق واليأس الى الاستسلام للحل الصحيح!!

من بين أحد العوامل الذي دفعني لكتابة هذه المقالة ،بعد صمت طويل، هي "مذكرة التضامن مع المطاليب الايزيدية" التي حررها بعض الاخوة- بعد فقدان الوزارة التي كان يشغلها ايزيدي على ما يبدو- لجمع التواقيع، وما رافقه من تباين في المواقف وأحاديث وتعليقات وإزدياد الشرخ بين صفوف الايزيديين خاصة المثقفين منهم.

ولازالة أي التباس أود أن أوضح وأوكد بأني لست ضد المذكرة ولا أعتقد أن يكون غيري أيضاً ضد المطاليب التي تضمنتها بغض النظر عن سقف تلك المطاليب. ولم تصبح المذكرة من قبل البعض " جريمة لا تغتفر أو لم يحن الوقت للحديث عنها" كما ذكرها أحد الأخوة في مقالة له نشرت على صفحة بحزاني يوم 18/6/2005، لكن كان لدي ملاحظات على توقيتها (بعد فقدان الوزارة) وعلى بعض الأسماء والشخصيات التي وقعت عليها، والتعليقات، أي الحملة الاعلامية التي رافقتها، بحيث بدى وكأن كل من لم يوقع عليها من الايزيديين هو "خائن" لا ينتمي الى الى الكيان الايزيدي وغير مخلص لقضيته، و "غير شريف"!! حيث قرأت في تعليقات عديدة بأن "الذين وقعوا على المذكرة كلهم ناس شرفاء" . أيا ترى: هل الذين لم يوقعوا عليها " ناس غير شرفاء"؟! فاذا اعتبرنا نفوس الايزيدية في العراق يبلغ حوالي نصف مليون، وطرحنا منهم الأطفال والأحداث، فهل النسبة الباقية والتي تقدر بربع مليون ناس " غير شرفاء"؟! إذا كان المنطق بهذا الشكل التبسيطي في هذا الزمان، فأنا وغيري لن نخجل أن نكون ضمن الربع مليون الذين لم يوقعوا على المذكرة!! ونشّد على أيادي البضع مئات الشرفاء الذين وقعوا عليها ان حققوا مطالينا بتلك الطريقة التي يرونه مناسباً أم لم يحققوه.

 

نقاط ضعف المذكرة:

أنا لم أعرف بالضبط عدد الاخوة الذين قاموا باعداد المذكرة، هل كانوا ثلاثة، أربعة، عشرة، أم أكثر، وان كانت تقف ورائهم جهة ما أم لا، ربما كانت نيتهم صافية. أنا لا أناقش كل ذلك، إلاّ أن المأخذ هو أنه في حال المنعطفات والقضايا المصيرية التي تهم الايزيدية جميعاً، من الأولى أن تكون الخطوة التي يقدم عليه أي شخص، أو القرار الذي تتخذه أية مجموعة، يجب أن تدرس من جميع جوانبها ويأخذ بنظر الاعتبار النتائج المترتبة عليها من ربح وخسارة. وفي مثل هذه المنعطفات لا تتخذ القرارات في غرف مغلقة بين خمسة أو سبعة أشخاص، بل يقوم الشخص أو المنظمة والمركز المبادرين بالاتصال مع كل من له صلة بالموضوع من أصحاب الرأي من الأعضاء الايزيديين في الأحزاب الكردستانية والعراقية الديمقراطية، ومع مسؤولي المراكز والتجمعات والكتاب، ليس من ايزيديي العراق وحسب، بل دعوة بعض الايزيديين من الأجزاء الأخرى لكردستان الى اجتماع موسع لتدارس الموقف واتخاذ قرار شبه جماعي كي لا نحصد عكس النتائج المرجوة.

أعتقد أن المذكرة ساهمت في خلق حساسية بين الايزيديين، خاصة بين الأعضاء الايزيديين للحزبين الكرديين الحاكمين في كردستان العراق، وبدأ وكأن طرف يقف ضد مطاليب الايزيدية وآخر يدافع عنها وبذلك يسجل هذا الطرف نقطة على الآخر.

ثانياً/ نقطة الضعف الثانية هو توقيع حضرة سمو أمير الايزيدية وسماحة البابا شيخ ورئيس القوالين على المذكرة، علماً أن معدي تلك المذكرة والموقعين عليها والمؤيدين لها، اعتبروه مكسباً عظيماً! إلاّ أنه من وجهة نظري مآساة ومسألة تدعو للأسى، وبالتالي للتأمل والتفكير لانتشال الايزيدية من هذا الوضع المتردي بقيادته.

أنا أحترم كل من قام باعداد المذكرة، وكل من وقع عليه وأقدر مشاعرهم تجاه ديانتهم وبني جلدتهم، لكن توقيع كل من حضرة سمو الأمير وسماحة البابا شيخ لا أراه مفخرة ولا نصراً عظيماً، فلو كان كلاهما متابعان للتحولات السياسية في العراق وكردستان بشكل جيد، لتداركا الموقف قبل استفحاله ولقام الاثنان باعداد مذكرة باسميهما أو باسم المجلس الروحاني وطلبوا من الآخرين التوقيع عليها. وأنا على يقين بأن معظم الايزيديين والكثير من أصدقائهم من غير الايزيديين كانوا يلبون دعوتهما في التوقيع عليها. ومن جانب آخر وقبل أن يوصل الأمر بنا الى كتابة المذكرات، أعتقد أنه كان بامكان سمو الأمير وسماحة البابا شيخ ودون أن ينتظروا هذا أو ذاك، أن يلتقوا مع سيادة رئيس جمهورية العراق الفيدرالي جلال الطالباني وسيادة رئيس أقليم كردستان مسعود البارزاني، ومع أي مسؤول من قيادة الأحزاب الكوردستانية والعراقية. وكان بامكانهما أن يلتقوا مع سماحة المرجع الشيعي علي السيستاني والسيد الجعفري رئيس الوزراء وبقية المسؤولين العراقيين. اننا بهذا التوقيع كمن وضع العربة أمام الحصان كما يقول المثل. اذن أين يكمن الخلل أيها الأخوة؟!

ثالثاً/ الحلقة الضعيفة الأخرى في المذكرة هي توقيع مجموعة من المسؤولين الحزبيين والحكوميين الايزيديين داخل أحد الأحزاب الكوردستانية الحاكمة، والذي اعتبره الأخوة معدي المذكرة أيضاً نصراً كبيراً، إلاّ أني رأيت موقف ضعف يسجل في غير صالحهم. فهو إما ضعف موقفهم لدى أحزابهم، أو يبدو عدم إطلالهم على جميع ما يخطط ويقرر داخل تلك الأحزاب، وإلاّ كيف يمكن تفسير أن يكون إنسان في منصب وزير وعضو برلمان وممثل حزب ومستشار الأمين العام للحزب...الخ، لا يعلموا لماذا ضاع مثلاً منصب الوزير الايزيدي في حكومة المركز، ولماذا لم تحقق ولو 2% من المطاليب المذكورة في المذكرة التي وقعوا عليها؟!. أعتقد لو كان حزبهم ضد مطاليب الايزيدية، وجاء اولئك الأخوة للتوقيع على المذكرة، لسجل لهم التاريخ موقفاً شجاعاً لا ينسى.

المسألة الأخرى التي تجدر الاشارة اليه، هو الموقف من الأخوة والأخوات البرلمانيين الايزيديين، وهنا تنتابني الحيرة حقاً وأنا أسمع وأقرأ للكثيرين بأن البرلمانيين الأيزيديين الموجودين في المجلس الوطني العراقي والبرلمان الكوردستاني والوزير الايزيدي السابق، لا يمثلون الايزيدية. لنتفق مع القائلين بأن هؤلاء الأخوة والأخوات (بغض النظر عن الموقف الشخصي من هذا الشخص أو ذاك) لم ينتخبوا مباشرة من قبل الايزيديين، لكن هل هنالك شكّ في ايزيديتهم، أو عدم دفاعهم عن حقوق بني جلدتهم؟. ومن يقول لو تم إنتخاب مجموعة أخرى من قبل الايزيديين، لكانوا أكفأ وأكثر جدارة من الموجودين، أو لنقل محل ثقة الجميع؟! ألم تعطي الأكثرية الايزيدية صوتها الى قائمة التحالف الكوردستاني؟ أي اعطاء الشرعية، ليس للأعضاء الايزيديين فحسب، بل للأعضاء المسلمين والمسيحيين والتركمان الموجودين ضمن قائمة التحالف الكوردستانية. ألا يوجد اثنان من الأخوة (أحدهم ابن أخ الأمير) في لجنة صياغة الدستور نفسها، ألا يدعو هذا للتفاؤل؟ ومن يقول انه كان بامكان الايزيدية في الوقت الحاضر دفع عدد أكبر من نوابهم الى المجلس الوطني في المركز والأقليم؟ وهل يعتقد الأخوة أن العدد ولوكان عشرة أعضاء أو أكثر سيؤثر على قرار التصويت أمام الكتل البرلمانية الكبيرة؟!

يبدو لي أن من بين أحد الأسباب الرئيسية للنقاش الدائر في كون البرلمانيين الستة لا يمثلون الايزيدية، بل يمثلون أحزابهم والشكوك تجاه تلك الأحزاب، ينعكس من مجموعة ليست بالقليلة من الايزيديين لم يحسموا موقفهم فيما إذا كانوا ينتمون الى القومية الكوردية أم لا!. فان قالت واعترفت الغالبية العظمى من الايزيديين أنهم كورد وجزء من الشعب الكوردستاني، أعتقد أنه ليس من الصحيح حينها الالحاح على تمثيلهم حسب نسبتهم السكانية، وانما لهم كل الحق أن يطالبوا ويؤكدوا على مطاليبهم ضمن خصوصيتهم الدينية. وأعتقد جازماً بأن القائمة الكوردستانية ستبقى سند الدفاع عن مطاليب الايزيدية وبقية الأديان في كوردستان والعراق وتثبيتها في الدستور. وبدونها سوف لن نحقق ما نصبوا اليه.

وفي حال اعتبر البعض وأصر على عدم انتمائه للشعب الكوردي، واعتبروا أنفسهم من قومية أخرى أو قومية خاصة، حينها لا أحد يمنعهم من تشكيل أحزاب وحركات ومنظمات خاصة بهم وأن يدخلوا العلمية الانتخابية كأي شريحة أخرى وحسب القوانين المرعية، وحينذاك يتحمل جميع الايزيديون النتائج السلبية وليس هم وحدهم!. وبغض النظر عن موقفنا من هذه الشريحة فيما إذا تبلورت في المستقبل، فاننا نعتبرها على كل حال من إفرازات العملية الديمقراطية وعدم قمع الآراء المخالفة.

 

القضايا الملحة التي تنتظر غالبية الكورد الايزيديين:

يمكن حصر أهم القضايا الملحة في الوقت الحاضر بالتالي:

  • النضال والعمل بكل السبل من أجل وحدة مناطق الايزيدية من شنكال (سنجار) غرباً الى بعشيقة وبحزاني وقضاء الشيخان شرقاً ، والقرى الايزيدية التابعة الى قضاء تلكيف في الوسط الى أن نصل الى مجمعاتهم في دهوك وزاخو في الشمال والشمال الشرقي وعدم تجزئة هذه المناطق عن بعضها.
  • العمل وبالحاح من أجل ضمّها الى فيدرالية أقليم كوردستان. ربما يتم تشكيل فيدرالية لمحافظات السنّة من (الموصل، تكريت والرمادي)، فان لم يتم فصل مناطق الايزيدية في قضاء شنكال والشيخان وتلكيف إضافة الى بعشيقة وبحزاني التابعة لقضاء الحمدانية، عن محافظة الموصل، لأصبح الايزيديون وحقوقهم سوية في مهب الريح!!
  • أرى أن مصيرنا مرتبط بمصير شعبنا في كوردستان، وحقوقنا مضمونة ضمن فيدرالية أقليم كوردستان، بغض النظر عن إختلاف المعتقد الديني (الخصوصية الدينية). ولا أرى من الضروري جداً أن يرمي الايزيديون بثقلهم ويضيعوا وقتهم نحو( مع) المركز بغداد!

( وأنا أطرح هذا الاحتمال، فيما إذا تم – لا سامح الله- تجزئة المناطق الايزيدية بين أقليم كوردستان و "فيدرالية السنّة" ، ماذا يكون مصير المجلس الروحاني الأعلى للأيزيدية؛ هل يظلوا مجلساً للطرفين، أم سيشكل مجلس آخر في الطرف الثاني؟)

 

ماهي عوامل تفرقة وتباعد الايزيدية؟

لا تختلف خصائص الكوردي الأيزيدي من حيث المبدأ عن الخصائص التي يتميز بها الكوردي المسلم في العراق،أو حتى عن الفلاح الريفي بشكل عام. فالفرد والمجتمع الايزيديين يشكلان جزء من ثقافة الفرد والمجتمع الشرقي بكل ما يحمله من الايجابيات والسلبيات. الايجابيات كثيرة يشهد لها، والسلبيات موجودة لا أحد يستطيع نكرانها.

من الطبيعي أن تصنع العلاقات الانتاجية والبيئية والجغرافية والتاريخ شخصية الفرد والمجتمع وتصنع شخصية الأمة أيضاً، بغض النظر عن العرق واللغة. والكورد الايزيديون ليسوا استثناء من تلك القاعدة. نقول وبمرارة أن نسبة كبيرة من الايزيديين يتميزون بالفردية والاستسلام للقدر والازدواجية والشّك والحذر الزائدين عن اللزوم، إضافة الى ذلك الانغلاق الطويل على الذات –مجتمعاً وأفراداً- والعناد الفلاحي الذي لازمهم خلال تاريخهم المنصرم، وهذا في جزئه الكبير ينبع من عوامل عدة لا مجال لذكرها هنا.

الى جانب هذه الخصائص المذكورة التي وقفت وتقف عائقاً بوجه وحدة نسيج المجتمع الايزيدي، فان ما وصل اليه الايزيديون في الوقت الحاضر من تباعد وتفرقة يعود الى الصراع بين الحزبين الكورديين الحاكمين في كوردستان العراق على كسب الايزيديين والاستحواذ عليهم. وما ضياع الوزارة التي كان يشغله الوزير الايزيدي إلاّ جزءاً من ذلك الصراع على ما يبدو.

من الطبيعي جداً أن يعمل الحزبان الحاكمان في أقليم كوردستان، ومعهم الأحزاب الكوردية والعراقية، على كسب الايزيديين وغيرهم في صفوفهم، وهو حق مشروع. وربما تقوم تلك الأحزاب بوضع آليات (اللجان الاستشارية مثلاً) بناء على الخصوصية واعتقاداً منها لتقديم أفضل الخدمات لهم. على ما يبدو أن هنالك شكوى وموقف شبه متفق عليه يقول أن سبب تباعد وخلافات الايزيديين، خاصة في مراحله الأخيرة، يعود الى سوء إدارة اللجان الاستشارية الايزيدية لدى كلا الحزبين الكورديين الحاكمين بسبب الصراع " الغير ودي" بينهما وتغليب النظرة الضيقة والمصالح الذاتية على العامة. هذا ما يتحدث به الناس جهاراً وينشرونها هنا وهنالك.

بالرغم من صحة أو خطأ تلك الأحاديث والكتابات، والمنطلق الذي ينطلق منه الشخص أو المجموعة في تقييمهم لعمل تلك اللجان الاستشارية، رجائي وأملي من الحزبين الكرديين المناضلين (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني) الذي أكن لهما ولجميع الأحزاب الأحزاب الوطنية الكوردستانية والعراقية المناضلة، كل الاحترام والتقدير، أن ينظروا الى الايزيدية ويقييموه من خلال عيون ومصادر عديدة وليس فقط من خلال عيون اللجان الاستشارية( الذي أكن لجميع العاملين فيها كل الود والتقدير وجميعهم أصدقائي المقربين) خدمة لمصلحة الحزبين ولسمعة الأخوان في اللجان الاستشارية أنفسهم وليس انتقاص من قيمتهم.

العامل الثاني الشبه مزمن لتباعد الايزيدية، تكمن باعتقادي في ضعف القيادة المتمثلة بوجود منصب الأمير كوظيفة أولاً، ووجود المجلس الروحاني الاسمي ثانياً. حيث أن منصب الأمير لدى الايزيدية ولدى غيرهم كان منصباً إدارياً بحتاً لا علاقة له بالشؤون الدينية.

إذا كان الأمير( أنا أتحدث هنا عن المنصب والوظيفة وليس عن الاشخاص بحد ذاتهم) يعتبر نفسه معصوماً من الخطأ، أي (مقدساً) يفترض به أن يختار واحد من بين اثنين: الدين أم السياسة (الأمور الادارية)، أما إذا أصرّ أن يحتفظ بالاثنين معاً، عليه أن يتوقع توجيه النقد اليه عن سوء إدارته للمجتمع.

وفي مقابلة أجريت معي في شهر ديسمبر من عام 2004 وتم نشره في مجلة (نور لالش) الصادرة من فرع مركز لالش الثقافي الاجتماعي في بعشيقة وبحزاني، عبّرت عن موقفي بشكل علمي وواقعي على منصب الأمير بين الايزيدية، كون هذا الاسم أو المفهوم بنت عقبة من الزمن تخطاه التاريخ، وأن هذا الاسم/الوظيفة يرتبط بوجود إمارة، أي كيان له شبه استقلالية على الأرض، وله قوة عسكرية تدافع عنه، وحتى علم ونقود وصكوك خاصة به. وكم من أسماء إمارات لامعة في تاريخ الشعب الكردي تلاشت واندثرت ولم تبق لها غير الاسم في بطون الكتب وبعض بقايا القلاع والقصور على الأرض! وهذا كان مصير الامارات الايزيدية نفسها التي اندثرت هي الأخرى مع شقيقاتها. أين إمارة حلب، شنكال، زوزان، العمادية، حرير، الشيخان، أربيل ورواندوز؟!

إن هذه النقطة تدخل ضمن دائرة الاصلاحات التي يجب أن ينادي بها الايزيديون من أجل إيجاد قيادة عصرية فعّالة لهم تواكب مستجدات المرحلة الى جانب استخدام الأساليب العصرية الأخرى من مراكز وتجمعات ومنظمات المجتمع المدني. وان أصرّ كل من لم يعي التاريخ ولن يستوعب التغييرات، على بقاء منصب الأمير بدون وجود كيان الامارة نفسها، على أن يقبلوا باحياء منصب أمراء من نسل الأمراء الذين انقرضت إماراتهم، ويكون لنا من سلالة الأمير شيخ مند، الشيخ شرف الدين، الشيخ سجادين، الشيخ آمادين، الشيخ ناصردين، الأمير حسن ممان، والأمير بير محمد رشان، ومحمد الكردي القاتاني (أمير أربيل ورواندوز) الذي ينتسب اليه، حسب بعض المصادر، عائلة أمراء الايزيديين الحاليين؟! ليكون من هؤلاء جميعاً ( مجلساً إدارياً لشؤون الايزيدية). 

هل يصّر الايزيديون القبول بالمفهوم السّلفي، كون الحاكم هو ظل الله على الأرض، وأن "الأميرهو وكيل الشيخ عدي"؟!

يبدو أن الايزيديون، بمن فيهم غالبية المحسوبين على جبهة المثقفين ولأسباب مختلفة، يشبهون السنّة في موالاتهم ووقوفهم الى جانب الشرعية المتمثلة بالأمراء "الحاكمين" عليهم. حيث نرى هذا الموقف الموالي لن يبق في حيز السكوت لدى المثقفين، وإنما بدأ الافصاح عنه تحريراً في مقال تحت عنوان: "المرجعية الدينية، والجيل الثاني من الحركة الثقافية الايزيدية، بداية وآفاق مفتوحة" يريد الأخ الكاتب أن يحمّل رواد الجيل الأول المتشبعين بالأيديولوجية اليسارية سبب إخفاقات الوضع الايزيدي المتردي والموقف المتشنج مع الأمير. يقول بالضبط: "ثم أن مهمة المثقف كانت أصعب، لأن الجيل الأول من الحركة الثقافية الايزيدية، كان متأثراً بحركات التحرر اليسارية الموجودة في العالم، ولهذا فان نظرته وحلوله لمآساة الايزيدية كانت معظمها لايجاد بدائل وفق تلك الايديولوجية بما فيها التعاطي مع الشأن الداخلي وإعادة بناء البيت الايزيدي، بعقيدة ثورية وكأنهم أمام حرب بين (طبقة العامة والأقطاع) ومن هنا بدأ الخلاف مع المرجعية الدينية، وبشكل خاص مع بيت الأمير، الأمر الذي مهد لنوع من الفتور وأزمة الثقة بين الطرفين. فرواد الجيل الأول كانوا يعتبرون حلولهم في الشأن الايزيدي الداخلي هي بداية للواقع، والأمير كان ينظر الى ذلك تهديداً لوجودة على الهرم الروحاني- الدنيوي."

وبعد أن يرمي تبعات تناقضات المجتمع الايزيدي وتأزيمها على رواد الجيل الأول المتأثر "بحركات التحرر اليسارية الموجودة في العالم" (أي الماركسيون والشيوعيون ذو الأفكار المستوردة) يأتي الأخ الكاتب بعدها ليعطي تفسيراً لبعض جوانب تطور المجتمع الايزيدي لتكون رسالة ترضية وتعهد الى " المرجعية الدينية/ الأمير" لتصفية الأجواء وإزالة " الفتور وأزمة الثقة ونظرة التوجس والشّك" الذي كان يحمله الأمير نحو المثقفين من الجيل الأول. ولم يقف كاتبنا العزيز عند هذا الحد وحسب، بل أعطى الصلاحية لنفسه أن يتكلم باسم الجيل الأول ويرسل باشارة ثانية للطرف المتوجس من الجيل الأول ويطمئنه أن اولئك تم ترويضهم و "حاولوا بدورهم أيضاً التأقلم وفق أيديولوجية الجيل الثاني."!. إذا كانت (العقيدة الثورية/ الايديولوجية اليسارية) أثبت فشلها في ترتيب "البيت الايزيدي" فما هي (ايديولوجية الجيل الثاني) التي تساعد على ترميم ذلك البيت؟ علماً أن الأيديولوجية ينظر اليها في كل الأحوال عقيدة شبه جامدة ومتطرفة! ( راجع المقال الاسبوعي لرئيس تحرير جريدة قنديل، بقلم الكاتب ميرزا حسن الدنايي). ربما يكون لي- إذا اقتضى الأمر- وقفة أخرى مع هذا المقال الملفت للنظر بعنوانه والمحبط لتوجهات الجيل الثاني من المثقفين المستقبلية، أو حركة النهضة الايزيدية كما يسميها الأخ الكاتب.

ما زال مجتمعنا- مع الأسف- مجتمعاً عشائرياً- فلاحياً بمعناه الاقتصادي الاجتماعي، لم يتحرر بعد من تركة الأفكار العشائرية الأبوية، ورغم إزدياد درجة التعليم داخل المجتمع، إلاّ أنه لم يتبلور بعد إتجاه فكري- ثقافي، بل ما زالت المجموعة المثقفة تترنح يميناً وشمالاً وربما تستسلم لهذا الطرف أو ذلك حسب موازين القوى على الأرض.

 

مشروع إصلاحي وبعض الحلول المقترحة:

أعتقد أن معالجة مشاكل المجتمع الايزيدي وتحقيق مطاليبهم الآنية لن يكتب لها ذلك النجاح المتوقع، ما لم يقترن ببعض الاصلاحات الداخلية وإجراء " عمليات جراحية لأمراض مزمنة" في سلم التقسيم الهرمي المصطنع والحديث العهد وفصل الشؤون الدينية عن الشؤون الادارية السياسية، وحينها يعمل المساران معاً وبشكل متوازي ويقودان حتماً دفة سفية الايزيدية الى برّ الأمان. وفيما يلي بعض الخطوط العامة لمشروع الاصلاح دون الدخول في تفاصيلها:

1-    بما أن منصب الأمير على رأس الهرم الديني مفروض، فقد زال بزوال أسبابه منذ أواسط القرن الثاني عشر بزوال الامارات الايزيدية. وفي كل الأحوال كان منصب الأمير إدارياً وليس دينياً كما تم ذكره.

وإذا كان الايزيديون، بما فيهم الكثير من المثقفين، لن يتمكنوا من استيعاب مشروع طرحي ويعتبر مفاجئة لهم، أدعو فصل منصب الأمير عن المجلس الروحاني، على أن يبقى الأمير كرمز مثل ملكة بريطانيا، وملك هولندا والدانيمارك والسويد...الخ، ينظر اليه وكل من يأتي بعده بعين التقدير والاحترام، ويحافظ على مكانته ويخصص له راتباً محترماً يليق بمنزلته من خيرات الايزيدية ، ويستشار في جميع الشؤون المصيرية ويضع توقيعه على القرارات المهمة التي تتخذ.

وفي حال الاصرار على الاحتفاظ بالنظام الجديد دون تقبل التغييرات، أكرر مقترحي السابق باحياء من يمثلون الامارات الايزيدية المنقرضة وتشكيل مجلس خاص بهم يكون الأمير الحالي واحد من ضمن ذلك المجلس.

2-    إعادة تشكيل المجلس الروحاني ونفخ الروح فيه، بعد أن يتم فصل الدين عن السياسة ويتخذ الأمير كرمز. يقوم المجلس الروحاني أعلاه انتخاب من يمثله ويكون مسؤولاً عن جميع الشؤون الدينية.

3-    تشكيل هيئة جديدة غير دينية من الوجهاء والمثقفين( المراكز الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني)- يتفق على عددها- في كردستان العراق، تكون مسؤولة عن جميع خيرات الايزيدية وشؤون إدارتها وصرفها.

4-    تشكيل هيئة ذات صلاحيات إدارية واعلامية من المراكز والتجمعات والجمعيات وبعض وجهاء الايزيدية في الخارج، تقوم بادارة شؤون الجالية الايزيدية وبالتنسيق مع المجلس الروحاني والهيئات الأخرى خارج الوطن.

 

بعض الحلول الآنية الملحة: في هذا المنعطف التاريخي، لا أرى للايزيدية مخرجاً في تحقيق طموحاتهم سوى التقاء التيارات، أو المجموعات التالية:

1-    ممثلي الايزيديين داخل الاحزاب الكوردستانية، وخاصة الحزبين الحاكمين ( الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني) والديمقراطية العراقية وبدعم كامل من أحزابهم.

2-    رواد الجيل الأول من خارج الأحزاب (المستقلون). ومن الأحياء يمثلهم كل من (خليل جندي وممو عثمان)، ولا أذكر الأخ خدر سليمان من الجيل الأول كونه محسوباً على حزب كوردستاني مناضل.

3-    ممثلين المراكز الثقافية والاجتماعية والتجمعات الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني.

4-    الأمير / الرمز.

5-    ممثلين عن المجلس الروحاني.

6-    ممثلين عن هيئة الوجهاء والمثقفين

7-    ولا ضير من إضافة ممثل أو أكثر من الهيئة التي تشكل في الخارج.

يشكل من هؤلاء جميعاً ( مجلس إداري)، أو سميها ما شئت، يمثل ضمير الايزيدية أمام الحكومتين المركزية في بغداد والأقليمية في أربيل، وكذلك أمام جميع الأحزاب والقوى الكوردستانية والعربية في العراق.

لا أدعي أن مشروعي متكامل من جميع الجوانب، بل هي أفكار وخطوط عامة. وأعلم أن البعض ولأسباب خاصة بهم، ربما يعتبرونه من باب الفنطازيا. ولن ينتابني الدهشة ان سكت البعض حتى عن مناقشته، أو ردّ عليّ البعض بعنف. مسبقاً أقدر آرائهم وردودهم بكافة ألوانها، وأقدر الذي في داخله شئ ولا يريد إظهاره...لكني أعتقد أن ما طرحته سيكون مخرجاً للأزمة التي نعانيها، ومع ذلك فهو مطروح للنقاش والاغناء واجراء بعض التعديلات عليه. وأعرف جيداً أن ولادة الأفكار الجديدة تكون عسيرة وشاقة، وربما يقدم صاحبها حياته ثمناً من أجلها!

 

كوتنكن في 26/6/2005                                                                              خليل جندي

 

* أرسل للنشر بالتزامن الى الصحف والجرائد التالية: ( جريدة الأهالي/ بغداد، مجلة لالش وده نكى لالش/ دهوك، صفحة عامودا/ ألمانيا، صفحة بحزاني/ ألمانيا، جريدة قنديل/الماني، صفحة كانيا سبى/ ألمانيا، صفحة لالش/المانيا)

 

عودة الى المقالات

 

                   E-mail.: info@khaliljindy.com                  www.khaliljindy.com                      webmaster@khaliljindy.com