أما اليزيديون انفسهم فيؤكدون
أن الشيخ عدي أتى من الشام الى منطقة (حكار ـ هكار) في جبل لالش ، واستطاع أن
يجمع حوله جماعة اليزيدية.
وعند التوقف عند مختلف هذه
الاراء ، نصل للاستنتاجات التالية:
1 ـ يجمع غالبية المؤرخين
الذين تطرقوا الى هذا الموضوع ، ان الشيخ عدي أتى من الشام (قرية بيت فار ـ
أو بعلبك) الى لالش وتمكن من لم شمل اليزيدية.
2 ـ تمشياً مع المنطق نقول لو
لم يكن أجداد الشيخ عدي من سكنة حكار ( كما ورد في كتاب مزده هاروز) لكان من
الصعب عليه ان ينشر الدعوة بين اليزيدية ، وقد ترك ذلك الأثر الكبير في
نفوسهم بحيث بدأوا يقدسونه لحد الآن.
3 ـ اذا كان الشيخ مسلماً كما
يدعي بعض المؤرخين العرب والمسلمين ، فلماذا نبش المسلمون قبره عام 1415 م
وهدموا لالش.
بذلك نصل الى قناعة ان تاريخ
العقيدة اليزيدية ابعد من ظهور الشيخ عدي. فمن أين أتت ، وما أصلها؟
لقد أصبحت هذه العقيدة لغزاً
حير الباحثين الذين كتبوا عن اليزيدية ولم يتوصلوا لفك هذا اللغز. ما عدا
اعطاء بعض الاشارات والنتف هنا وهناك. منهم من وصفهم بالمانويين والزرادشتيين
والمسيحيين ، ومنهم من وصفهم بتيار مرتد عن الاسلام... الخ.
يزيد ـ اليزيديون ـ اليزيدية
ان هذا الموضوع متشعب ومهم في
الوقت نفسه. سنحاول بشيء من الايجاز معالجته ، أولاً: من آراء المؤرخين
والباحثين. ثانياً: ما يعنيه اليزيدية أنفسهم من خلال قصائدهم وتراثهم الديني
، خاصة ما يقصدونه بكلمة (يزيد) التي تعتبر ركناً من اركان الديانة اليزيدية.
وتساعدنا معرفة ذلك على ازالة العديد من العقد والالتباسات ، بل تكشف خفايا
هذه الديانة.
فاليزيديون (ئيزدي ، ايزدي)
مجموعة لهم عاداتهم وطقوسهم ومراسيمهم الدينية ، ويؤمنون بيزيد (ئيزي) وكذلك
(طاوؤس ملك) الذي هو أكبر آلهة اليزيدية ، بل هو رئيس الملائكة.
ويقول اليزيديون ان الله خلقه
من النور وادم من التراب. ولهذا لم يسجد له عندما أمره الله. وبذلك كافأه
الله وجعله رئيساً للملائكة. وطاوؤس في الأصل كلمة محرّفة من كلمة يونانية
(ثيئيوس)ومعناه الله. أخذها المسيحيون من اليونان واستعملوها في الكتب
والصلوات. بمعنى الاله. ثم تطورت حتى اصبحت مرادفة لكلمة الله. وتطلق كلمة
طاوؤس عند اليزيدية على هيكل برونزي مذهب على شكل طير مثبت على قاعدة وله سبع
حلقات دائرية. ويحمله بعض رجال الدين الذين يسمون بالقوالين عند التجوال
مرتين في السنة في الربيع والخريف بين اليزيدية وتجري خلال هاتين الزيارتين
مراسيم دينية خاصة. ويعتبر هذا "الطاوؤس" رمزاً وعلماً للملاك. وكان عند
الزرادشتين نفس العلم. وهو يمثل كذلك "طير الجنة الأزلي".
أما يزيد (ئيزي ـ ايزي) فهي
كلمة مثار جدال ونقاش بين الكتاب والباحثين الذين كتبوا عن هذا الموضوع ،
وتكثر حولها الاجتهادات. ماذا تعني ومتى استخدمت في التاريخ وكيف فسرها
المؤرخون؟
فصيل من الكتاب العرب المسلمون
الذين سبقت الاشارة إليهم ، يؤكدون أن كلمة اليزيدية مشتقة من يزيد بن
معاوية. وقسم آخر يرجعها الى يزيد بن انيس الخارجي ، ويقولون ان الأول هو
مؤسس هذه العقيدة ، كي يثبتوا ان اليزيديين كانوا مسلمين وارتدوا عن الاسلام.
لنتوقف عند كل من الرأيين
المختلفين ، كي نرى أيهما أقرب الى الصواب. اولاً لم نقرأ في كتب التاريخ أو
نسمع أن يزيد بن معاوية الأموي استطاع خلال سني خلافته القصيرة تكوين ديانة
جديدة ويسري ذلك على يزيد بن أنيس الخارجي. أما الرأي الثاني فمع أنه أقرب
الى المنطق ، لكن اصحابه لم يتمكنوا من تقديم الأدلة الثابتة ، بسبب عدم
اطلاعهم على الأدب الديني اليزيدي بشكل خاص ، ودعماً لرأيهم نستشهد بهذه
الأبيات من قصيدة دينية يزيدية:
يزيد هو السلطان بعينه
سمي بألف اسم واسم
اسمه الأعظم هو الله.
* * *
السلطان يزيد عالم بما يحوي
البحر من مياه
الدنيا أمامه خطوة
يقطعها بساعة
هو الذي اقام عرس آدم وحواء.
من هذا نستدل ان يزيد هو اسم من
اسماء الله الذي خلق ادم وحواء حسب الأديان الثلاثة الرئيسية. ومع ذلك فإن
المسألة أعقد مما نتصوره.
اليزيدية على كل حال ، بقايا
ديانة شرقية قديمة ، تحتفظ بعقائد وعادات من الحضارات القديمة في وادي
الرافدين وكردستان وغيرها ، كعبادة الشمس والقمر ، ووضع إله للكثير من
الظواهر الطبيعية ، كالرياح والعواصف والبرق ، واليل والنهار... وإله لكل نوع
من أنواع الأمراض والعاهات. هذه الظاهرة ليست فريدة عند اليزيدية ، فقد يلاحظ
ذلك عند شعوب ومجتماعات أخرى كاليونانيين القدماء مثلاً.
ويعتقد اليزيديون بتناسخ
الأرواح ، وان لهم زعماء دينيين في كل القرون والعصور لروح خالدة وروح بشرية
تمثلها على الأرض. هذه الفكرة الدالة على استمرارية قوة وجبروت الدين ،
والأعمال الخارفة التي تقوم بها شخصية غيبية قد تظهر لتخليص الناس والمجتمع
من المآسي والفساد وهي الفكرة التي تحاول تطهير الروح من السيئات ونهي الناس
عن ارتكاب الخطايا ، وبخلاف ذلك تدخل روح الآثم في جسم حيوان لتتعذب الى
الأبد...
ويبدو على الأرجح أن كلمة يزيدي
(ايزيدي) مقتبسة من كلمة يزت التي تعني الأرواح المجردة ، وأشهر من يمثل
الروح المجردة لدى اليزيدية سبعة ( ملك شيخ سن ، ملك فخرالدين ، سجادين ،
بابادين ، آمادين ، ناسردين ، شيخ شمس اي إله الشمس) وكل واحد منهم موكل بيوم
من أيام الأسبوع. وينقسم هؤلاء "الأرواح المجردة) الى قسمين: سماوي وأرضي.
وطاوؤس ملك هو في اعلى طبقة السماويين ، كما أن (الشيخ آدي) في مقدمة
الأرضيين ، والسبعة المذكورون من طبقة السماويين أيضاً ، وهناك من يمثلهم على
الأرض. واليزيدية ديانة توحيدية تعترف بوجود الله ، وما الملائكة الأخرى إلا
معاونون له لتمشية أمور الأرض والدنيا.
كما تنظر اليزيدية بعين التقديس
للعناصر الأربعة (النار ـ التراب ـ الهواء ـ والماء). ولكل يوم من أيام
الأسبوع (إله) ، ويوم ألأربعاء من الأيام المقدسة لديهم ، يحتفلون فيه كل عام
حسب التقويم الشرقي الغريغوري بعيد رأس السنة الجديدة. ولليزيدية نظام طبقي
ديني معقد جداً ، وان ذلك دليل كاف لاختلافه عن الدين الاسلامي. وهذا الموضوع
بحاجة الى دراسة خاصة ومعمقة. ويطغي على الديانة اليزيدية الكثير من تعاليم
ومبادئ الديانة الزرادشتية. وثمة سؤال آخر: هل اليزيدية امتداد للزرادشتية
واسم اخر لها ، ام ديانة اقدم منها وقائمة بذاتها؟
لقد عبد الاكراد النار والشمس
قبل ما يقارب (4000) سنة ق.م. وقبل ظهور زرادشت ، وقد آمن الكرد أن أصلهم
يرجع الى النور والشعاع ، والقصة الدينية التي ترويها اليزيدية حول الكيفية
التي خلق فيها الله طاوؤس ملك من النورمتداولة ومعرفة ، كما أنهم يطلقون لحد
الآن لقب النوراني على أوليائهم امثال (شيخ عدي النوراني ـ شيخ شمس النوراني
. . . الخ) وتشعل النار الى أيامنا هذه في الأماكن المقدسة وبيوت رجال الدين
اليزيدين ، أيام الأربعاء والجمعة والأعياد ، وبما أن الشمس والقمر والنجوم
تبعث النور والشعاع فقد قدسوها ايضاً. ويمقت اليزيديون الظلام وكل ما يمت
اليه بصلة ، ربما يكون هذا هو سبب كرههم اللون الأزرق وعدم لبسه.
فالبحث في أمور العقائد
اليزيدية يواجه مصاعب وتعقيدات للأسباب التالية:
1 ـ ان الأوضاع المأساوية التي
عاشها اليزيديون جعلتهم يفرطون في السرّية عند ممارسة طقوسهم الدينية ، وقد
أسدل على تأريخهم ستار مظلم .
2 ـ لم تكن النصوص اليزيدية
الدينية في متناول يد الباحثين قديماً. فكتابهم الأول بعنوان (مصحف ره ش ، اي
الكتاب الأسود) ألفه الشيخ عدي. ويتناول مسألة الخليقة وتكوين العالم وأصل
اليزيدية. أما الثاني فيتضمن القصائد والأدعية والأصول القديمة لليزيدية.
والكتابان هما باللغة الكردية وكتبا بأبجدية خاصة استطاع المستشرق انستاس
ماري فك رموزها. ونشر النصوص بالعربية والكردية في مجلة انتروبولوجي عام
1911. وكان القنصل الروسي كارتسوف قد حلل عام 1884 مضمون (مصحف ره ش).
واستطاع الرحالة الانكليزي باري نشر النص العربي عام 1895.[ix]
ويوجد الى جانب إله الخير
(أهورامزدا) إله الشّر (أهريمن) وله جند ومعاونون هم الديو (دئو) ويمضي
"أهريمن" في مقدمتم يقاتل (الخالدين المقدسين). واذا كان "أهريمن" او"ديو" هم
الشياطين ، فأن اليزيدين لم يعبدوا هؤلاء ، وهنا نستطيع أن نؤكد قول
(مينورسكي) بأن اليزيدين يعتبرون نعتهم بـ "عبدة الشيطان" اهانة ومسبّة لهم.
وقد دخل على معتقدات اليزيديين
بمرور الزمن السحر والشعوذة ، وبعد ظهور زرادشت الأول والثاني والثالث في
فترة 3000 و2040 و1060 ق.م. على التوالي ، استهدفوا تنقية تعاليم اهورامزدا
من الشعوذة والأرواح الشريرية الدخلية.
اليزيدية اقدم من الديانة
الزرادشتية ، بل هي أصلها ومادتها والأكراد اليزيديون هم الأكراد الأصليون
الذين حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم وترثهم الديني. ومازال (الخالديون) ، تلك
السلالة الكردية العريقة ، يدينون بهذه العقيدة وهم يتوزعون بين كردستان
تركيا والعراق. ومازال بين اليزيدية اسماء مثل (مادو) وعشرات أمثالها تيمنا
باسم (ميديا ـ او الميديين). وربما هناك علاقة بين اليزيدية ووجودهم في منطقة
بهدينان ، فبهدينان كلمة مركبة من (به + دين) وتعني الدين الجيّد.
لذا من الواجب تعديل ما قاله
سابقاً كثير من الباحثين حول ان اليزيدية في الأصل هي الزرادشتية. . . العكس
هو الصحيح. ويمكن أن نقول في هذا الصدد أنه بظهور الديانات اليهودية
والمسيحية والاسلامية وانتشارها الواسع دخلت عناصرمنها في الديانة اليزيدية.
[i]
ملاحظة: نُشر هذا البحث لاول مرة في مجلة الثقافة
الجديدة تحت الاسم المستعارللدكتور خليل جندي" شيخ علي" في العدد 205
كانون الثاني 1989 , العدد 3 من السنة 36 من اصدار المجلة , الصفحة 78 ـ
86 . مجلة الثقافة الجديدة مجلة شهرية يصدرها الحزب الشيوعي العراقي.
[ii]
من بين الدراسات التي نشرت عن اليزيدية
حديثا كتاب " اليزيدية بقايا دين قديم" للأستاذ جورج حبيب. بغداد 1978م.
حلل فيها بعض جوانب الديانة اليزيدية من الناحية الفلكية.
[iii]
مؤلفات هؤلاء الكتاب حسب تسلسل
اسمائهم(اليزيدية ومنشأ نحلتهم 1932م ـ اليزيدية واصل عقيدتهم. بغداد
1935 م. ـ اليزيدية. موصل 1949 م. ـ اليزيدية في حاضرهم وماضيهم 1968 م.
ـ اليزيديون ـ الموصل في العهد الأتابكي. بغداد 1958 م.)
[iv]
محمد امين زكي . خلاصة تاريخ كرد
وكردستان . الجزء الأول ص 385.
[v]
جبل لالش : وادي عميق يقع في قضاء
الشيخان ويبعد ما يقارب 56 كم شمال محافظة نينوى.
[vi]
راجع محمد امين زكي . مصدر سابق . ص
296 ـ 297 الهامش .
[vii]
الأكراد المسلمون في العراق يطلقون على
اليزيديين احياناً كلمة (داسني) بدلاً من يزيدي ويذكر البروفيسور قنات
كوردو ـ العالم والمؤرخ الكردي السوفيتي (استناداً إالى آراء ليرخ) أن
اصل أجداد الشيخ عدي يرجع الى منطقة مريوان .
[viii]
مينورسكي . الأكراد . الترجمة الكردية
ـ حمه سعيد حمه كريم ـ ص 117 .
[ix]
في عام 1909 م قام المستشرق المسيحي
(عيسى يوسف) بطبع ما وقع تحت يديه تحت عنوان " النصوص اليزيدية" ونشرها
في " المجلة الامريكية للغات السامية" المجلد 25 ـ العدد 2 ، 3 وبعدها
قام ( م. بيتنر) بجمع هذه النصوص ونشرها بشكل علمي في فيينا عام 1913 م.